«الأردن التالية»: ضمّ الضفة الغربية يشير إلى «نقل صامت» — الضفة الغربية المحتلة

لعقود، كان مفهوم “الوطن البديل” — أي فكرة أن تتحول الاردن إلى دولة فلسطينية — يُرفض في أروقة دبلوماسية عمّان ككابوس بعيد أو كنظرية مؤامرة. اليوم، وتحت ظل حكومة إسرائيلية أقصى يمين وُصِفت وبرنامج حرب مدمّر في غزة يرقى إلى مستوى إبادة جماعية، صار هذا الكابوس واقعًا عمليًا.

ارتفعت درجة القلق في المملكة الهاشمية يوم الأحد، بعدما أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي إجراءات تُسجّل امتدادات واسعة من الضفة الغربية المحتلة كـ”أراضٍ دولة” تحت إشراف وزارة العدل الإسرائيلية. هذه الخطوة، التي وصفها وزير المالية بيزاليل سموتريتش بـ«ثورة الاستيطان»، تتجاوز فعليًا الإدارة العسكرية التي تدير المكان منذ 1967، وتعامل الأراضي كأنها جزء سيادي من التراب الإسرائيلي.

بالنسبة الى الاردن، تُعدّ هذه المصادقة الإدارية إشارة نهائية على موت الوضع القائم. ومع عملية الجيش الإسرائيلي المعروفة بـ«الجدار الحديدي» وتكثيفها سحق مخيمات اللاجئين في جنين وتركيا وتلك المناطق، لم تعد المؤسسات السياسية والعسكرية الأردنية تتساءل إن كان ثمة ترحيل قسري قادم، بل كيف يمكن منعه.

ممدوح العبادي، نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، قال لقناة الجزيرة: «الترحيل لم يعد تهديدًا؛ إنه ينتقل إلى مرحلة التنفيذ. نرى التطبيق العملي… الوطن البديل صار أمرًا واقعًا؛ وبعد الضفة سيذهب العدو إلى الضفة الشرقية، إلى الأردن».

الترحيل الصامت

الخوف في عمّان لا يقتصر على غزو عسكري صريح، بل يشمل أيضًا ما يُسمّى “الترحيل الناعم” — سياسة جعل الحياة في الضفة الغربية غير قابلة للعيش لدفع هجرة تدريجية صوب الأردن. قرار نقل سلطة تسجيل الأراضي الى وزارة العدل الإسرائيلية يُقرأ في عمان كخطوة محورية في هذا المسار. بمسح سجلات الأراضي الأردنية والعثمانية التي حفظت حقوق الملكية للفلسطينيين قرابة قرنًا، تمهّد إسرائيل الطريق القانوني لتوسع استيطاني هائل.

يقرأ  مداهمة في مينيابوليس — عنصر من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية يطلق النار ويقتل امرأة

أشار العبادي، بصوته الذي عرفته الساحة الأردنية، إلى تحولات رمزية لكنها خطيرة في التسميات العسكرية الإسرائيلية. قال: «هناك لواء جديد في الجيش الإسرائيلي اسمه لواء جلعاد. ما هي جلعاد؟ جلعاد منطقة جبلية على مقربة من العاصمة عمّان. هذا يعني أن الإسرائيليين يمضون في ممارساتهم الاستراتيجية من النيل إلى الفرات». وأضاف أن معاهدة وادي عربة عام 1994 تبدو باطلة عمليًا في نظر القيادة الإسرائيلية الحالية: «أيديولوجية سموتريتش لم تعد رأيًا فرديًا؛ لقد صارت عقيدة للدولة. هم من قتلوا معاهدة وادي عربة قبل أن ترى النور… إن لم نستيقظ، ستكون الاستراتيجية ‘إما نحن أو هم’. لا خيار ثالث».

جيش ثانٍ من العشائر

مع تقلّص السبل الدبلوماسية، التحول الآن نحو الخيارات العسكرية الأردنية. يُنظر إلى وادي الأردن، تلك الشريط الطويل من الأرض الخصبة الفاصل بين الضفتين، كخط مواجهة أساسي لما يسميه الاستراتيجيون الأردنيون «الدفاع الوجودي». حذّر اللواء المتقاعد مآمون أبو نوار، الخبير العسكري، من أن ممارسات إسرائيل تُعدّ حربًا غير معلنة على المملكة. واقترح أنه إذا استمر ضغط التهجير، يجب أن تستعد الأردن لخطوات جذرية.

