مطالب ترامب القصوى تجاه إيران تُلقي بمحادثات عُمان في حالة من عدم اليقين

واشنطن (مقاطعة كولومبيا) — تدخل إدارة الرئيس دونالد ترامب جولة المحادثات الأخيرة مع إيران بقائمة مطالب أقصاوية، بينما لا تزال استراتيجيتها الأشمل غامضة، حسبما أفاد محللون لقناة الجزيرة.

تُعقد المحادثات في مسقط يوم الجمعة، وهي الأولى منذ الضربات الأميركية على منشآت إيران النووية في يونيو الماضي. تمثل هذه المحادثات فصلاً جديدًا في علاقة البيت الأبيض بطهران خلال الولاية الثانية لترامب، التي بدأت بمحاولة التوصل إلى اتفاق نووي جديد قبل أن تقوّض تلك المساعي حرب إسرائيل التي استمرت 12 يومًا والتصعيدات العسكرية الأميركية اللاحقة.

شهدت الأشهر الأخيرة احتجاجات مناوِئة للحكومة في أنحاء إيران تخلّف قتلى، بينما كرّر ترامب تهديداته بتوسيع التدخّل العسكري وشدّد العقوبات الخانقة. وفيما يلي، دفع البيت الأبيض أسطولًا عسكريًا ضخمًا إلى سواحل إيران، في تكتيك سبقَ الهجمات السابقة على إيران وأيضًا عملية اختطاف مزعومة لقائدٍ أجنبي.

يقدّم بعض المحللين تفسيرًا مفاده أن الإدارة ترى أن إيران أضعف الآن، لذا حان الوقت لطرح مطالب أقصاوية لتحقيق أكبر تنازلات ممكنة. يقول سينا أزودي، مدير دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن، إن هذه هي فرصة الإدارة لطلب مقايضات قصوى.

تمتد مطالب واشنطن لتشمل وقف برنامج إيران النووي، وفرض قيود على برامجها للصواريخ الباليستية، وقطع دعمها لما يُعرف بالـ«عملاء الإقليميين». وتشير تقارير إلى أن هذه الأجندة الموسعة التي تروّج لها إدارة ترامب تهدّد بعرقلة سير المحادثات، التي يفترض أن تضم مبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يوم الأربعاء إن واشنطن «جاهزة للحوار». وأضاف أن أي محادثات ذات مغزى يجب أن تتناول مدى صواريخ إيران الباليستية، ورعايتها لمنظمات تُصنّفها واشنطن إرهابية، ومعاملة النظام لمواطنيه.

وفي مقابلة مع شبكة NBC، هدّد ترامب مجددًا طهران قائلاً إن المرشد علي خامنئي «يجب أن يكون قلقًا للغاية»، لكنه في الوقت نفسه عرض أهدافًا تبدو أضيق نطاقًا للمفاوضات، إذ قال الأسبوع الماضي إنه يريد أمرين من إيران: أولاً — عدم امتلاك سلاح نووي، وثانيًا — التوقّف عن قتل المتظاهرين.

يقرأ  ما بدأ في غزة يجب أن ينتهي في غزة

وجددت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت التهديد، مؤكدة أن للرئيس «خيارات عديدة إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى لأقوى جيش في التاريخ».

ما هي استراتيجية الولايات المتحدة؟

خلال ولاية ترامب الثانية اتّسمت سياسة الإدارة الخارجية بالتقلب، ووصفتها أوساط تحليلية بمقارباتٍ تتراوح بين «نظرية الرجل المجنون» وعبثية الاندفاع. هذا الغموض يخيِّم على مفاوضات الجمعة.

شَنّت الإدارة ضربات على إيران في 22 يونيو بعد خمس جولات من المحادثات في عُمان، التقى فيها ويتكوف بعراقجي وجهًا لوجه. جاءت الضربات بعد أن انقضى المهلة الثنائية التي فرضها ترامب على طهران لوقف تخصيب اليورانيوم، رغم استمرار جدول محادثات مستقبلية.

تؤكد طهران منذ عقود أن برنامجها النووي لأغراض مدنية، وكانت قد قيدت التخصيب مقابل رفع العقوبات وفق الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) التي انسحب منها ترامب في 2018.

يقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن الغموض يسود بشأن ما إذا كانت أهداف الولايات المتحدة ستقتصر على الملف النووي، كما يقول الرئيس، أم ستكون أوسع بكثير وتطالب بإذعان كامل، كما ألمح روبيو. وأضاف أن الإدارة قد تدخل المحادثات «دون استراتيجية تفاوضية واضحة»، مع معايير متحركة بحسب ما يعرضه الإيرانيون على الطاولة.

وفي سيناريو آخر، يرى واعظ أن ترامب قد يستخدم هذه المفاوضات كـ«مخرج» لتخفيف اللهجة العسكرية الحالية وتهديدات التدخل دعماً للمتظاهرين. غير أن قمع التظاهرات من قِبل السلطات الإيرانية جعل المخاطر العسكرية تؤدي إلى أزمة أمنية إقليمية وربما أزمة اقتصادية عالمية تمتد آثارها إلى الولايات المتحدة.

