ما وراء سياسة الضغط — إلى أين تصبو إدارة ترامب في كوبا؟ | أخبار دونالد ترامب

تفاقم الأزمة الإنسانية في كوبا

تعاني كوبا — الجزيرة التي يقطنها حوالي 11 مليون نسمة — من انهيار متسارع نتيجة ندرة الوقود الشديدة التي عصفت تقريبًا بكافة جوانب الحياة اليومية. وتعد هذه الأزمة نتيجة مباشرة لتصعيد سياسة الولايات المتحدة بعد اختطاف الجيش الأميركي للقائد الفنزويلي نيكولاس مادورو، إذ تجاوزت إدارة الرئيس ترامب الحصار الطويل الأمد على الجزيرة وهددت بفرض رسوم عقابية قاسية على أي دولة تزودها بالنفط، مما خنق خطوط الإمداد الحيوية من فنزويلا والمكسيك.

رسائل متناقضة وأهداف غير واضحة

مع تزايد آثار سياسة واشنطن على حياة الكوبيين القريبة من ولاية فلوريدا، لا تزال نوايا إدارة ترامب مبهمة، وفق محللين تحدثوا إلى الجزيرة. أرسل ترامب رسائل متباينة؛ فقد ذكر في مناسبات أنه يسعى إلى «التوصل إلى صفقة» مع حكومة ميغيل دياز-كانال، بينما ألمح في أحيان أخرى إلى رغبته في جعل كوبا «حرة من جديد»، في إشارة إلى تغيير نظام طالما دعاه إليه وزير الخارجية ماركو روبيو.

سيناريوهات محتملة

يعد وليام ليوغراندي، أستاذ السياسة الخارجية الأميركية تجاه أميركا اللاتينية في الجامعة الأميركية، أن أمام الإدارة ثلاثة خيارات رئيسية: أولها احتمال التوصل إلى صفقة تفاوضية محدودة، لكنّ السؤال الحاسم يبقى ما هي شروط أي اتفاق كهذا. الثاني أن يؤدي الحصار النفطي إلى انهيار اجتماعي حاد في الجزيرة — انقطاع للكهرباء، ونقص في البنزين والوقود لتشغيل الخدمات الحيوية — ما قد يؤدي إلى تفكك المجتمع. والثالث أن تتبع واشنطن نموذجًا شبيهًا بالفترة الفنزويلية: إبقاء الحكومة القائمة مع تنصيب زعيم أكثر خضوعًا.

ولدى تنفيذ أي خطة من هذا النوع عقبات عملية كبيرة: حتى لو وُجد شخص داخل هياكل السلطة الكوبية قادر على كسب ولاء القوات المسلحة والبيروقراطيات الحزبية — وهو احتمال يشكك فيه ليوغراندي — فإن إدارة ترامب تفتقر على ما يبدو إلى آلية واضحة للتعرّف على مثل هذا الشخص أو التواصل معه.

يقرأ  زيلينسكي: الولايات المتحدة تسعى لإقامة «منطقة اقتصادية حرة» في شرق أوكرانيا

محاولة ثني الحكومة بدل إسقاطها

في الأمد القصير، يبدو أن ترامب يراهن على رسائل توحي برغبة في اتفاق مع الحكومة المنهكة، بحسب تيزيانو برِيدا، محلل أميركا اللاتينية بمنظمة ACLED. وقال برِيدا إن ترامب قد أظهر تراجعًا عن الدخول في صراعات أيديولوجية مع حكومات يسارية، وأن هدفه الأرجح هو «ثني الحكومة الكوبية» عن سياساتها بدلاً من دفعها للانهيار الكامل. من جهته، أعلن دياز-كانال أنه منفتح للحوار «دون ضغط أو شروط مسبقة» وبما يحفظ سيادة البلاد، لكنه ندّد في الوقت نفسه بما وصفه بـ«السياسة الإجرامية» لواشنطن التي تؤثر على الغذاء والنقل والمستشفيات والمدارس والإنتاج الاقتصادي.

شروط مفاوضات مبهمة ومغريات محدودة

يقيم بعض المحللين احتمال بقاء تفاهم ما بين الطرفين على الطاولة، لكن أي مطلب يُنظر إليه كتهديد وجودي للحكومة في هافانا سيكون بمثابة خط أحمر. ومن غير الواضح ما الذي قد يرضي الإدارة الأميركية كتنازلات. فاقتصاديًا لا تقدم كوبا ما يقارن بفنزويلا من حيث احتياطيات النفط، لكنها تملك رواسب مهمة من المعادن النادرة والحيوية، بينها ثالث أكبر احتياطي للكوبالت في العالم، وهو معدن أساسي للبطاريات الحديثة.

