تبدأ هذا الأسبوع محاكمتان تتهمان أكبر شركات التواصل الاجتماعي في العالم بإيذاء الأطفال، في أولى المحاولات القانونية لمساءلة شركات مثل ميتا عن آثار منتجاتها على المستخدمين الصغار.
في جلسة اليوم افتتحت المرافعات في قضية رفعتها نيابة ولاية نيو مكسيكو، تتهم ميتا بالفشل في حماية الأطفال من محتوى جنسي صريح. وقضية منفصلة في لوس أنجلوس، تتهم ميتا ويوتيوب المملوك لشركة غوجل بتصميم منصاتهما عمداً لتكون مسببة للإدمان لدى الأطفال، وستبدأ لاحقاً هذا الأسبوع.
TikTok وSnap ذُكرتا أيضاً في الدعوى الأصلية في كاليفورنيا لكنهما توصّلتا لاحقاً إلى تسوية بشروط لم يكشف عنها.
القضيتان في نيو مكسيكو وكاليفورنيا هما الأوّلان في موجة تضم نحو 40 دعوى قضائية رفعتها نيابات الولايات حول الولايات المتحدة ضد ميتا تحديداً، وتزعم أن العملاق الرقمي يضر بالصحة العقلية للشباب الأميركيين.
قضية نيو مكسيكو
في مرافعة الافتتاح في قضية نيو مكسيكو، التي رُفعت أوّلاً عام 2023، أخبر المدّعون هيئة المحلفين يوم الاثنين أن ميتا — الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام — لم تكشف عن الآثار الضارّة لمنصاتها على الأطفال.
قال المحامي دونالد ميليوري، ممثلاً ولاية نيو مكسيكو: «الخلاصة طوال هذا المحاكمة أن ميتا فضّلت الأرباح على السلامة». وأضاف: «كانت ميتا تعلم بوضوح أن سلامة الشباب ليست من أولوياتها… وأن نموّ المستخدمين والتفاعل كان أهمّ من حماية القاصرين».
يقول المدّعون إنهم سيقدّمون أدلة وشهادات تُظهر أن خوارزميات ميتا وميزاتها الحسابية لم تكتفِ بجذب الشباب وإدمانهم على وسائل التواصل، بل خلقت أيضاً «بيئة خصبة» للمتحرّشين الذين يستهدفون الأطفال للاستغلال الجنسي.
في أواخر الشهر الماضي، خلال مرحلة الاطّلاع على الأدلة، أفادت نيابة نيو مكسيكو أن الشركة لم تضع ضوابط كافية لحماية الأطفال من الوصول إلى روبوتات محادثة جنسية على فيسبوك وإنستغرام. وفي رسائل إلكترونية حصلت عليها المحكمة، عبّر بعض موظفي قسم السلامة في ميتا عن اعتراضاتهم لأن الشركة كانت تطوّر روبوتات محادثة تهدف إلى المرافقة، بما في ذلك تفاعلات ذات طابع جنسي ورومانسي، بحسب وكالة رويترز.
أُطلقت روبوتات المحادثة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في أوائل 2024. الوثائق المشار إليها في ملف الولاية لا تتضمّن رسائل أو مذكرات من توقيع مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا. في أكتوبر 2025 أضافت ميتا ضوابط أبوية إلى تلك الروبوتات.
قضية كاليفورنيا
القضية في كاليفورنيا أوسع نطاقاً وتزعم أن ميتا ويوتيوب — وحدة تابعة لشركة غوجل — استخدما اختيارات تصميمية متعمدة تهدف إلى جعل منصاتهما أكثر إدماناً لدى الأطفال لزيادة الأرباح.
تركّز الدعوى حول شابة تبلغ من العمر 19 عاماً يُشار إليها بالحروف الأولية KGM. وقد يحدد هذا الملف مصير آلاف الدعاوى المشابهة المرفوعة ضد شركات التواصل الاجتماعي.
تدّعي KGM أن استخدام وسائل التواصل منذ سن مبكرة جعلها «مدمنة على التكنولوجيا» وزاد من حدّة اكتئابها وأفكارها الانتحارية.
تقول الدعوى: «باستدانة كبيرة من التقنيات السلوكية والنيورولوجية المستخدمة في آلات القمار والمستغلة من قبل صناعة السجائر، دمج المدّعى عليهم عن قصد في منتجاتهم مجموعة من ميزات التصميم التي تهدف إلى تعظيم تفاعل الشباب لدفع عائدات الإعلانات».
من المتوقع أن يدلي مسؤولون تنفيذيون، بمن فيهم زوكربيرغ، بشهاداتهم في المحاكمة التي ستستمر من ست إلى ثماني أسابيع. ولا يتضح بعد إن كانوا سيحضرون جلسات قضية نيو مكسيكو.
تنفي شركات التكنولوجيا أنها تصمّم منتجاتها لإيذاء الأطفال عن قصد، مستشهدة بكمّ من الإجراءات الوقائية التي أضافتها على مرّ السنين، ومؤكدة أنها ليست مسؤولة عن المحتوى الذي ينشره طرف ثالث على منصاتها.
قالت ميتا في مدونة مؤخراً: «في الآونة الأخيرة، حاولت عدّة دعاوى تحميل شركات التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية معاناة المراهقين الصحية النفسية. لكن هذا تبسيط مخل لمشكلة معقّدة. يجد الأطباء والباحثون أن الصحة النفسية موضوع عميق ومتعدد الأبعاد، وأن الاتجاهات المتعلقة برفاهية المراهقين ليست واضحة أو عامة».
وأضافت: «اختزال تحديات المراهقين إلى عامل واحد يتجاهل البحث العلمي والضغوط العديدة التي تواجه الشباب اليوم، مثل الضغط الأكاديمي، وأمن المدارس، والتحديات الاقتصادية الاجتماعية، وإساءة استخدام المواد».
قال متحدث باسم ميتا في بيان حديث إن الشركة «تختلف بشدة» مع الادعائات الواردة في الدعوى وأنها «واثقة أن الأدلة ستُظهر التزامنا الطويل الأمد بدعم الشباب».
وقال خوسيه كاستانيدا، المتحدث باسم جوجل، إن الادعاءات ضد يوتيوب «غير صحيحة ببساطة».
«تقديم تجربة أكثر أماناً وصحّية للشباب كان دائماً جزءاً أساسياً من عملنا»، قال في بيان.
رهانات عالية
قد تشكّل نتائج هذه القضايا مستقبل وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إريك غولدمان، أستاذ قانون في جامعة سانتا كلارا، لِـ«الجزيرة»: «في رأيي، السؤال الوجودي لخدمات التواصل هو ما إذا كانت مسؤولة عن الأذى الذي يُلحقه المستخدمون لأنهم استعملوا الخدمات. إذا كان الأمر كذلك فقد تكون التعويضات أكثر من قدرة المدعى عليهم المالية».
وأضاف: «نتحدث عن رهانات مالية هائلة، وعن قدرة المدّعين على نقض أو تجاوز قرارات تحريرية تتخذها الخدمات بشأن ما هو في مصلحة جمهورها. هو عملياً نزع للسلطة من الخدمات ومنحها لمحامي المدّعين. لذا، ليس فقط قد تكون هناك أضرار وجودية، بل قد يفقدون سيطرة تحريرية ضخمة على خدماتهم. الرهانات لا يمكن أن تكون أعلى من ذلك بالنسبة لشركات التواصل أو الإنترنت».
أوضح غولدمان أن نفس الحجة قد تُستخدم لتشكيل دعاوى ضد صانعي ألعاب الفيديو والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يخلق محتوى أصلياً، بما في ذلك النصوص والفيديو.
«إذا نجحت هذه النظريات ضد وسائل التواصل فقد تنجح أيضاً ضد ألعاب الفيديو والذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن يدري ما بعد ذلك. لهذا السبب قلت إن الرهانات عالية جداً للإنترنت»، أضاف.
هناك بالفعل دعاوى تدّعي أن تفاعلات مع ChatGPT التابعة لشركة OpenAI أدّت إلى حالات انتحار وانتحار-قتل.
في وول ستريت، سهم ميتا يتجه نحو الارتفاع بأكثر من ثلاثة بالمئة خلال التداول منتصف النهار.