في أوكرانيا: الصقور الحربية «الليبراليون» يجعلون اليمين المتطرف يبدو كدعاة سلام (آراء)

ضحية العدوان الروسي الوحشي الذي يسبّب كارثة إنسانية حقيقية هذا الشتاء، تبقى اوكرانيا محبوسة بين نوعين من الشعبوية الغربية. النوع الأول ينتمي إلى دونالد ترامب ونظيره من أقصى اليمين الأوروبي، الذين لا تكترث لهم اوكرانيا ولا النظام القائم على قواعد سوى بقدر ما يخدم مصالحهم الخاصة. والنوع الآخر هو شعبوية الصقور المعادين لروسيا (ولترامب في آن)، الذين يلفّون المصالح المتشحة للمجمع الصناعي العسكري برداء ليبرالي مزيف، ويزعمون الدفاع عن قيم لا يؤمنون بها فعلياً — على الأقل ليس في حالة اوكرانيا.

مع اقتراب مؤتمر ميونيخ للأمن، الحدث الأوروبي الأهم في شؤون السياسة الخارجية والعسكرية، وضع رئيسه الطويل الأمد وولفغانغ إشينغر جدول النقاش حول الصراع الروسي–الأوكراني، الذي يدخل شهره الخامس هذا الشهر. كما قال لإحدى الصحف الألمانية، طالما تدافع اوكرانيا عن اوروبا فتهديد روسيا لأوروبا ليس هائلاً، لكن بعد انتهاء الحرب سيزداد هذا التهديد بشكل كبير.

ورغم أنه سارع إلى النفي بأنه لا يريد إعاقة إحلال السلام في أي وقت قريب، كانت الرسالة واضحة: اوكرانيا تساعد دولاً أوروبية على الاستعداد لحرب مع روسيا (بغض النظر عن مدى استبعاد هذا الاحتمال حالياً، إذ يفترض ذلك أن قادة الكرملين ميالون إلى الانتحار السياسي).

هكذا قرأ السفير الاوكراني في برلين، أندري ميلنيك، موقف إشينغر. فقد اعتبر أن حجة «على اوكرانيا أن تنزف ليشتري اوروبا مزيداً من الوقت للدفاع عن نفسها» حجة قاسية ومستخفة بالدماء، وانتقد هذا الطرح علناً على منصة إكس. وأكد السفير أن الأوكرانيين بحاجة ماسة إلى وقف لإطلاق النار.

وفي الوقت نفسه، لا تزال فكرة أن إحلال السلام في اوكرانيا سيكون سابقاً لأوانه سائدة في عدد من العواصم الأوروبية الكبرى، لا سيما لندن، وكذلك داخل مراكز الأبحاث الأميركية الصقورية التي راهنت سمعتها على هزيمة روسيا — هدف يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى. اثنان من أبرز الباحثين في شؤون السياسة الخارجية، مايكل كيماغ وهانا نوت، عبّرا عن ذلك صراحة أكثر من إشينغر في مقالة نشرت في Foreign Affairs: «الأهم، لا ينبغي للولايات المتحدة وأوروبا أن يتعجلا أي محادثات لإنهاء الصراع»، كما كتبا.

يقرأ  كنز فني مخفي لعائلة بريتزكر يُعرض في مزاد سوذبيز هذا الخريف

وبحسب ما ألمح وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو في مقابلة، فقد طغى هذا الشعور في اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في نهاية يناير؛ إذ قال إن عدة وزراء خارجية أقرّوا علناً أن «الاتحاد الأوروبي غير مستعد للسلام». ويتجاوب ذلك مع تصريح رئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدريكسن قبل عام — بحسب وسائل إعلام أوكرانية — بأن السلام في اوكرانيا قد يكون أخطر من استمرار الحرب.

يصعب استيعاب المنطق الذي يقوم عليه هذا الطرح. القوى الغربية قادت اوكرانيا لسنوات نحو رفض أي تسوية واقعية ممكنة. والنتيجة الوحيدة لهذه السياسة أن شروط السلام الواقعية تدهورت كثيراً مقارنة بما كانت اوكرانيا قد تحصل عليه افتراضياً خلال محادثات اسطنبول 2022 أو مينسك 2015.

كما أن احتمال شن روسيا هجوماً على دول الناتو يصعب دعمه بحوار عقلاني خالٍ من العاطفة. صراع مباشر بين روسيا والغرب، وهو ما تجنّبته الطرفان خلال السنوات الأربع الماضية، يعني حرباً نووية قد تُنهي الحضارة الإنسانية كما نعرفها. اقتصادياً وديموغرافياً، روسيا قزم مقارنة بالاتحاد الأوروبي وحده، فضلاً عن قوة الاتحاد الأوروبي مجتمعةً مع الولايات المتحدة وبريطانيا. لا يمكن لروسيا أن تحقق نصرًا على الغرب دون اللجوء إلى السلاح النووي.

الصراع الشامل مع الغرب ليس جزءاً من الخطاب السياسي السائد في روسيا ولا هدفاً أيديولوجياً — وعلى عكس الاتحاد السوفياتي، روسيا المعاصرة تفتقر إلى أيديولوجيا جوهرية. لا توجد سيناريوهات معقولة يبرر قيام روسيا بمهاجمة دول الناتو ما لم تشعر بتهديد وجودي حقيقي — كحصار موانئها في بحر البلطيق أو ضربات صاروخية بمساندة غربية تستهدف موسكو من أراضي اوكرانيا. ومن اللافت أن موسكو على مدار أربع سنوات لم ترد مباشراً على ما يسميه بعض الساسة، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، «حرب الوكلاء» التي يشنها الغرب ضدها.

يقرأ  نيجيريا:مقتل 35 مقاتلاً في غارات جوية قرب الحدود مع الكاميرون

الادعاءات المتطرفة التي تسيء تفسير دوافع روسيا ونواياها جزء لا يتجزأ من الشعبوية الصاخبة التي غذت هذا الصراع لسنوات. وبالمثل، تبين أن الوعد الزائف بهزيمة أقوى قوة نووية في العالم عبر وسائل اقتصادية وعسكرية مجرد وهم.

في خطاب ألقاه في ميونيخ عام 2022، أيام قليلة قبل بدء الغزو الواسع، قال بوريس جونسون — وكان حينها لا يزال في منصبه — إن «على روسيا أن تفشل ويجب أن يُرى أنها تفشل». وبعد شهر تقريبا ساهم في إحباط محادثات السلام في اسطنبول التي كانت يمكن أن تنهي النزاع المسلح في بدايته، وفق ما صرح به كبير مفاوضي أوكرانيا دافيد أراخاميا ومصادر عديدة أخرى.

وفي خطاب أمام حشد ضخم في وارسو في مارس 2022، بدا الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن متبنّياً خيار الإطاحة بفلاديمير بوتين: «يا إلهي، هذا الرجل لا يمكن أن يبقى في السلطة». كما زعم أن العقوبات الغربية «حوّلت الروبل إلى حطام» وأن الدولار كان يتداول آنذاك عند 200 روبل — كذبة صريحة؛ إذ كان السعر الحقيقي في ذلك اليوم حوالي 95 روبل للدولار، وهو أقل من 80 رونبلاً اليوم. في العام الماضي، ظهر الروبل كواحدة من أفضل العملات أداء على مستوى العالم، مرتفعاً بنسبة 44 في المائة مقابل الدولار على أساس سنوي.

رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس استمرت حتى أكتوبر 2025 في التعبير عن اعتقادها بقدرة اوكرانيا على هزيمة روسيا — تقييم يتعارض تماماً مع الواقع الميداني منذ 2023، حين بدأت روسيا ofensiva بطيئة بعد فشل الهجوم المضاد الأوكراني، فيما تُدمّر بنى تحتية حيوية في اوكرانيا ويعاني البلد نزيفاً سكانياً سريعاً.

مما يطرح مفارقة: شعبوية تُعلن نفسها «ليبرالية» تدفع إلى أن يبدو المتطرفون اليمينيون، أمثال ترامب أو فيكتور أوربان، وزعماء حزب البديل الألماني، وكأنهم الأكثر عقلانية وتريّثاً تجاه الصراع في اوكرانيا. لقد أدركوا منذ زمن أنهم قادرون على استغلال روسوفوبيا خصومهم عبر فضح أكاذيبهم المتواصلة ومغالطاتهم ومزايداتهم غير المستندة إلى واقع.

يقرأ  أكثر من 200 موظف سابق في الشاباك يعارضون تعيين زيني

سياسة الغرب تجاه روسيا واوكرانيا على مدى ثلاثين عاماً كانت فشلاً كارثياً، خلق وقوداً سياسياً لا ينضب لعناصر معادية للمؤسسة. التأجيل المستمر للسلام في اوكرانيا ينبع من أن الكثيرين راهنوا مبالغاً في نتائج غير واقعية للحرب، فاستمروا في كسب المزيد من الوقت لتخفيف تأثيراتها. لكن الثمن باهظ، يدفعه الأوكرانيون بأرواحهم ومستقبل بلادهم.

الآراء الواردة أعلاه تعبر عن رأي الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق