ظهور طائرة مسيّرة في لقطاتٍ حرارية رمادية وباهتة، ثم انتفاضة من بياضٍ مُبهِر تغمر الصورة — وبعد ثوانٍ يلتفّ جناح الطائرة ويسقط معها، متفجّرًا عند ارتطامها بالأرض. هذه المشاهد نُشِرت في فيديو ترويجي لوزارة الدفاع الإسرائيلية وشركة رافائيل، وتُعدّ تلميحًا واضحًا إلى مستقبل مكافحة الطائرات المسيّرة.
الليزر كحلّ دفاعي: وعدٌ أم حقيقة؟
في الفيديو عُرض أحد الأسلحة الجديدة: ليزرٌ عالي الطاقة يُصمّم لاعتراض التهديدات الجوية من طائراتٍ مسيّرة، بل وحتى صواريخ وقذائف مدفعية — هو ما يُعرَف باسم «الأيرون بيم» (Iron Beam)، وتدّعي إسرائيل أنها أسقطت به طائرات مسيّرة معادية بالفعل. حلم الأسلحة الليزرية يعود إلى ستينيات القرن الماضي مع اختراع الليزر، لكنه ظل طويلاً طموحًا بعيد المنال. اليوم ومع تقدّم التكنولوجيا وتزايد انتشار الطائرات المسيّرة، عاد هذا الحلم إلى ملامسة أرض الواقع.
ماذا تغيّر تقنيًا؟
التطوّران الرئيسيان هما متانة المكونات وكلفة الاعتراض. الدفعات الضخمة من الطائرات المسيّرة الرخيصة تجعل الاعتماد على ذخائر باهظة الثمن غير مجدٍ اقتصاديًا، وهنا يبرز الليزر كحل محتمل: أشعة لا تستهلك ذخيرة بالمعنى التقليدي وتعدّ اقتصادية نسبياً للاستخدام المتكرر. يقول إيان بويد، مدير مركز المبادرات الأمنية الوطنية بجامعة كولورادو بولدر، إن الليزرات تمثل “الخطوة التالية في منظومات الدفاع الجوي” عندما تصبح الهجمات بكثافة الطائرات الرخيصة أمراً واقعًا.
سباق الشركات والعقود
هذا الوعد أثار هوسًا تجاريًا في صناعة الدفاع. عقودٌ كبيرة أُعلنت مؤخرًا: عقد إسرائيلي بقيمة 500 مليون دولار لشركتي رافائيل وإلبيت؛ عقد بحرية أمريكية مع لوكهيد مارتن لتجهيز سفنها بليزرات دفاعية؛ عقد بريطاني قيمته 316 مليون جنيه استرليني لنظام DragonFire المتوقع تسليمه بحلول 2027؛ شراكات أوروبية وألمانية وفرنسية مماثلة؛ وعقود مع شركات أسترالية مثل EOS التي قادها المدير التنفيذي الألماني أندرياس شفير، وحازت على عقودٍ مع هولندا وكوريا الجنوبية.
من «حرب النجوم» إلى الاعتراضات المضادة للمسيّرات
تقنية بعض الشركات تعود جذورها إلى مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية المعروفة شعبياً باسم «حرب النجوم» في ثمانينيات القرن الماضي. ذلك البرنامج الطموح فشل على نطاقٍ واسع، لكن الخبرات المُكتسبة لم تذهب هباء: استُخدمت لتطوير ليزرات تتعقّب الأقمار الصناعية، ثم حُوِّلت لاحقًا لاعتراض طائرات مسيّرة بعد استخدام الحوثيين لطائرات هجومية ضد أهداف سعودية في 2018. شركة EOS، على سبيل المثال، توسّعت منذ ذلك الحين وتخطط لمضاعفة موظفيها، وتعتمد استراتيجية شراكة مع بُناة محليين في أوروبا لتقليل الحاجة إلى استثماراتٍ رأسمالية كبيرة.
