تحرك اسرائيل الأخير لتعميق السيطرة على الضفة الغربيه المحتلة أثار انتقادات دولية واسعة واعتُبر خطوة عملية نحو ضمّ الأرض الفلسطينية.
خطوة لمساره التاريخي
بالنسبة لواحد من المهندسين الرئيسيين لإعلان الأحد، وزير المالية بيزاليل سموترتش، يمثل القرار تقدّماً حاسماً في مسيرته الطويلة لإعادة صياغة التاريخ الحديث وقواعد القانون الدولي، والسعي إلى ضمّ الضفة لصالح الدولة الإسرائيلية. القواعد الجديدة التي أقرّتها الحكومة تُسهّل عملياً على الإسرائيليين اليهود مصادرة أراضٍ فلسطينية وتوسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة، بما يسمح — بحسب البيان الرسمي — لليهود بشراء الأراضي في يهوذا والسامرة كما يشترون في تل أبيب أو القدس.
سياسة وُلدت من أيديولوجيا
قد يبدو أمراً غريباً أن يمارس وزير مالية سلطة على أرض محتلة لمن لا يعرف آليات السياسة الاسرائيلية. لكن الحصول على موطئ قدم في الضفة — الذي يرى سموترتش وحركته الاستيطانية أنه حقّ توراتي — كان من بين مطالبَه قبل أن يوافق على الانضمام إلى ائتلاف بنيامين نتنياهو في 2022. قبل أن تتصدّر سيرته عناوين الصحف عالمياً بعد الحرب الكارثية في غزة 2023، لم يكن معلوماً دولياً كثيراً، لكنه ومع رفيقه اليميني المتطرف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أصبحا وجهاً بارزاً في قوائم العقوبات والاتهامات حول العالم. كلاهما دفعا نحو تصعيد الحرب على غزة، مهددين بإنهاء الائتلاف عند أول علامة تغيير في الخطّة، ومواصلة حملة توسيع الاستيطان والاحتلال التي تفتقر للشرعية الدولية.
أيديولوجية واعية وخطّة مدروسة
تقول المراسلة أورلي نوي، محررة مجلة محلية باللغة العبرية، إن سموترتش ليس بالضرورة سياسياً جذاباً، لكنه أيدولوجي بالفطرة وذكي، وقد عمل على مدار سنوات لنقل أساليب إدارة الضفة من قبضة الجيش إلى سيطرة مدنية تحت سلطته. في بداياته السياسية، نشر ما سمّاه «الخطة الحاسمة» في 2017، التي طرحت خيارات قاسية للفلسطينيين في الضفة: الرحيل، التسليم بالهيمنة الإسرائيلية، أو مواجهة خطر الإبادة — فكّر كثيرون في تواضع الأمر أو سخروا منه آنذاك، لكن الواقعية السياسية الحالية تُظهر خطورته الحقيقية.
تكوين ديني-صهيوني
يُعد سموترتش ثمرةً نموذجية لحركة المستوطنين الاسرائيلية، ويستمد كثيراً من إلهامه الفكري من الحاخام تسفي يهودا كوك، وهو من ركائز الصهيونية الدينية في القرن العشرين. بخلاف بعض التيارات العنيفة الواضحة، تصوّر المدرسة الفكرية لكوك شكلًا «راقياً» من التفوق العرقي والاستعمار، ترى نصر 1967 كتكليف إلهي وتبرّر في المستقبل استيطان الأراضي الفلسطينية بوصفه تحقيقاً لإرادة الله. بحلول مولد سموترتش في مستوطنة هاسبين في مرتفعات الجولان عام 1980، كانت رؤية كوك قد أدت إلى إنشاء عشرات المستوطنات، وارتاد سموترتش مدارس دينية متزايدة الخِبرة تدار من قبل حركة المستوطنين المتحفّزة قبل أن يتجه لدراسة القانون.
سجل قضائي ونشأة سياسية
برغم نشاطه المبكّر في صفوف المستوطنين، لم يبرز اسمه على الساحة القضائية إلا بعد انسحاب إسرائيل الأحادي من غزة في 2005، حين تم اعتقاله في يوليو مع 700 لتر من البنزين في سيارته. لاحقاً، اتهمه مسؤولون بأن المواد كانت جزءاً من مخطط لإحراق سيارات على طريق رئيسي. ومع ذلك، نجح في الوصول إلى الكنيست عام 2015، مدفوعاً بدعمه من منظمة المستوطنين التي أسسها عام 2006، «ريغافيم»، وبقي في البرلمان عبر تحالفات يمينية مختلفة، وشغل لفترة قصيرة حقيبة وزارة النقل عام 2019.