تستمر الضغوط داخل إدارة ترامب من مسؤولين، على رأسهم روبيو، المعارضين لأي تنازل يُنظر إليه في واشنطن على أنه إنقاذ لنظام يبدو منهكًا. وهذا ما يجعل أي صفقة قد تُفسَّر بأنها تفيد الجمهورية الإسلامية غير مرغوب فيها سياسيًا.

يقرأ  تجربة تعليم إلكتروني مصممة خصيصاً لك وحدك

وفيما لو تمسكت الإدارة بموقفها الصارم، خصوصًا حول برنامج الصواريخ، فربما لن تجد تعاونًا كبيرًا من إيران رغم رغبتها في تجنّب مزيد من العمل العسكري، وفق أزودي. وقد تكون طهران منفتحة على توثيق حدود مدى بعض صواريخها، لكن أي قيود أوسع، مثل تقليص المخزون، ستُعتبر خطًا أحمر مستبعدًا.

في رأيه، «أقوى ردع لدى إيران، والردع الوحيد الفعّال حاليًا، هو برنامجها الصاروخي. إذا أُزيل ذلك، ستصبح عرضة لهجمات إسرائيلية مستقبلية وستفقد فعليًا جزءًا من سيادتها — هذا هو الخط الأحمر الأبرز.»

النفوذ الإقليمي

تجري المحادثات في ظل دعوات خليجية إلى تهدئة دبلوماسية، خشية تأثير أي تصعيد على استقرار المنطقة. وقد حذّر المرشد خامنئي أن أي هجوم على البلاد سيقود إلى «حرب إقليمية». كما أسقطت القوات الأميركية طائرة مسيّرة إيرانية في الخليج الفارسي مؤخرًا، وزعمت واشنطن أن زوارق إيرانية «هدّدت» سفينة تجارية ترفع العلم الأميركي في مضيق هرمز، ما رفع من مخاطر التورّط العسكري.

بعد الضربة الأميركية العام الماضي، ردّت إيران باستهداف قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي منشأة مهمة لحليف أميركي غير عضو في حلف الأطلسي. وفي الوقت نفسه التقى مبعوث الولايات المتحدة ويتكوف هذا الأسبوع برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالما دعا إلى عمل عسكري ضد إيران ويعيق الجهود الدبلوماسية.

في ظل هذه المعادلة المتشابكة، تبدو نتائج محادثات مسقط رهينة توازن دقيق بين مطالب أميركية صارمة ورغبة إيرانية ملحوظة في تجنّب مواجهة مفتوحة، مع مخاطر أن يترك غياب استراتيجية تفاوضية واضحة الباب واسعًا أمام تصعيد خطير. حذّر نتنياهو ويتكوف من ضرورة البقاء متشككين حيال أي تعهدات إيرانية، حسبما نقلت وكالة رويترز.

خليل جحشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن، قال للجزيرة إن الموقف الأميركي قبيل المباحثات يعكس «تزامناً في المواقف» مع حكومة إسرائيل، التي تعتبر برنامج ايران للصواريخ الباليستية واحدًا من أبرز الأهداف الإقليمية ومصدر قلق استراتيجي ومصلحه إقليمية مهمة.

يقرأ  الأمين العام للأمم المتحدة يحذّر: قوة استقرار غزة يجب أن تحظى بشرعية دوليةأخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

وأضاف جحشان أن ما يجري قد يكون مجرد جدل سطحي من جانب الولايات المتحدة يهدف إلى تخفيف حدة اعتراضات الحلفاء العرب، لكنه لا يراه كافياً لثني واشنطن أو تل أبيب عن خيار عسكري آخر، ولا يبدي تفاؤلاً كبيراً بإذعان طهران. ورأى أن الجمهورية الإسلامية منهكة بفعل العقوبات والاضطرابات الداخلية وعدد من النكسات الإقليمية، وأنها تسعى لتفادي هجوم أميركي-إسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه قد لا تستجيب بسهولة لسيل من التهديدات شبه الدبلوماسية الفوضوية.

نيغار مرتزافي، باحثة أولى في مركز السياسة الدولية، أشارت أيضاً إلى وجود تيار داخل إيران يرى في المفاوضات خدعة وأن الهدف النهائي لإدارة ترامب هو هجمات عسكرية وتغيير النظام. ومع ذلك، قيمت مرتزافي أن الطرفين يدخلان المحادثات برغبة في خفض التصعيد رغم وجود فروق خطيرة في المواقف.

ونقلت عن مسؤول إيراني كبير أنه «يخشون المفاوضات بجديّة ولكن بإصبع على الزناد»، بمعنى أنهم يريدون إعطاء الدبلوماسية فرصة، لكنهم يبقون عيونهم مفتوحة تجاه خطر الضربات. وأوضحت مرتزافي أن هذه ازدواجية خطيرة؛ فحينما يكون طرفان متقابلين ومشحونين بتهديدات جدية وذات مصداقية، فإن الأمور قد تخرج عن السيطرة بسهولة، حتى عن طريق الخطأ.

من جهته، قال علي واعظ من مجموعة الأزمة إن الولايات المتحدة قد تبالغ في تقدير مكانتها؛ فمع أن النظام الإيراني تضرر بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، فإن القادة في طهران لا يزالون يؤمنون بقدرتهم على الصمود. كما قال: «النظام الإيراني أضعف بشكل ملحوظ، لكنه ليس ضعيفًا — وهذان الشيئان ليسا مترادفين».

أضف تعليق