ماركو روبيو يسعى لبناء «قرن غربي جديد» — هل ستنضمّ أوروبا؟

خطاب في مؤتمر ميونيخ للأمن

تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن قائلاً إن على الدول الأوروبية التعاون مع الولايات المتحدة لبناء «قرن غربي جديد»، واصفاً العلاقات عبر الأطلسي بأنها علاقة «حضارية» تشترك فيها قيم ومصالح عميقة. وأضاف: «نحن جزء من حضارة واحدة — الحضارة الغربية.»

خلفية ونبرة الخطاب

يأتي هذا الخطاب في سياق سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب وتصريحاتها المتكررة حول الهجرة الجماعية في اوروبا، وفي ضوء الستراتيجية الوطنية للأمن التي صدرت حديثاً والتي تحذّر من خطر «محو حضاري» قد يطال أوروبا. قبل ذلك، هاجم أيضاً نائب الرئيس جيه دي فانس القيم الليبرالية في أول خطاب له بالمؤتمر.

محاور الخطاب

– التراجع عن سياسات «الليبرالية» التي، بحسب روبيو، ساهمت في «انحدار ما بعد الحرب».
– خفض الاعتماد على سلاسل إمداد خارجية، وبناء شبكات إمداد غربية للمناجم والمواد الحيوية تنأى بنفسها عن الابتزاز من قوى أخرى.
– كبح الهجرة الجماعية التي وصفها بأنها تهدد تلاحم المجتمعات واستمرارية الثقافة والهوية الغربية.
– إعادة الصناعات والوظائف إلى الوطن وقيادة مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء.

كما أكد أن التحالف الجديد يجب أن يتعدى التعاون العسكري ويشمل الابتكار والإبداع لتحقيق مصالح مشتركة وفتح آفاق جديدة لبناء ذلك «القرن الغربي الجديد».

قضايا الموارد وسلاسل الإمداد

أشار روبيو إلى أهمية التحكم بالمعادن الاستراتيجية وبناء سلاسل إمداد لا تكون عرضة للابتزاز، مؤكداً على ضرورة استثمار الغرب في تكنولوجيا متقدمة والبحث عن أسواق في الجنوب العالمي. هذا الموقف تزامن مع مؤتمر عقدته إدارة ترامب في واشنطن بشأن المعادن الحرجة كمبادرة لمواجهة سيطرة الصين على سلاسل الإمداد.

تقدير ومخاوف النقد

قرأ المحلّل تريتا بارسي خطاب روبيو على أنه دعوة لشراكة تكون أميركا فيها الطرف الذي يحدد معالمها بشروط تستند إلى أفكار تَخلى عنها كثير من الدول الأوروبية، مثل تبنّي موقف إمبريالي واستعماري تجاه الآخرين. ورأى أن الخطاب يضع شروطاً لكيفية أن تصبح اوروبا تابعاً مطيعاً للولايات المتحدة.

يقرأ  حرب روسيا وأوكرانياقائمة الأحداث الرئيسية(اليوم الـ١٤١٢)أخبار الحرب

ردود فعل القادة الأوروبيين

تلقت كلمات روبيو تصفيقاً حاراً من الحضور، لكن القادة الأوروبيين الذين أشادوا بالعلاقة القوية مع واشنطن تجنّبوا عموماً الدخول في تفاصيل تصريحاته حول الهجرة والقيم الليبرالية.
– رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قالت إن هناك تفاوتاً في النبرة داخل الإدارة الأميركية، لكنها أعادت التأكيد على رغبة الاتحاد الأوروبي في أن يكون شريكاً قوياً ضمن التحالف.
– الفرنسي جان-نويل بارو اعتبر أن الإشارة إلى الإرث المشترك تستدعي الترحيب والتصفيق في أوروبا.
– الألماني جون فاديفول وصف روبيو بـ«شريك حقيقي» مشدداً على ضرورة الالتزام بالنظام الدولي القائم على القواعد، وعلى الأمم المتحدة كمجلس سلام أساسي.
– الوزيرة الفنلندية إلينا فالتونن أعربت عن رضاها عن نبرة ومضمون الخطاب.

ماذا يعني ذلك لأوروبا؟

تواجه اوروبا معضلات بالغة التعقيد، خصوصاً في مسألة الهجرة والدفاع. أزمات الهجرة التي تفجّرت نتيجة اضطرابات إقليمية أدت إلى زيادة شعبية الحركات اليمينية المتطرفة، مما يجعل صانعي القرار الأوروبيين في مِفترق طرق: كيف يوازن المرء بين الحفاظ على قيم الليبرالية والالتزامات الإنسانية من جهة، والتصدي لما يُعرضه خصومهم السياسيون من حجج حول الهوية والأمن من جهة أخرى؟

خلاصة

يمكن اختصار الرسالة الأميركية في أنها تسعى إلى تجديد شراكة عبر الأطلسي لكن بشروط وأولويات جديدة: صناعات معادة التوطين، سيطرة على الموارد الاستراتيجية، وكبح موجات الهجرة التي تُعرض، في رأي المتحدثين الأميركيين، تماسك المجتمعات الغربية للخطر. التحدي الأوروبي يكمن في صياغة رد فاعل يوازن بين الاستقلال الاستراتيجي والحفاظ على القيم والمصالح المشتركة. أعربت إدارة ترامب مؤخراً عن تأييدها لعدة أحزاب يمينية متطرفة، ودفعّت أوروبا إلى اتخاذ موقف أشد حدة حيال قضايا الهجرة والدفاع. ونتيجة لذلك، شرعت كثير من القيادات الأوروبية بالفعل في خطوات ملموسة على هذين المحورين.

يقرأ  ألبوم جديد — علاقة محتملة مع ترافيس كيلسي؟

فالعديد من الدول الأوروبية تعمل الآن على تعزيز قدراتها الدفاعية وتشديد السيطرة على موجات الهجرة. في هذا الإطار أعلنت المملكة المتحدة العام الماضي عن زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي قبيل لقاء رئيس الوزراء كير ستارمر مع ترامب، وسط مخاوف من احتمال تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا في مواجهتها مع روسيا؛ كما تجدر الإشارة إلى أن رومبويو (روبيو) تغيب عن اجتماع حول أوكرانيا جمع قادة أوروبيين في مؤتمر ميونيخ.

كما شددت دول كثيرة ضوابطها على الهجرة: الدنمارك تصدرت السباق بتطبيق سياسات لجوء وهجرة أكثر تشدداً، مع إعلان قادتها عن هدف عملي يتمثل في «صفر طالبي لجوء» جدد. وأفادت تقارير أن بريطانيا تدرس تبنّي النموذج الدنماركي نفسه.

في الوقت ذاته تعمل أوروبا على تعزيز سيادتها في سلاسل توريد الطاقة والتقنية لتقليل الاعتماد على موردين خارجيين، لا سيما في ظل حرب تجارية انتهجها ترامب بفرض رسوم متبادلة على سلع من دول عديدة.

وازدياد شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تطالب بتشديد القيود على الهجرة وضع زعماء أوروبيين تحت ضغط متصاعد. فقد شهدت السنوات الأخيرة صعود موجات من التعاطف المعادي للهجرة في المملكة المتحدة وهولندا وفرنسا: فحزب الحرية (PVV) بقيادة خرت ويلدرز فاز في هولندا عام 2023، وحركة التجمع الوطني (RN) بزعامة مارين لوبان فازت في الانتخابات المبكرة بفرنسا عام 2024. وفي نفس العام، حقق حزب ريفورم يو كيه بزعامة نايجل فاراج اختراقات مهمة في الانتخابات العامة، وفي استطلاع أجرته يوغوف احتل ريفورم موقع الحزب الأكثر شعبية في بريطانيا.

علاوة على ذلك، بدأت أفكار كانت تُعتبر هامشية متطرفة تكتسب زخماً: مثل مفهوم «إعادة الهجرة» (remigration) القائم على طرد قسري للمواطنين الأوروبيين غير البيض، الذي روّج له قادة مثل هربرت كيكل من حزب الحرية النمساوي وأليس فايدل من حزب البديل لألمانيا.

يقرأ  هل تقترب أوروبا وروسيا من صدام بشأن أوكرانيا؟سلسلة رقمية

بعض الزعماء الأوروبيين حاولوا مجابهة صعود اليمين المتطرف عبر تبنّي سياسات هجرة أشد قسوة لإرضائه، بينما احتضن ترامب هذه التيارات علناً. هذا التحالف الجديد بين خطاب البيت الأبيض وبعض أحزاب اليمين الأوروبي يغيّر موازين النفوذ ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي.

ماذا يعني ذلك للعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا؟
يؤكد تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي في معهد كوينسي للسياسة المسؤولة، أن أوروبا أمام خيار مصيري: إما أن تسعى إلى تحقيق «الاستقلال الاستراتيجي» وأن توازن بين القوى العظمى مع الحفاظ على شراكة كريمة مع امريكا، من دون أن تتحول إلى تابع خاضع بالكامل؛ أو أن تواصل طريق الخضوع البطيء والمتزايد لمصالح وأولويات واندفاعات الوليات المتحدة وإملاءاتها بشأن ما سمّاه البعض «إمبراطورية حضارية».

وأشار بارسي إلى التحية الحارة التي قُدمت لروبيو بعد خطابه في ميونيخ لمجرد عرضه البقاء شريكاً لأوروبا، معبراً عن الشكوك حول ما إذا كانت القواعد التي وضعها روبيو قد أُهملت أو لم تُفهم، أم أن أوروبا ببساطة تفضّل دور الشريك الأدنى مهما كانت الضوابط.

من جانبهم بدا أن قادة أوروبا وضعوا أولوية إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة فوق كل اعتبار في مؤتمر ميونيخ للأمن. ففي كلمته طالب المستشار الألماني فريدريش ميرتس الولايات المتحدة وأوروبا بـ «إصلاح وإحياء الثقة عبر الأطلسي معاً»، وبدأ بتصريح لافت: هناك شقاق عميق بين أوروبا والولايات المتحدة. وأضاف أن نائب الرئيس جيه دي فانس كان قد وصف هذا الانقسام قبل عام في ميونيخ، معتبرًا أن وصفه كان سليماً، ودعا إلى «شراكة عبر الأطلسي جديدة» تقوم على قواعد أكثر وضوحاً واحتراماً متبادلاً.

أضف تعليق