التحالف اليميني المتطرف وصعود النفوذ
لم تتحقق قوّته الحقيقية إلا بعد اتفاق 2022 الذي جمع حزبه «الصهيونية الدينية» مع كتلة «قوة يهودية» لبن غفير، وهو ما منحهما صلاحيات تنفيذية واسعة. منذ ذلك الحين استغلا مواقعهما بلا رحمة، ضاغطين نحو استمرار الحرب في غزة بغض النظر عن التكلفة السياسية والدولية، ومعززين نفوذ وزاراتهما. بن غفير سخّر الأجهزة الأمنية لخدمة برنامجه السياسي حتى وصل إلى مواجهة أمام المحكمة العليا، بينما قاد سموترتش تحويل ملايين الشواكل لدعم الحركة الاستيطانية حتى مع تقليص موازنات وزارات أخرى، ما أدّى إلى زيادة المستوطنات ووتيرة العنف الاستيطاني.
تثبيت السيطرة المدنية على الضفة
توسّع نفوذ سموترتش ليطال السكان الفلسطينيين واليهود في الضفة على السواء؛ فقد عُيّن رئيساً لإدارة المستوطنات ضمن صفقة تشكيل الحكومة، وبحلول منتصف 2024 نُقلت سلطات إضافية من المسؤولية العسكرية إلى هذه الهيئة التي يرأسها، فيما تفتح سياساته الباب أمام شرعية فعلية لضمّ أراضٍ فلسطينية. محللون سياسيون يفرقون بين سموترتش وبن غفير: الأول، كما يقولون، يسعى إلى نظام ورؤية مستقبلية منظّمة؛ والثاني يغذّي الكراهية والرغبة في إشعال الفوضى. لكن المثير أن شريحة واسعة من الجمهور الاسرائيلي تشارك هذا الميل أو لا تمانع منه.
تفاقم العنف والافلات من العقاب
على مدار الفترة الأخيرة تصاعدت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين من جرائم تنظيف عرقي إلى أعمال أكثر وقاحة وقسوة، تُنفّذ مع درجة متزايدة من الإفلات من العقاب. هذا التصاعد يعكس ليس فقط تراخي سلطات الضبط، بل أيضاً سياقاً سياسياً يمنح التطرف ضوءاً أخضر ضمن منظومة أوسع من السياسات التي تعيد تشكيل الواقع على الأرض لصالح توسيع الاستيطان والضم. حتى السياسيين، مثل النائب عوفر كاسيف، الذين عبروا بصراحة عن اعتراضهم على ممارسات المستوطنين، لم يعودوا بمنأى عن الاعتداءات الجسدية.
في نظر كاسيف، لا يقتصر اللوم على رعاة المستوطنين داخل أروقة السلطة فحسب، بل يمتد إلى المؤسسة السياسية السائدة، بما في ذلك قيادات المعارضة المعلنة مثل بيني غانتس ويائير لابيد، الذين، بحسبه، يغضون الطرف عن عنف المستوطنين وعن أجندة بيزاليل سموترش.
«هم لا يجرؤون على مواجهة هؤلاء المتعصبين النازيين الجدد في الضفة، الذين يشنون موجات من المذابح يومياً»، قال كاسيف. «لقد شجعوهم. والآن يهاجمون العرب والنشطاء داخل إسرائيل نفسها، ولا أحد يفعل شيئاً. نتنياهو وسموترش ووزراء آخرون لا يتدخلون تجاه هذه الجماعات، وفي المقابل تساعدها هذه الجماعات مالياً.»
بيزاليل سموترش يحمل خريطة تُظهر مستوطنة E1 — خطة للضفة الغربية المحتلة قال إنها «ستدفن فكرة الدولة الفلسطينية» (ملف: أوهاد زفيغنبرغ/أسوشيتد برس).
الضرر الحاصل
ما إذا كان سموترش — الذي تواصلت معه الجزيرة لطلب تعليق لكنه لم يرد — سيتمكن من التشبث بالسلطة طويلاً بما يكفي لتحقيق رؤيته بالضم أم لا، فذلك أمر غير واضح.
المراقبون، مثل غولدبرغ، يبدون متشككين. ومع ذلك، من الواضح أن سموترش قد عزّز مكانة رؤيته وسياساته.
أعلن عن خطط لإقامة شبكة جديدة من المستوطنات غير القانونية عبر الضفة الغربية، وتباهى بأن هذه الخطوة «ستدفن فكرة الدولة الفلسطينية»، بعد أن وصف تلك الفكرة سابقاً بأنها «على بعد خطوة» من الضم.
رغم تقدمه في دفع أجندته السياسية، تشير استطلاعات الرأي إلى أنه وحزبه الصهيوني الديني لن يجمعا الأصوات الكافية لدخول الكنسيت بعد الانتخابات المقبلة، المقررة قبل تشرين الأول.
ومع ذلك، حسب بعض التقديرات، لم يعد استمرار وجود سموترش في الكنيست ذا أهمية؛ الضرر قد وقع بالفعل.
«لا أعرف ماذا يخبئ له المستقبل»، خلاصة غولدبرغ. «لقد أصبح التطرف جزءاً من النقاش الوطني.»