مفاوضات إيران والولايات المتحدة في مسقط أكسبت وقتاً ولم تُفضِ إلى اتفاق | آراء

الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية‑الأميركية في مسقط لم تسفر عن اختراق؛ والأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه الجولة وضعت أسسًا تفاوضية أم أنها اشترت وقتًا قبل تجدد التصعيدد.

على المستويين الرسمي والعلني، خرجت المحادثات التي استمرت عدة ساعات في السادس من فبراير بمواقف مفتوحة ثابتة: طهران أصرّت على أن تقتصر المباحثات على الملف النووي، بينما سعت واشنطن إلى إطار شامل يشمل الصواريخ الباليستية والميليشيات الإقليمية وقضايا أخرى أثارتها علناً، من بينها قضايا حقوق الإنسان. لم تنتصر أي جهة بالكامل، لكن الطرفين اتفقا على العودة للقاءات لاحقة.

ما بدا للوهلة الأولى سؤالًا بروتوكولياً لم يكن كذلك. جولة مسقط كانت أول تواصل دبلوماسي رفيع المستوى بين البلدين منذ الضربات المشتركة الأميركية‑الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، والتي قالت طهران لاحقًا إنها أودت بحياة أكثر من ألف شخص واستهدفت ثلاث مواقع نووية. أن عاد الطرفان إلى نفس القصر قرب مطار مسقط حيث عُقدت جولات العام 2025، واتفقا على العودة مجددًا، له دلالته الخاصة.

لكن الاستمرار لا يعني التقدّم. الفجوة بين ما جرى في مسقط وما يتطلّبه اتفاق فعليّ لا تزال شاسعة.

دبلوماسية تحت ظل القوة
أبرز ما ميّز جولة مسقط لم يكن ما نُقل من كلمات، بل من جلس مع الطاولة. وفد الولايات المتحدة قاده المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وصهر الرئيس ترامب. وللمرة الأولى حضر أيضاً الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، ويرتدي زيه الرسمي الكامل.

حضور قائد عسكري بهذا المستوى على طاولة التفاوض لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة. حاملة الطائرات يو إس إس إبراهام لنكولن كانت تعمل في بحر العرب أثناء المحادثات، وفي أيام سابقة أسقطت القوات الأميركية طائرة مسيّرة إيرانية اقتربت من المجموعة الحاملة. مصادر دبلوماسية إيرانية نقلت عن رويترز أن وجود كوبر «عرّض» المحادثات للخطر، وأخرى حذّرت عبر قناة العربي من أن «التفاوض تحت تهديد» قد يفرض تكاليف استراتيجية بدلاً من أن يقدّم تقدّمًا. الرسالة لطهران كانت جلية: هذه دبلوماسية تدار في ظل ظلّ القوة، لا بديلاً عنها.

يقرأ  محادثات مع إسرائيل قد تُسفر عن نتائج «خلال أيام»، بحسب مسؤول سوري

واشنطن من جهتها تَرى في هذا نفوذًا. الرئيس ترامب وصف المحادثات بعد عودته على متن الطائرة الرئاسية بأنها «جيدة جدًا» وقال إن إيران «تريد الاتفاق بشدّة»، وأضاف: «هم يعرفون العواقب إذا لم يفعلوا. لن يبرموا صفقة؛ والعواقب ستكون شديدة.» هذه صياغة تفاوضية تقوم على الإنذار؛ قد تخلق إحساسًا بالإلحاح، لكنها نادراً ما تصنع ثقة — والثقة هي ما تحتاجه العملية بشدّة.

المشكلة البنيوية
الانسحاب الأميركي من خطة العمل الشاملة المشتركة 2015 في 2018، رغم ان الضوابط الدولية أشارت إلى التزام إيران بالتزاماتها آنذاك، دمّر ثقة طهران في استمرارية تعهدات واشنطن. الرد الإيراني بتخطي بعض بنود الاتفاق تدريجيًا ورفع مستويات التخصيب منذ 2019 أضعف بدوره مصداقية إيران. هذا الطابع من عدم الثقة ليس عقبة تفاوضية تحلّها الحيلة الدبلوماسية وحدها؛ بل هو الحالة التي يجب أن يبنى عليها أي اتفاق. للالتزامات قيمة، يجب أن تؤمن إيران أن التنازلات ترجح رفاهية ورفع للعقوبات لا تمهّد لمطالب جديدة — وإيمانها هذا تضرَّر بشدّة.

اعتبر أيضاً تسلسل الأحداث المحيط بمسقط: بعد ساعات من اختتام المحادثات، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات جديدة طالت 14 سفينة في «الأسطول الخفي» التي تنقل النفط الإيراني، إضافة إلى عقوبات على 15 كيانًا وشخصين. وزارة الخزانة عرضت هذه الخطوة كجزء من حملة «الضغط الأقصى». سواء كانت مقررة سلفًا أم مُوقّتة لإيصال رسالة، فالمعنى واضح: واشنطن تنوي التفاوض وفي الوقت نفسه مواصلة الضغط.

لطهران، التي طالما طالبت أن يكون رفع العقوبات مدخلاً أساسياً للتقدم، يؤكد هذا التسلسل نمط ما تخشاه. واعترف نائب وزير الخارجية عباس عراقجي بصراحة على التلفزيون الإيراني أن «انعدام الثقة المتطور يمثل تحدياً جاداً أمام المفاوضات».

ما حدث فعلاً في مسقط
تحت الروايات المتنافسة بدأت خطوط النقاش الجوهرية تتضح: إيران رفضت بحسب تقريرات مطلباً أميركيًا أقصى يقضي بـ«صفر تخصيب»، وهو مطلب لم تكن طهران لتقبله في لقاء أول. بدلاً من ذلك، بحث الطرفان تخفيف مخزون اليورانيوم الإيراني القائم، وهو مسار تقني قد يكون أكثر قابلية للتداول. في الوقت نفسه، عرضت دول إقليمية — بحسب الجزيرة — مقترح إطار يتضمن وقف التخصيب ثلاث سنوات، ونقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج البلاد، والتعهد بعد استخدام الصواريخ الباليستية؛ وقالت تقارير إن روسيا أبدت استعدادًا لاستقبال اليورانيوم. طهران بدت واضحًا أن وقف التخصيب أو نقل اليورانيوم سيكونان خطوطًا حمراء.

يقرأ  ليلة استثنائية في نيويورك:بنجامان بونزي يهزم دانييل ميدفيديف في أمريكا المفتوحة ٢٠٢٥

ما قد يكون الأهم كان أقل ظهورًا: بحسب أكسيوس، التقى ويتكوف وكوشنر مباشرةً بعراقجي خلال المحادثات، مبتعدين عن صيغة التواصل غير المباشر التي أغلب جولات العام الماضي اتسمت بها. إيران كانت تصرّ سابقًا على التواصل عبر وساطة عمانية؛ وتجاوز هذا الحاجز، ولو جزئيًا، يشي بأن الطرفين يدركان حدود الوساطة غير المباشرة عندما يتحوّل التفاوض إلى مفاوضات تقنية.

وصف وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي المحادثات بأنها محاولة لإرساء «الظروف الملائمة لاستئناف المفاوضات الدبلوماسية والتقنية» — وإطار عماني بدا الأكثر صراحةً في قراءة اليوم.

ماذا ستحسم الأسابيع المقبلة
ترامب قال إن جولة ثانية ستُعقد قريبًا، والطرفان أبلغا أكسيوس بأن لقاءات إضافية متوقعة خلال أيام. التسارع في الإيقاع ملفت؛ في جولات العام الماضي كان يفصل أسابيع بين الجلسات. الإيقاع الحالي يوحي بأن واشنطن ترى نافذة دبلوماسية تضيق، وطهران على الأقل مستعدة لاختبار ذلك.

عدة محكّات ستبيّن إن كان هذا الإلحاح سيؤتي ثماره ام انه مجرد تسريع زمني:

– نطاق النقاش: الخلاف الجوهرى حول ما الذي تُعنى به المباحثات بقي دون حل. إيران كسبت المعركة الإجرائية الأولى: الانتقال إلى مسقط، استبعاد رقابة إقليمية، وادعاء عراقجي بأن النقاش اقتصر على النووي. إذا انطلقت الجولة الثانية بنفس الخلاف حول النطاق، فذلك مؤشر أن الأساسيات لا تزال محل نزاع.

– وضع التخصيب الإيراني: قبل حرب يونيو 2025 كانت إيران تُخصّب اليورانيوم حتى 60%، قفزة تقنية قصيرة عن مستوى الأسلحة. طهران تقول إن التخصيب توقف بعد الضربات، لكنها اشترطت ترتيبات تفتيشية جديدة للوكالة على المواقع المتضررة، ما أثار قلق خبراء عدم الانتشار. عودة التخصيب أو تسارعه قد تُجهض المسار الدبلوماسي.

– البيئة العسكرية: التعبئة البحرية الأميركية في بحر العرب ليست للمظاهر. إسقاط الطائرة المسيّرة قرب إبراهام لنكولن ومحاولة إيران اعتراض سفينة ترفع العلم الأميركي في مضيق هرمز قبل المحادثات يظهران مدى سهولة الانزلاق من إشارات إلى حسابات خاطئة. قرار واشنطن بتقوية أو إبقاء أو سحب مجموعة الحاملة خلال الأسابيع المقبلة سيكشف أكثر مما تقوله البيانات الصحفية عن تقييمها للدبلوماسية.

يقرأ  عزف مراهق حفلاً في الشارعفتورّط في ظلّ الماضي القمعي لروسيا

– إيقاع العقوبات: إعلان عقوبات الأسطول الخفي في نفس يوم المحادثات وضع نمطًا. إذا استمرت واشنطن في فرض عقوبات جديدة بين جولات التفاوض، ستعاملها طهران كدليل على أن الدبلوماسية عرضٌ مسرحي لا عملية تهدف لحل.

– النشاطات الخلفية: قد لا تجري أهم الدبلوماسية في القاعات الرسمية خلال الأسابيع المقبلة. عمان وقطر ومصر وتركيا ظلت تعمل خلف الكواليس للحفاظ على قنوات الحوار. استمرار تلك الاتصالات سيمنح مجالًا للاحتواء، وغَلقها سيقلّص هامش الخطأ.

مأزق مدار ليس استراتيجية
النتيجة المرجّحة على المدى القصير تبقى لا اختراق ولا حرب، بل مأزق مدار يُحافظ فيه الطرفان على مواقف علنية قصوى مع تفادي خطوات تُنهي إمكانية المحادثات مستقبلًا. عمليًا، هذا وقفة مدعومة بالحذر لا حلّ مرسخًا بالثقة.

للمنطقة، الفرق أمر بالغ الأهمية. دول الخليج لا تريد أن تتحول إلى منصات تصعيد. التصريحات العامة الإقليمية شددت على خفض التصعيد والجمود والامتناع عن الصراع. لكن الفاعلين الإقليميين يمكنهم التيسير والاحتضان والتشجيع؛ لا يستطيعون فرض الشروط على واشنطن او طهران.

لم تفشل محادثات مسقط، لكنها لم تنجح كذلك. أثبتت فقط أن ثمة قناة، وأن الطرفين مستعدان لاستخدامها، وأن تواصلاً مباشراً بين كبار المسؤولين ممكن.

قناة ليست خطة؛ وغياب الحرب ليس وجود اتفاق. الفترة بين مسقط وما سيأتي بعدها نافذة لا يزال الخطر فيها قريبًا من السطح، وتعتمد فقط على افتراض أن الطرفين يفسران إشارات بعضهما البعض بنحو صحيح.

الجولة المقبلة لن تثمر اتفاقًا نهائيًا، لكنها قد تكشف إن كان الطرفان يبنيان أرضية تحت الجمود أم يؤجلان اللحظة التي سيتهاوى فيها ذلك الأساس.

الآراء الواردة هنا تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق