دبلوماسي نرويجي كان من مهندسي اتفاقيات أوسلو لعام 1993 يجد نفسه اليوم في قلب فضيحة فساد وابتزاز بعد انكشاف وثائق جديدة تُظهر تواجده الحميم في الدائرة المقربة من الممول المدان جنسياً الراحل جيفري إبستين.
تركيز الاتهامات يحيط بـترجي رود-لارسن، الذي كان لاعباً محورياً في عملية السلام بالشرق الأوسط خلال التسعينات، عقب تسريبات من ملفات وزارة العدل الأمريكية وتحقيقات صحفية نرويجية كشفت عن علاقة تضمنت قروضاً مشبوهة، تلاعباً بتأشيرات لنساء قُدمن من شبكات الاتجار بالجنس، وبنداً في وصية إبستين يمنح ملايين الدولارات لمن ينتفعون منه.
التداعيات كانت سريعة: استقالت زوجته مونا جول — وهي نفسها شخصية بارزة في مفاوضات أوسلو — من منصبها كسفيرة للنرويج في الأردن والعراق هذا الشهر، وسُحبت تصريحا ت أمنها. هذا الانكشاف أثار ريبة بين القادة الفلسطينيين الذين بدأوا يتساءلون إن كانت صفقات أوسلو الأساسية قد وسّطت بها شخصية معرضة للابتزاز من قبل نخب أو أجهـزة استخبارات أجنبية.
في حين احتُفِي بالخطة آنذاك في العالم الغربي، فإن ثلاثين سنة من الوعود تلاشت تحت ضغوط سياسات متعاقبة لإسرائيل، ومع تزايد ضم الضفة الغربية من قبل قيادات اليمين المتطرف الإسرائيلية، باتت الشكوك حول نوايا الوساطة تتعمق.
تحقيقات المذيع النرويجي NRK وصحيفة Dagens Næringsliv تفصّل كيف استغل رود-لارسن منصبه كرئيس لمعهد السلام الدولي في نيويورك لتبييض سمعة مقربين من إبستين. وتشير الملفات إلى أنه كتب رسائل توصية رسمية للسلطات الأمريكية للحصول على تأشيرات لنساء روسيات في مدار إبستين، مدعياً أن لديهن “قدرات استثنائية” تناسب وظائف بحثية. وفي الواقع، كانت بعضهن عارضات بلا خلفية أكاديمية، ويُزعم أنهن تعرّضن للاتجار والإساءة من قبل الممول.
أحد الشهادات لفتت انتباه المحققين: ضحية أخبرت NRK أنها شعرت أن إبستين أرسلها إلى معهد رود-لارسن “للتلاعب” بها، وأخرى سردت كيف سهّل الدبلوماسي حصولها على تأشيرة بعد طلب مباشر من مساعدة إبستين. الطابع المعاملاتي للعلاقة أصبح واضحاً أكثر في الوثائق التي تظهر أن إبستين أقرض رود-لارسن 130 ألف دولار في 2013، والأكثر فضيحة أن وصية إبستين تضم بنداً يهبّ 5 ملايين دولار لكل من طفلي رود-لارسن — ما مجموعه 10 ملايين دولار.
أوسلو كانت فخّاً
للفلسطينيين الذين عاشوا تبعات الاتفاقات المتعثرة التي شارك رود-لارسن في صياغتها، يوفر هذا الاتهام تفسيراً مزعجاً لعمليةٍ اعتبرها كثيرون مُحاكَة. مصطفى البرغوثي، الأمين العام لمبادرة الوطنية الفلسطينية، قال لوسائل الإعلام إنه “ليس متفاجئاً على الإطلاق” من اتهامات الفساد. وأكد أن انطباعهم عن هذا الرجل لم يكن جيداً منذ البداية، وأضاف أن أوسلو كانت فخاً ولا شك في أن رود-لارسن تأثر طيلة الوقت بالجانب الإسرائيلي.
اتهم البرغوثي أن انكشاف مبالغ قد تكون تسلّمتها عائلة رود-لارسن من شخصية مرتبطة بالموساد مثل إبستين يشير إلى أن الفساد كان موجهاً لخدمة مصالح إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني.
العلاقات بين إبستين وإسرائيل جاءت في بؤرة الانتباه بعد تحرير ملايين الوثائق التي كشفت تواصله مع نخبة عالمية، ومن بينهم رئيس وزراء إسرائيلي سابق. الوثائق تظهر أيضاً تمويله لمجموعات إسرائيلية متعددة، مثل “أصدقاء الجيش الإسرائيلي” ومنظمات استيطانية، وصلات مع عناصر في خدمات المخابرات الإسرائيلية.
الأرشيف المفقود
أعادت الفضيحة فتح مطالبات في النرويج بالكشف عن “الأرشيف الخاص” الذي احتفظ به رود-لارسن بشأن مفاوضات 1993 السرية. تحقيقات إعلامية كشفت أن ملفات من الفترة الحرجة بين يناير وسبتمبر 1993 مفقودة من أرشيف وزارة الخارجية الرسمي، ويخشى النقّاد أن تحجب هذه الفجوات مدى استخدام الورقة الشخصية أو الابتزاز في انتزاع تنازلات من القيادة الفلسطينية أثناء المحادثات السرية.
الحكم بالابتزاز
يرى محلّلون أن قضية رود-لارسن مثال لحالة أوسع من حكم عالمي قائم على شبكات ابتزاز وتنفيذ عمليات استخباراتية ممنهجة. وسام عفيفه، محلّل سياسي مقيم في غزة، شبّه بين استغلال القاصرات في جزيرة إبستين والمعاملة الجيوسياسية للفلسطينيين، قائلاً إن الفلسطينيين عوملوا كقاصرين محرومين من المطالبة بحقوقهم، وأن جزءاً كبيراً من النظام الدولي كان مداراً من “جزيرة إبستين” في غرف مظلمة بالصراحة.
أضاف عفيفه أن صمت المجتمع الدولي تجاه الحرب الحالية في غزة قد يكون مرتبطاً بنفس شبكات النفوذ والابتزاز.
تحقيقات نرويجية رسمية، بما فيها وحدة الجرائم الاقتصادية Okokrim، فتحت أبوابها للتحرّي في الفضيحة. إرث الدبلوماسي الذي صافح كبار القادة على ممرات البيت الأبيض بات اليوم متصدعاً، وظلال هذه الاتهامات تلقي ببهتانٍ طويل على تاريخ محاولات السلام المعيبة في الشرق الأوسط.