وفق برِيدا، قد لا يتجاوز العرض الاقتصادي من كوبا اتفاقات سياحية أو صفقات تجارية محدودة، لكن ترامب قد يحاول الضغط على هافانا للتنازل بشأن قضايا مثل الهجرة، أو وجود منافسين أميركيين في السوق الكوبية، أو التعاون الأمني مع روسيا والصين.

استهداف العلاقات مع روسيا والصين

في أمر تنفيذي أعلن فيه أن كوبا تشكل «تهديدًا غير عادي واستثنائي» للأمن القومي الشهر الماضي، ركز البيت الأبيض على علاقات هافانا مع موسكو وبكين، اللتين تتعاونان مع كوبا في مجالات الدفاع دون وجود قواعد عسكرية معلنة. كما اتهمت واشنطن الحكومة الكوبية باستضافة ما تعتبره «جماعات إرهابية عابرة للحدود» مثل حماس وحزب الله، ادعاءات قلّ ما تجد أدلة دامغة تدعمها وفق خبراء كوبا.

يقرأ  الكريكيت: مئات تذاكر مباراة الهند ضد باكستان في كأس آسيا لا تزال غير مُباعة

صراع داخلي حول النهج: تسوية أم إسقاط للنظام؟

رغبة ترامب في الدخول في محادثات مع الحكومة الحالية تضعه في تناقض مع التيار التقليدي داخل الحزب الجمهوري الذي رفض تاريخيًا أي شكل من أشكال الانخراط مع النظام الشيوعي الذي أسسه فيدل كاسترو. ويُعد ماركو روبيو، ابن مهاجرين كوبين، من أبرز الأصوات الداعية لنهج متشدد يهدف لإسقاط النظام، وهو موقف يلقى صدى لدى كتلة ناخبة كوبانية-أميركية مؤثرة ضمن التحالف الانتخابي للجمهوريين. روبيو يريد التخلص من النظام الكوبي، ولن يرضى باتفاق دائم مشابه لذلك الذي عقدته واشنطن مع فنزويلا إن بدا وكأنه يحفظ بقاء الهيكل السياسي كما هو.

البدائل العسكرية تبدو بعيدة

استبعد ليوغراندي احتمال إرسال قوات برية أميركية إلى كوبا أو تنفيذ عملية عسكرية واسعة شبيهة بما جرى ضد مادورو، مشيرًا إلى أن الأدوار العليا في القوات المسلحة لا تزال تحت سيطرة رجال عيّنهم رئيس كوبا السابق راؤول كاسترو. وبدلاً من ذلك، يرى برِيدا أن النهج الأرجح سيكون مواصلة حملة الضغط لزيادة الاحتقان الداخلي وإذكاء السخط الشعبي بين مواطنين يعانون من نقص الحاجات الأساسية.

مآلات جيوسياسية ومخاطر إنسانية

يفسّر لويس بيريز، الباحث في تاريخ كوبا، تحركات إدارة ترامب من خلال قراءة تاريخية طويلة للسياسة الأميركية في المنطقة، وصولًا إلى عقيدة مونرو والهيمنة المستمرة على نصف الكرة الغربي. ويعتبر بيريز أن هدف واشنطن استعادة الصدارة الأميركية في المنطقة، ما قد يدفع كوبا إلى الاقتراب أكثر من روسيا والصين إن استمر الضغط الأميركي. روسيا، رغم العقوبات الأميركية عليها، قد تختار زيادة إمدادات النفط لكوبا في مواجهة الحصار، في حين تستطيع الصين وحلفاء إقليميون تقديم مساعدات بديلة.

حذّر محللو ACLED من أن مأزقًا دبلوماسيًا ممتدًا قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية داخل الجزيرة، ما يفاقم موجات الهجرة ويزيد احتمالات اندلاع أعمال عنف وقمع داخلي وتجدد الاعتقالات الجماعية. الخطر الأساسي، بحسبهم، هو إشعال أزمة إنسانية داخلية يمكن أن تكون لها تبعات إقليمية مع قدر كبير من عدم اليقين حول قدرة الحكومة على المحافظة على سلطتها في ظل شح الموارد والضغوط الخارجية.

يقرأ  الإيدز أنهى حياتهم مبكرًالكن فنهم يظل حيًا في عالم الموضة

أضف تعليق