سيادة الاعتماد والتجزؤ السوقي
سوق الليزرات عالية الطاقة لا يزال مجزأً: دولٌ كثيرة تطلق مشاريع أبحاث سيادية وتجارب ميدانية محدودة، ما يمنع حتى الآن مظهرَ سوقٍ موحّد أو اندماجًا صناعيًا واسعًا. ميزة الليزر أنها أقل اعتمادًا على سلاسل التوريد التقليدية لأسلحة الدفاع الجوي، وهو ما يجذب دولًا تسعى إلى حلول سيادية تقلّل اعتمادها على موردين أجانب. مع ذلك، أولوية القوات الأمريكية على سبيل المثال تظل متركزة في مواجهة الصين، وهو ما يؤثر على اتجاهات تطوير الأسلحة لدى الشركات الأمريكية.
التحديات التقنية والتشغيلية
الليزرات صارت قابلة للتطبيق لأن التكنولوجيا الصلبة (solid-state) تطورت وأصبح وسيط الإرسال في كثير منها مواد صلبة مثل الألياف البصرية، بدلاً من الموائع الكيميائية المتقلبة التي كانت تُستخدم سابقًا. هذه الليزرات الصلبة أكثر متانة وأسهل في التشغيل، وقد استفادة صناعات مدنية كبيرة من تقدمها.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات ملحوظة:
– احتمال الأضرار الجانبية: الشعاع الليزري الذي يفشل في إصابة الهدف يستمر في مساره وقد يصيب طائرة مدنية أو قمرًا اصطناعيًا، كما يمكن أن يتناثر من على أسطح ويُعيِر الرؤية أو يعمي أشخاصًا. لذلك أنظمة التوجيه والتمييز ضرورية للغاية.
– البيئات المدنية المزدحمة تتطلب إجراءات صارمة لتفادي التعارض مع حركة الطيران المدني. حادثة إغلاق المجال الجوي في إل باسو بعد اختبار غير مجدول لسلاح ليزري توضيحية لهذه المخاطر.
– العوامل المناخية: المطر والضباب يضعفان فعالية الليزر، والأنظمة تولّد حرارة كبيرة ما يجعلها عرضة للاختناق الحراري أو لهجمات مدمرة مضادة على منصّات التشغيل. لهذا من المرجح أن تُستخدم مبدئيًا لحماية بنى تحتية حرجة أو على متن السفن بدل الانتشار المباشر على خطوط المواجهة.
الاندماج في منظومات أوسع ومستقبل المواجهات بكثافة
الليزرات ليست حلًا سحريًا يُغني عن الأسلحة الأخرى؛ بل ستُدمَج ضمن منظومات دفاع جوي شاملة تعمل جنبًا إلى جنب مع صواريخ مضادة واستطلاع متقدّم. الدول والشركات تطمح لرفع قدرة هذه الأنظمة على التعامل مع أسرابٍ كبيرة من المسيرات في فترة زمنية قصيرة، ما يتطلب قوةً أكبر ومعدلَ إطلاق أعلى. EOS تعلن أهدافًا طموحة بزيادة «عدد الاعتراضات في الدقيقة» بحيث تصل إلى معدلات فائقة قادرة على تحطيم تكتيكات السرب.
خلاصة
الليزرات عالية الطاقة تنتقل من حقلِ التجربة إلى ميادين التطبيق الواقعي بوتيرة سريعة نتيجة تقدم التكنولوجيا وتزايد الحاجة إلى حلول ردّ فعل أرخص وأكثر دقة ضد طائرات مسيّرة رخيصة التعبئة. لكنها تواجه قيودًا فنية وتشغيلية وقانونية مهمة تتعلّق بالسلامة، والبيئة، وسيادة الإمداد، مما يعني أن الطريق نحو انتشارها الشامل سيظل يتطلّب مزيدًا من الاختبارات والتكامل مع منظومات دفاعية متعددة الطبقات. الصناعات والدول تسابق الزمن لصياغة نظم قابلة للاعتماد الفعلي على الأرض والبحر، مع وعودٍ مستقبلية كبيرة — وربما بعض مفاجآت.