كوربين يتهم بريطانيا بالتواطؤ بعد اعتراف ستريتينغ بارتكاب انتهاكات في غزة

البرلماني البريطاني جيريمي كوربين دعا وزير الصحة، ويس ستريتنج، إلى التعاون لكشف ما وصفه بـ«تواطؤ المملكة المتحدة في الإبادة الجماعية» في غزة، وذلك بعد تسريب رسائل خاصة أقر فيها ستريتنج بأن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية.

كوربين، زعيم حزب العمال السابق، وجّه خطابًا إلى ستريتنج يوم الخميس استنكَر فيه استمرار موقف الحكومة البريطانية الداعم لإسرائيل على الرغم من الاعترافات التي أدلى بها وزير الصحة في مراسلاته الخاصة.

«نشر هذه الرسائل يكشف فشلاً مخزياً في قول ما كنت تعلمه في الخفاء علناً: أن هذه الحكومة متواطئة في جرائم حرب»، جاء في رسالة كوربين. وأضاف أن الأمر صار الآن سجلاً علنياً بأن ستريتنج اختار خدمة حكومة كانت تقدم دعماً عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً لدولة تنتهك القانون الدولي.

ستريتنج، الذي طالما كان ناقدًا بارزًا لكوربين ومؤيدًا قوياً لإسرائيل، نشر طوعًا رسائل نصية بينه وبين السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة، بيتر مانديلسون—المعروف بعلاقاته مع الجاني الجنسي الراحل جيفري إبستين. في رزمة الرسائل التي نشرتها شبكة سكاي نيوز يوم الاثنين، والتي قُدِّمت كدليل على الشفافية بشأن علاقة ستريتنج بمانديلسون، دافع وزير الصحة العام الماضي عن الاعتراف بدولة فلسطين.

«من الناحية الأخلاقية والسياسية، أعتقد أننا بحاجة إلى الانضمام إلى فرنسا»، كتب ستريتنج في يوليو 2025. «أخلاقيًا، لأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا. حكومتهم تستخدم لغة التطهير العرقي، وقد التقيت بأطبائنا هناك الذين وصفوا مشاهد مرعبة ومروِّعة من قسوة محسوبة ضد النساء والأطفال».

موقف الحكومة البريطانية

هذا الاعتراف بارتكاب إسرائيل جرائم حرب تناقض التصريحات العلنية لحكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، التي يخدم ستريتنج ضمنها. وأشار كوربين في رسالته—التي وقعها زملاؤه من أعضاء البرلمن في تحالف المستقلين—إلى أن موقف لندن كان دائماً أن أفعال إسرائيل خلال حربها التي وُصفت بالإبادة الجماعية على غزة «عرضة بوضوح لانتهاك القانون الإنساني الدولي».

يقرأ  بناء التعليم الإلكتروني معًاكيف تتعاون الفرق عن بُعد

وقالت الرسالة إن «التباين» بين اعتراف ستريتنج الخاص وموقف الحكومة يهدف إلى إحباط التبعات السياسية للاعتراف بجرائم الحرب الإسرائيلية الموثقة جيدًا. «متى اعترفت حكومة بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب، فاستمرار أي دعم عسكري أو سياسي يصبح إقرارًا من تلك الحكومة بأنها تساعد عن علم وتسهّل ارتكاب هذه الجرائم»، جاء في نص الرسالة.

الحكومة العمالية اعترفت بفلسطين العام الماضي وفرضت عقوبات على وزراء يمينيين متطرفين في الحكومة الإسرائيلية، لكن النقاد يقولون إن المملكة المتحدة لم تفعل ما يكفي لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها.

طوال الحرب على غزة، شغّلت بريطانيا رحلات استخباراتية عسكرية فوق القطاع قال لندن إنها تهدف إلى تحديد موقع أسرى إسرائيليين. ورغم تأكيد وزارة الدفاع البريطانية أن الطائرات التجسسية «لم يكن لها دور قتالي»، يرى المدافعون عن الحقوق أن هذه السياسة تُعد مشاركة مباشرة في الهجوم الإسرائيلي العنيف على غزة، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، بحسب الإحصاءات المذكورة.

وقالت منظمة العفو الدولية فرع المملكة المتحدة إن ستريتنج «كان محقًا» في اعترافه بجرائم الحرب الإسرائيلية. وأضاف كريستيان بنديكت، مدير استجابة الأزمات في المنظمة، في بيان أن «الأمر المدان هو أن رئيس الحكومة وحكومته استمرا في العمل كالمعتاد رغم الأدلة الساحقة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان على ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية».

ولسؤال كوربين، طلب من ستريتنج توضيح سبب عدم استقالته من الحكومة وما إذا كان مستعدًا للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في أي تحقيقات تتعلق بتواطؤ لندن في جرائم حرب مزعومة في غزة. وذكّر كوربين بأن «أطفال المدارس اليوم يدرسون أسوأ جرائم ضد الإنسانية في التاريخ»، ويتعلّمون كيف وقعَت تلك الجرائم وأسماء المسؤولين السياسيين الذين فشلوا في منعها. «قريبًا، سترجم كتب التاريخ وزراء حكومات سيخجلون منها لأنهم كان بإمكانهم إيقاف الإبادة في غزة لكنهم اختاروا الصمت».

يقرأ  أحوال جوية قاسية في غزة تفاقم معاناة الضعفاء والجرحى في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

ستارمر يتعهد بالبقاء

قاد كوربين حزب العمال بين 2015 و2020، وخلال تلك الفترة واجه الحزب اتهامات مستمرة بتساهل مع معاداة السامية؛ متابعوه يرون أن تلك الادعاءات كانت «أزمة مصطنعة» لتقويضه بسبب دعمه لحقوق الفلسطينيين. وكان ستريتنج، المعروف كقائد صاعد في الجناح اليميني للحزب، من أبرز المنتقدين لكوربين آنذاك.

تولى ستارمر زعامة الحزب في 2020 وعقَب ذلك تعليقه لكوربين من عضوية الحزب خلال أشهر، في سياق حملة تطهير داخل حزب العمال شملت مسؤولين منتقدين لإسرائيل. احتفظ كوربين بمقعده النيابي كمرشح مستقل في انتخابات 2024 التي أدت إلى فوز ساحق لحزب العمال، ثم شارك العام الماضي في تأسيس «حزبك الاشتراكي» وساهم في إقامة كتلة تحالف المستقلين البرلمانية المؤيدة لفلسطين والمعارضة للتقشف الداخلي.

وبالرغم من فوز العمال الساحق، فقد فقد الحزب دعمًا على اليسار لصالح المستقلين و«حزبك» والحزب الأخضر، وتراجع شعبيته بسبب أزمة تكلفة المعيشة وتصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين على اليمين. كما ضجّت الساحة السياسية أخيراً بنشر ملفات إبستين في الولايات المتحدة في الشهر الماضي، التي أظهرت مزيدًا من العلاقات الوثيقة بين الجاني الجنسي الراحل ومانديلسون—الذي عينه ستارمر سفيرًا في واشنطن.

ورداً على المطالبات بالاستقالة على خلفية الفضيحة، رفض ستارمر ذلك مؤكدًا أنه «لن يتنحى» عن ولايته.

أضف تعليق