في مواجهة ترامب المتقلب، تتسارع الدول لتشكيل تحالفات اقتصادية جديدة

بينما يواصل دونالد ترامب إحداث اضطراب واسع بين حلفاء الولايات وحلفائه وشركاءه التجاريين، تسعى دول متعددة بسرعة إلى بناء تحالفات جديدة وإصلاح علاقات متصدعة لتجنّب مخاطر رئيس أميركي متقلب المزاج.

خلال الأشهر الماضية شهدت الدبلوماسيات تحرّكات متسارعة من حكومات تحاول تقليل اعتمادها على الولاات المتحدة، حتى من دول كانت تحتفظ باستحقاقات أوجاع طويلة فيما بينها. الهدف الظاهر هو تنويع الشراكات الاقتصادية والأمنية لتبني ما يمكن تسميته استراتيجية “الولايات المتحدة زائد” تقلل من المخاطر لكنها لا تنفصل عن السوق الأقوى.

«الدول تحاول تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية» هكذا لخصت فينا ناجيبولا، نائب رئيس مؤسسة آسيا والمحيط الهادئ بكندا، في حديث لها. وأضافت أن كثيراً من حلفاء الولايات، وخصوصاً في منطقة المحيط الهندي–الهادئ، لن يقطعوا علاقتهم بالولايات المتحدة لأن هذا غير ممكن عملياً من جهة الأمن، لكنهم يبحثون عن بدائل تقلل التعرض للمخاطر.

من المقرر أن تسافر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أستراليا بعد مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الأسبوع لدفع اتفاق تجاري وأمني صار قيد التفاوض منذ 2018. تأتي هذه الزيارة في سياق سلسلة اتفاقيات أمنية وتجارية أبرمها الاتحاد الاوروبي مؤخراً مع المملكة المتحدة وكندا والهند، إضافة إلى اتفاق تجاري مع دول أميركا الجنوبية.

روبرت روغوسكي، أستاذ دبلوماسية التجارة والاقتصاد بجامعة جورجتاون، يرى أنه من الصعب المبالغة في تأثير ترامب على نظام التجارة العالمي. لكنه أشار أيضاً إلى أن قوى متوسطة في العالم بدأت تستعيد زمام المبادرة، مستشهداً بنداء مارك كارني في منتدى دافوس إلى دول أصغر لتوحيد جهودها وإظهار تعاون حقيقي بينما تتجه القوى الكبرى إلى الداخل.

الدافع واضح وبسيط: الاستقرار الاقتصادي مسألة بقاء وطني. بعد صدمات متكررة من واشنطن، لا يمكن للبلدان أن تبقى معتمدة على شريك تجاري صار أكثر تقلباً. ولذلك أُعيد تفعيل قنوات مع دول كانت العلاقات معها متوترة.

يقرأ  إعادة افتتاح متحف اللوفر في باريس بعد سرقة مجوهرات بقيمة ١٠٢ مليون دولارأخبار الفن والثقافة

في خطوة رمزية وعملية، أصبح كارني أول زعيم كندي يزور الصين منذ نحو عقد لاستئناف العلاقات التي تجمدت بعد اعتقال مسؤول بارز من هواوي عام 2018. خلال لقائه مع الرئيس شي جينبينغ اتفق الطرفان على خفض الرسوم الجمركية على سلع معينة والسماح بدخول عشرات آلاف من السيارات الكهربائية الصينية إلى كندا بتعريفات مخففة. وأعلنت وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي أن الحكومة تعمل مع الصين لإنشاء مصنع لتجميع السيارات الكهربائية في كندا بغرض التصدير العالمي — تحوّل كبير عن سياسة فرض رسوم ارتفاعها 100% كانت قد اعتمدت لمحاولة تقييد صناعة المركبات الكهربائية الصينية.

كما تسعى كندا إلى إعادة بناء علاقتها مع الهند بعد سنوات من التوترات، مع توقع زيارة كارني لنيودلهي في الأشهر المقبلة.

إعادة تشكيل التجارة العالمية جارية بالفعل، كما يقول روغوسكي. إعادة رسم سلاسل الإمداد والعلاقات التجارية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية لن يكون أمراً سريعاً أو سهلاً، خاصة حين يتعلق الأمر بالاقتصاد الأكبر في العالم، لكن وتيرة التغيير تتسارع.

تشير بيانات المعاهد الدولية إلى أن التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة و19 شريكاً تجارياً لها شهدت نمواً طفيفاً العام الماضي، في حين نما إجمالي التجارة العالمية بمعدل أسرع بكثير. غاري هوفباور من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أوضح أن التجارة الأميركية مع شركائها نمت بنسبة 3.6% مقارنة بزيادة 6.3% في التجارة العالمية، وهو انعكاس جزئي لتكيّف الدول مع تعريفات جديدة وتوقعات بفرض رسوم، ولطبيعة سلاسل الإمداد المتجذرة التي تحتاج وقتاً لتتغير.

من منظور دبلوماسي، انخفضت الثقة بالولايات المتحدة إلى مستوى لم نشهده منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما قال هوفباور، وما وصفه كارني بـ«الشرخ» في النظام الجيوسياسي السابق يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات تحوطية. ومع تزايد عدم اليقين الجيوسياسي، تتجه الدول بشكل استباقي إلى تنويع شراكاتها كإشارة استراتيجية بأن لديها أصدقاء وشركاء خارج واشنطن، مع محاولة موازنة هذا التوجه بالحفاظ على علاقة مستقرة مع السوق الأميركي الضخم ووزنه العالمي.

يقرأ  عروض سينمائية مؤقتة في غزة تُخرج الأطفال من بين الركام

في النهاية، ما نشهده ليس مجرد تفاوض على اتفاقيات تجارية جديدة، بل إعادة ترتيب منظومة ثقة ومصالح تتطلب من الدول موازنة بين الاستقلالية الاستراتيجية والحاجة العملية إلى إبقاء روابط مع أكبر سوق في العالم.

أضف تعليق