القضية الفلسطينية ليست حكراً على اليسار — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

على مدار عقود، وجدت القضية الفلسطينية أكثر متلقييها تجاوباً في معسكر اليسار السياسي. الحركات التقدميّة، ومنظمات حقوق الإنسان، والتقاليد المناهضة للاستعمار قد وفّرت لغة تضامن ووضوحاً أخلاقياً. كان لهذا الانحياز مبرره، وما زال معقولاً، لكنه اليوم لم يعد كافياً لوحده لتبديل مواقف السياسه العامة.

إذا كانت السياسات تُصاغ في فضاءات يغلب عليها التفكير الأمني والسلطات المحافظة، فلابد أن يصل الخطاب التأثيري إلى تلك الفضاءات أيضاً.

في كثير من دول الغرب تُتخذ قرارات بشأن المساعدات العسكرية، والمواضع الدبلوماسية، وقوانين التظاهر أقل استجابة لضغط الناشطين و أكثر خضوعاً لحسابات سياسية تقودها اعتبارات أمنية. اللغة السائدة في هذه الميادين ليست في الأساس أخلاقية أو تاريخية، بل هي لغة استراتيجية وقانونية ومؤسسية. وفي هذا السياق، قد يحافظ الانكفاء على مساحات متعاطفة على وحدة الصف، لكنه لا يغيّر مراكز صناعة القرار.

حظيت الحركة الفلسطينية برؤية غير مسبوقة، لا سيما منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة التي ألحقت آلاف الضحايا المدنيين وجعلت أجزاء كبيرة من القطاع أنقاضاً. ازداد الوعي العام، وتشدد التدقيق القانوني، وشُدّت المؤسسات الدولية إلى دائرة النقاش. ومع ذلك، لم يتحول هذا الظهور إلى قوة ضغط فعلية: استمر تدفق الأسلحة، وبقي التغطية الدبلوماسية كما هي، وتوسعت قيود التظاهر المؤيد لفلسطين في عدة دول غربية. الوضوح الأخلاقي وحده لم يكن كافياً.

الأحداث الأخيرة في عواصم غربية كثيرة تُظهر بوضوح الفجوة بين الظهور والتأثير.

في ألمانيا حظرت السلطات المحلية أو قيدت بشدة تظاهرات مؤيدة لفلسطين بذريعة الأمن. وفي أجزاء من الولايات المتحدة أزالت الشرطة مخيمات طلابية، وعاقبت هيئات تشريعية مؤسسات اعتُبرت متساهلة مع حملات المقاطعة. وفي المملكة المتحدة طُرحت المظاهرات الكبرى بلغة التطرف والنظام العام. في كل هذه الحالات كان محور الجدل أقل حول القانون الدولي أو الاحتلال وأكثر حول الأمن الداخلي ومكافحة التطرف — الساحة التي تشعر الحكومات بثقة أكبر فيها.

يقرأ  مظاهرات ووقفات حداد حول العالم تضامناً مع غزة والصحفيين المغتالين— تطورات الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

جزء من المشكلة يكمن في كيفية تنظيم الانخراط. القضية الفلسطينية ليست هامشية ولا متطرفة ولا غامضة أخلاقياً؛ إنها متجذرة في القانون الدولي ومبدأ تقرير المصير وحق السكان المدنيين في التحرر من الاحتلال والعقاب الجماعي. هذه المبادئ ليست حكراً على اليسار؛ إنها تتصل بمفاهيم السيادة والحدود على سلطة الدولة، وهي مفاهيم تتردد عبر تقاليد سياسية متعددة.

ورغم ذلك، غالباً ما طُرحت الدعوات الفلسطينية في عواصم غربية بلغة مناهضة للاستعمار وحقوق الإنسان فقط، وهي مسوغات تلقى أصداء قوية لدى اليسار لكنها أقل وقعاً داخل الثقافات السياسية المحافظة. وكنتيجة، يُنظر إلى القضية على أنها متحاذية أيديولوجياً بدلاً من أن تُعرض كقضية قائمة على مبادئ عامة، ما يضيق من دائرتها.

عندما لا تُصاغ المطالب الفلسطينية بلغة الأمن والقانون التي تشكل عمود الخطاب لدى تيارات يمينية، يملأ الآخرون الفراغ بتعريفاتهم. الإطار السائد يصبح إرهاباً أو فوضى أو صراعاً حضارياً. يعاد تقديم الاحتلال كقضية إدارة أمنية، ويُعاد تسمية العقاب الجماعي بوصفه رادعاً. في مثل هذه البيئة، لا يحفظ الصمت المبادئ؛ بل يترك الميدان دون منازع.

الانخراط مع اليمين لا يعني التخفيف من المطالب أو تعديل اللغة بشأن الاحتلال والتمييز والإضرار بالمدنيين. كما لا يعني تطبيع العنصرية أو الإسلاموفوبيا. بالطبع توجد مخاطر من سوء التمثيل أو العداء أو التعامل بسوء نية، لكن الانفصال المتعمد يحمل مخاطرة أكبر تتمثل في فقدان الصلة بالقرار السياسي. يتطلب الإقناع السياسي ترجمة الأفكار بقدر ما يتطلب إيماناً بها؛ يجب أن تُعرض الحجج بما يتقاطع مع اهتمامات من يمتلكون السلطة.

قد يتطلب ذلك إطلاع نواب محافظين، أو النشر في منتديات سياسات يمينية، أو صياغة الحجج في لجان برلمانية وأمنية بدلاً من الاقتصار على فضاءات النشاط المطالب بالتغيير.

يقرأ  الاحتفاظ بأفضل المواهب عبر مسارات تطوير مهني أقوى

يمكن أن يُطرح الحجة بأن الاحتلال المستمر يقوض أمن إسرائيل طويل الأجل لأنه يغرس حالة عدم استقرار دائمة. أو أن يُبين المرء كيف أن تطبيق القانون الدولي انتقائياً يضعف مصداقية الحكومات الغربية في قضايا مثل أوكرانيا أو تايوان. أو أن يوضح أن الإفلات من العقاب لحليف واحد يضعف الردع عالمياً. هذه ليست شعارات يسارية فحسب؛ إنها مسائل اتساق ونظام ومصلحة دولة.

التاريخ يعلّم أن التغيير السياسي غالباً ما يستلزم التواصل مع من هم خارج دائرة الحلفاء الطبيعيين. لم تكتفِ المؤتمر الوطني الأفريقي بمخاطبة جمهور متعاطف فقط؛ بل تواصلت مع حكومات كانت تعتبرها ذات يوم راديكالية أو تخريبية. قادة الجمهوريين الإيرلنديين تفاوضوا في نهاية المطاف مع حكومات محافظة كانت معارضة لأهدافهم. في كل حالة لم يكن الانخراط إعلان تأييد، بل إدراكاً أن التغيير السياسي يحتاج إلى حوار أوسع.

هناك بعد أجيالي كذلك. اليمين المعاصر ليس كتلة واحدة؛ فيه قوميون يشغلهم مفهوم السيادة، وليبراليون حدّيون يشككون في الالتزامات الخارجية، ومحافظون قلقون من تركز السلطة التنفيذية. لا أحد من هذه الأصوات شريك تلقائي، ولا أحد غير ممكن الوصول إليه تماماً. بعضهم قد يبقى صامداً، خصوصاً حيث تكون الانتماءات الإيديولوجية أو الدينية راسخة. معاملة هذه الأطراف كعدو دائم تفتح المجال للسيناريوهات الأكثر تطرفاً داخل صراعاتهم الداخلية.

الشعور بالقلق من هذا الحوار مفهوماً. يخشى كثير من أنصار حقوق الفلسطينيين أن التحدث في منصات محافظة قد يشرعن أُطر عدائية أو يقوض الوضوح الأخلاقي. لكن السياسة ليست اختباراً للحفاظ على نقاء أخلاقي؛ إنها صراع من أجل النتائج. فإذا كانت السياسات تُشكّل داخل مؤسسات أمنية وحكومات يقودها المحافظون، فلابد أن تصل الحجج إلى هذه البيئات.

البديل هو شكل من العزلة الذاتية: حركة تعلو وتقولب خطابها داخل غرف الصدى بينما تظل السياسات على حالها. تجربة العام الماضي أظهرت هذا الخطر. أثارت المأساة في غزة غضباً عالمياً وحراكاً احتجاجياً غير مسبوق، ومع ذلك لم تغيّر بعض الحكومات الغربية مواقفها الجوهرية. التعاطف بلا وصول بقي محدود الأثر.

يقرأ  الصليب الأحمر يدين استرجاعًا مُفبركًا لبقايا رهائن في غزة

كل هذا لا يقلل من أهمية التضامن اليساري؛ فذلك التضامن ضروري. لكنه لا يمكن أن يكون حدود الانخراط. إذا كانت القضية الفلسطينية قائمة على مبادئ قانونية وعدلية عالمية، فيجب أن تُطرح بهذه الصفة في كل مكان تُناقش فيه هذه المبادئ، حتى في الغرف التي تبدو سياسياً معادية.

لا تعاني النضال الفلسطيني من نقص في الأساس الأخلاقي؛ بل من ضيق المنابر السياسية. توسيع هذا الحيز لا يتطلب تنازلاً عن المبدأ؛ بل يتطلب ثقة: ثقة بأن قضية عادلة تصمد أمام التدقيق في أي سياق إيديولوجي، وثقة بأن العدالة ليست حكراً على جانب واحد من الطيف السياسي.

في النهاية، رفض الدخول في محادثات صعبة لا يحمي المبادئ؛ إنه يحمي هياكل السلطة القائمة. إذا كانت حقوق الفلسطينيين ستنتقل من هتاف احتجاجي إلى اعتبار سياساتي، فعلى الحركة أن تكون مستعدة للحديث ليس فقط حيث تُستقبل استقبالاً حاراً، بل حيث تُقاوم أيضاً.

العدالة لا ينبغي أن تعتمد على راحة إيديولوجية؛ بل على الاستعداد للحجة، بوضوح واتساق ودون خشية، أينما تُمارَس السلطة.

الآراء الواردة في هذا النص تعبّر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق