التقديم لبرنامج الماجستير قرار جليل، وخيار قد يحمل النفسية نفسها على مطبات: ترك مسيرة مهنية تحبّها، الانتقال الى بلد جديد، أو الالتحاق بمؤسسة لا تشعر فيها بالانتماء — كل ذلك قد يبدو قفزةً مظلمة ومخيفة. لكن بالنسبة لثلاثة خريجين حديثين من الكلية الملكية للفنون (RCA)، الذين صاروا لاحقًا حاصلين على جوائز وفنانين معروضين دوليًا، كانت تلك القفزة بمثابة صناعةٍ لذاتهم المهنية والإبداعية.
لوكمان إيبيسي، كاميلا بارفو وماكيكو هاريس أتوا من بدايات مختلفة تمامًا: لوكمان كان مدير تسويق مقيمًا في المملكة المتحدة يوازن بين دبلوم دراسات عليا في UAL ووظيفة بدوام كامل؛ كاميلا كانت تعمل في مجال النسيج لصالح علامة أزياء في كالي بكولومبيا؛ وماكيكو كانت فنانة راسخة في كاليفورنيا تبحث عن ما يتجاوز منطقة الراحة.
ما جمع بينهم إحساس داخلي بأنهم جاهزون لمرحلة أعمق، وأن الـRCA قد تكون المكان المناسب لذلك.
الثقة بالحدس
لم يتخذ أحدهم القرار باستهتار. لوكمان لا يخفي ملاحظاته الأولية: «لا بد أن أعترف أني لم أكن أبدًا أتوق للدراسة في الـRCA»، لكنه تغيّر رأيه بعد محاضرة ألقتها مخرجة فنية، جوليا غاربين، في UAL. رؤية عمق المعرفة التي اكتسبتها خلال ماجستيرها في الـRCA ونموها الإبداعي أمامه مباشرة أثار فيه احترامًا وحافزًا للتغيير.
كاميلا رفضت الالتحاق بالكلية في المرة الأولى لأنها قُدمت لها وظيفة في كالي، لكن بعد ثمانية عشر شهرًا لم يزل الموضوع يلاحقها. تروي: «أتذكر أنني فكرت: متى سأتوقف عن التسويف وأعمل من أجل احلامي؟» كان هناك إحساس داخلي يدعوها لاستكشاف إبداعها على صعيد الماديات؛ شعرت أن لندن والـRCA يوفران المساحة والوقت اللازمين لصقل صوتٍ إبداعي خاص بها.
أما ماكيكو فكانت حقيقتها مرتبطة بالمدينة نفسها: القادمة من سان فرانسيسكو، كانت تتوق لكثافة ونبض المشهد اللندني وللوصول إلى فضاء فني أكثر دولية. بدا لها أن اللحظة المناسبة لمغادرة منطقة الراحة والانغماس في بيئة تتحدى حدود الممكن قد حانت.
حرية إعادة التشكيل
أكثر ما أثّر فيهم جميعًا هو الكمّ الهائل من الحرية التي منحهم إياها الـRCA لإعادة التفكير ليس فقط في أعمالهم، بل في هويتهم الإبداعية بأكملها.
كاميلا توقعت أنها ستتعمق في تقنيات التطريز لرفع خلفيتها في تصميم الأنسجة، إلا أن التجربة قادتها إلى مساءلة معنى التطريز ذاته: ما الإيماءات المتعلقة بهذا الفعل؟ وما الذي يكشفه هذا الفعل عنّي؟ خلال تلك السنة في الـRCA تعرفت على نفسها كفنانة؛ وغادرت بحسّ جديد للتعامل مع عملها وفهمه في سياق أوسع.
في نهاية المطاف، كانت القفزة — رغم الخوف والشكوك — تحوّلًا صناعيًا وشخصيًا، منحتهم أدوات ونظرة مختلفة سمحت لهم أن يصوغوا مساراتهم الفنية بعزمٍ ووضوح. تحوّل لوكمان كان عميقًا أيضًا، وإن اختلفت طبيعته. بصراحة، هو يعترف أنه لم يكن يدرك معنى “الممارسة” حتى دخوله إلى RCA. كان يتوقّع أن ينتقل من التسويق إلى التصميم لأكتساب الثقة وإخراج أعمال أقوى، لكن التجربة في RCA أعادت تعريف التصميم لديه من جذوره.
يذكر لوكمان أن نقطة التحوّل كانت تعرّفه على طرق العمل التشاركية والتعاونية. دورة بعنوان «صنع عوالم مع الآخرين»، حيث عمل الطلاب مع تلاميذ الصف السادس على السرد وبناء الثقة، كانت محورية. أعادت هذه التجربة صياغة فهمه للتصميم كعملٍ نسقي وعلاقي، لا كمنتج يُصنع في عزلة.
هذا النمط العملي انسجم مباشرة مع مشروعه الختامي، مشروع “Kitted for Culture”. عبر إعادة قراءة قميص كرة القدم كقطعة ثقافية، أعاد تشكيل رؤيته لمستقبله المهني. أدرك أن خلفيته في التسويق ليست شيئًا يجب التخلي عنه، بل مورد يمكن إعادة تأطيره لمساعدة التواصل، وتكوين شراكات، واستدامة المشاريع.
ماكيكو تصف منحنى التعلم بأنها كانت شاقة لكنها محرّرة في النهاية. «عندما التحقق في لندن، لم أكن أعرف حتى ما هو معرض Frieze. فجأة وجدت نفسي محاطة بزملاء يتقنون لغة ومنطق العالم الفني الدولي. واجهت إحساسًا حادًا بالتسلل واللا استحقاق في البداية، لكن البيئة أجبرتني على التعلم بسرعة، والتفكير السريع، وفي النهاية الإيمان بأن مكاني هناك.»
الأشخاص الذين يجعلون الأمر ممكنًا
اسأل أيًا من هؤلاء المبدعين عن أهم عامل ألهمه في RCA، ولن تكون الإجابة مبنىً أو جهازًا، بل الناس.
تنسب كاميلا تحولها الأكاديمي إلى مرشدتها سِليا بيم، وتقول إن هذه الإرشاد كان مُحَوريًا في إعادة تشكيل منهجها. «سيليا كانت تتحداني وتطرح عليّ أسئلة تدفعني إلى استكشاف جذور ممارستي أعمق.» ونصيحة واحدة بقيت عالقة في ذهنها: «لا تتوقفي عن الصنع، لأن الفعل نفسه سيمنحك الإجابات.»
للوكمان، كان المرشد جوزيف بوتشودزاي. «دفعني لأن أكون واعيًا نقديًا لمسألة الاستخراج، وأن أعمل فقط مع مجتمعات أكون فعلاً جزءًا منها أو دُعيت إليها.» جاءت هذه التوجيهات لتصوغ مشروعه “Kitted for Culture” كأكثر من مجرد سلسلة قمصان كرة قدم؛ بل كمبادرة ثقافية واجتماعية متجذرة في الهوية والتمثيل والتعاون.
وتروي ماكيكو حكاية مشابهة عن دور الطاقم الفني: «الموظفون الفنيون هم قلب وروح RCA. إلى جانب وظائفهم الرسمية، صاروا متعاونين حقيقيين، شركاء في حل المشكلات، وداعمين صادقين للعمل. بعض هذه العلاقات استمرت بعد التخرج؛ هؤلاء التقنيون ما زالوا أصدقاء ودعاة أعود إليهم للنصيحة.»
هذه المبدأ ينسجم مع كل ما تفعله اليوم. «تعتمد ممارستي على التعاون مع الصناع، والزملاء الفنيين، والفنيين التقنيين، وموظفي المعارض، والقيمين»، تقول ماكيكو. «RCA علمنِي أن صناعة الفن ليست مسعى فرديًا، رغم ما قد يشعر به المرء أحيانًا؛ إنها مبنية على الثقة والمجتمع وكرم الآخرين.»
هل يجب عليك القفز إلى التجربة؟
هل تود أن تسلك طريق هؤلاء المبدعين الحاصلين على جوائز؟ نصيحة كاميلا موجزة وواضحة: «لا تقيد نفسك بتسمية الدرجة التي حصلت عليها.»