قادة يحذّرون في منتدى «الجزيرة»: إبادة إسرائيل في غزة تهدّد النظام الدولي أخبار «جرائم ضد الإنسانية»

تصاعدت تبعات الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة وتأثيراته الجيوسياسية في أرجاء الشرق الأوسط وخارجهما، فجعلت من منتدى الجزيرة السابع عشر في الدوحة منصة مركزية لمناقشة أبعاد هذه الأزمة ونتائجها.

كبار المسؤولين والسياسيين حذروا السبت من أن الصراع يسرّع انهيار الأعراف الدولية ويعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، وفي المقابل أعاد بالقوة القضية الفلسطينية إلى صلب الدبلوماسية العالمية.

خلال المنتدى، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عائداً من محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة في عُمان، أن القضية الفلسطينية هي السؤال الاستراتيجي المحوري الذي سيحدد مستقبل المنطقة، محذراً من أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة ومواقف تل أبيب الإقليمية تقوّض النظام القانوني الدولي. وصف النضال الفلسطيني بأنه «سؤال العدالة الحاسم في غرب آسيا وما وراءها» و«البوصلة الاستراتيجية والأخلاقية لمنطقتنا».

وأدان الحرب بقوة قائلاً: «ما نشهده في غزة ليس مجرد قتال… إنه تدمير متعمّد لحياة المدنيين على نطاق واسع. إنه إبادة جماعية». وأضاف أن العنف «جَرَح ضمير الإنسانية» وأظهر عجز القوى الكبرى عن حماية المدنيين ومنع الاعتداءات عليهم.

وحذّر عراقجي من أن تبعات هذا الصراع تتجاوز الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى تحوّل العالم إلى مكان يُستبدَل فيه القانون بالقوة، وأن الإفلات من العقاب على الاعتداءات ضد المدنيين قد يطبع فكرة الهيمنة العسكرية كمبدأ مهيمن في العلاقات الدولية. ووصف سياسات إسرائيل بأنها جزء من مشروع توسّعي إقليمي يستهدف إضعاف الدول المجاورة وفرض «لا مساواة دائمة» في المنطقة، فيما يمكّن الدولة الإسرائيلية من توسيع ترسانتها دون رقابة فعّالة.

وأشار إلى أن إسرائيل نفّذت هجمات في 2025 استهدفت ست دول: فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، قطر وإيران، كما شنت ضربات في المياه الإقليمية التونسية والمالطية واليونانية ضد قوافل إغاثية متجهة إلى غزة.

يقرأ  كيفية تعزيز جاهزية الطلاب لسوق العمل بربط الفصول الدراسية بالمسارات المهنية

وطالب عراقجي بتنسيق دولي فاعل لفرض «عقوبات شاملة وموجهة على إسرائيل، بما في ذلك حظر فوري على تسليم السلاح»، مع تعليق التعاون العسكري والاستخباري ومساءلة قانونية لمنتهكي القانون الدولي. وشدّد على أن القضية الفلسطينية «ليست مجرد ملف إنساني… بل هي قضية استراتيجية»، وأن استقرار المنطقة رهين إنهاء الاحتلال وبناء نظامٍ يستند إلى السيادة والمساواة.

وعن المفاوضات مع واشنطن، كشف عراقجي لالجزيرة أنه تم الاتفاق على جولة ثانية من المحادثات، من دون تحديد موعد بعد، مع قناعة متبادلة بضرورة عقدها قريباً. وبخصوص احتمال نشوب حرب مع الولايات المتحدة قال إن الاحتمال وارد دائماً، لكن إيران مستعدة للسلام والحرب في آن معاً. وطمأن المنطقة بأن طهران أبلغت الأميركيين والدول الإقليمية أنها ستستهدف القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة فقط في حال وقع هجوم أميركي، ولن تستهدف الدول المضيفة نفسها.

إسرائيل تسعى لمنع قيام دولة فلسطينية

في افتتاحه، قال الشيخ حمد بن ثامر بن محمد آل ثاني، رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الإعلامية، إن الهجوم الإسرائيلي شكّل نقطة تحوّل في مسار القضية الفلسطينية، محذراً من محاولة الاحتلال تغيير الوقائع على الأرض بشكل دائم. ولفت إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي يسعى لإعادة احتلال غزة عن طريق تهجير أهلها… واستيطان أجزاء منها وفي الضفة… بهدف منع إقامة دولة فلسطينية».

واستذكر الثمن الباهظ الذي دفعته الصحافة والمراسلون الذين غطّوا الحرب، مؤكداً أن الجزيرة «قدّمت تضحيات… ودفع شبكة مراسليها ثمناً غالياً»، وأن الصحفيين استُهدفوا فقط لأنهم أرادوا نقل الحقيقة للعالم. ومع ذلك، جدد التزام الشبكة بالاستمرار في نقل الحقيقة وإعلاء صوت المتضررين، وتكريم الذين بذلوا أقصى التضحيات في سبيل ذلك.

التهديد الإسرائيلي للبحر الأحمر

حذر رئيس الصومال حسن شيخ محمود، متحدثاً في المنتدى، من أن حرب غزة والتصعيد في البحر الأحمر تجريان في ظل تفكك أوسع في النظام الدولي. وصف الأزمة الفلسطينية بأنها مستوى جديد من ممارسات لا إنسانية في التاريخ، محذراً من أن الفشل في تحقيق «حل عادل ودائم يقوم على مبدأ الدولتين» قد يطيل أمد حالة عدم الاستقرار إقليمياً وعالمياً.

يقرأ  الرئيس الإيراني يتهم ترامب ونتنياهو والاتحاد الأوروبي بإثارة التوترات أثناء الاحتجاجات

ووضع الصراع في سياق تآكل أُسس الحوكمة العالمية، مشيراً إلى أن قواعد النظام الدولي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية باتت مهددة، وأن منطق «القوة هي التي تصنع الحق» يحلّ تدريجياً محل الالتزام بالقانون الدولي. وربط محمود عدم الاستقرار الإقليمي بتوترات البحر الأحمر، مشيراً إلى أن تدخلات مثل اعتراف إسرائيل بسوماليلاند وازدواجية المواقف تمس سيادة الصومال وتهدد طرق التجارة وأمن القارة الأفريقية.

واعتبر اعتراف إسرائيل بسوماليلاند «عملًا متهوّراً وخاطئاً وجائرًا بموجب القانون الدولي»، قائلاً إن هذه الخطوة «تقوّض الاستقرار والأمن والتبادل التجاري بطريقة تؤثر على أفريقيا والبحر الأحمر والعالم أجمع». في مقابلة حصرية مع الجزيرة، أضاف أن إقليم صوماليلاند المنافِط وافق على استقبال فلسطينيين مشردين يُنقلون إليه مقابل الاعتراف، في سياق صفقة أثارت جدلاً إقليميًا. رفضت سلطات أرض الصومال تلك الاتهامات.

وحث محمد، يوم السبت، الحكومات والمؤسسات الدولية على «العودة إلى درب الهدف المشترك والقواعد العالمية المتفق عليها» لثني مسار تآكل التعاون متعدد الأطراف.

انقسام عالمي تاريخي

أوضح بورهان الدين دوران، رئيس مديرية الاتصالات في تركيا، أن الحرب الاسرائيلية الإجرامية على غزة تعكس تحوّلاً أعمق في خارطة السياسة العالمية، محذِّراً من أن تآكل المؤسسات الدولية أتاح ارتكاب فظائع مع محدودية المساءلة.

«العالم ليس في طور الانتقال فحسب؛ لقد انتقل فعلاً. نحن نعيش تبعات انقسام تاريخي»، كما قال.

ووصف غزة بأنها أبلغ تجلٍ لهذا الانهيار: «الإبادة الجماعية، في حالة الابادة الاسرائيلية … عادت إلى قلب السياسة الدولية، ليست استثناءً بل واقعاً متسامحاً معه». وأضاف أن المؤسسات المصممة لمنع مثل هذه الجرائم الآن «تفشل علنياً، بشكل متكرر، وبنية».

وحذّر أيضاً من أن الصراعات المعاصرة لم تعد محصورة في ساحات القتال المادية؛ إذ تُخاض عبر السرديات والمنصات الرقمية التي تشكّل ما يظهر وما يُعتدّ بمصداقيته وما يختفي.

يقرأ  نجم ألماني جديد يهاجم ترامب قبيل انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة — أخبار الكرة

ورأى أن العدالة يجب أن تصبح المبدأ المنظِّم للنظام الدولي، مؤكداً أن «العدالة تولِّد الشرعية» وأن الاستقرار الدائم لا يمكن فرضه بالقوة وحدها.

وعن النهج الدبلوماسي لتركيا، قال دوران إن أنقرة تنتهج استراتيجية «الملكية الإقليمية»، مشدِّداً على أن «المشكلات الإقليمية تتطلب حلولاً إقليمية»، مع إبراز جهود الوساطة والتثبيت في عدة ساحات نزاع.

«في غزة، تتجسّد هذه الموجة من انعدام الأمن بأقسى صورها — دمار واسع، صدمة عميقة، إبادة وانهيار إنساني»؛ داعياً القوى الإقليمية إلى إعطاء الأولوية لإنهاء الحرب ومنع أي تهجير قسري للفلسطينيين.

أضف تعليق