«قد تعلن الأردن وادي الأردن منطقة عسكرية مغلقة لمنع التهجير،» قال أبو نوار للجزيرة. «هذا قد يؤدي إلى صراع ويُشعل المنطقة». ومع إدراك الفجوة في القدرات العسكرية، رفض فكرة أن إسرائيل يمكنها اجتياح الأردن بسهولة، مستندًا إلى النسيج الاجتماعي الفريد للمملكة: «الداخل الأردني، بعشائره وعمائله… هو جيش ثانٍ. كل قرية وكل محافظة ستكون خطًا دفاعيًا للأردن… إسرائيل لن تنجح في هذه المواجهة».

غير أنه حذر من هشاشة المشهد. ومع احتمال انفجار الضفة إلى صراع ديني، حذر من «زلزال إقليمي» إذا تجاوزت الخطوط الحمراء. «جيشنا محترف ومستعد لكل السيناريوهات، بما فيها المواجهة العسكرية،» اختتم. «لا يمكننا ترك الأمور على هذا النحو».

يقرأ  دليل تدريس عناصر القصّةوأفكار لأنشطة تعلّمية وتفاعلية

انهيار الضمان الأميركي

يُفاقم قلق الأردن شعور عميق بالتخلي من أقرب حلفائه: الولايات المتحدة. لسنوات كان خيار «الأردن»—استقرار المملكة الهاشمية—ركيزة في السياسة الأميركية. لكن عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، يرى أن هذا «الرهان الاستراتيجي» قد انهار. قال للرأي العام: «الرهان على واشنطن تزعزع، إن لم يكن انهار فعلاً». أشار إلى تحول ذهني بدأ في ولاية دونالد ترامب الأولى، حين تحوّل المرسى الإقليمي من عمّان والقاهرة إلى عواصم الخليج، منبهرًا بلمعان المال والاستثمارات.

ورغم إدارة بايدن ثم عودة ترامب، يرى الرنتاوي أن واشنطن أظهرت استعدادًا للتضحية بالمصالح الأردنية لصالح إسرائيل. «عندما يُختبر الأمر — الاختيار بين حليفين — واشنطن ستختار إسرائيل دون تردّد». وصف وضع الأردن بأنه هشّ، محاصر في حلقة تبعية: «الأردن بين ناريْن: نار المعونة من جهة، ونار التهديد الوجودي الإسرائيلي من جهة أخرى».

عاكست تصريحات أبو نوار هذا الشك حول الحماية الأميركية، متسائلًا إن كان وضع الأردن كحليف رئيسي غير عضو في الناتو يحمل أي وزن عملي: «هل سيطبقون علينا المادة الخامسة للناتو؟» قال متهمًا بانعدام مصداقية الدعم الأميركي.

أمام هذا العزلة، تطالب أصوات في عمّان بمراجعة جذرية للتحالفات. حافظت المملكة تقليديًا على سلام بارد مع السلطة الفلسطينية في رام الله، بينما تجنّبت حماس وفصائل المقاومة الأخرى — سياسة يرى الرنتاوي أنها كانت خطأ استراتيجياً. «الأردن أطلق النار على دبلوماسيته في القدم،» قال موضحًا أن الإصرار على علاقة حصرية مع السلطة الضعيفة في رام الله قضى على رصيد نفوذ المملكة.

قارن الرنتاوي موقف الأردن بمواقف قطر ومصر وتركيا، التي أبقت قنوات تواصل مع حركة حماس، ما منحها أوراق نفوذ أبقى حضورها حتى أمام الولايات المتحدة. «القاهرة والدوحة وأنقرة حافظت على علاقاتها مع حماس، فاستمرت قدرتها على التأثير رغم كل شيء.» «تخلّت الأردن عن هذا الدور طوعاً… أو نتيجة سوء تقدير.»

يقرأ  حين تلتقي المناصرة بالإرهاق:رحلة معلم نحو دعم طالب صامت

اقترح الرنتاوي أن هذا التردّد ينبع من مخاوف داخلية من تمكين جماعة الإخوان المسلمين داخل الأردن، لكن الثمن كان تراجع النفوذ الإقليمي في توقيت أحوج ما تكون فيه عمان إلى ذلك.

الاستعداد للأسوأ

الإجماع لدى النخبة أن زمن “الإنذارات الدبلوماسية” قد ولّى. تحوّل خطاب عمان إلى خطاب تعبئة وبقاء.

في أوائل فبراير أعلنت المملكة رسمياً استئناف برنامج الخدمة العسكرية الإلزامية المعروف بـ«خدمة العلم» بعد انقطاع دام 35 عاماً. وبيّنت القوات المسلحة الأردنية أن الخطوة تهدف إلى «تطوير القدرات القتالية لمواكبة أساليب الحرب الحديثة» في ظل ظروف إقليمية معقّدة.

ذهب العبّادي إلى أبعد من ذلك، داعياً إلى التجنيد العام لضمان الجاهزية الكاملة. «نطالب الدولة بالتجنيد الإلزامي؛ يجب أن يكون كل من في الأردن قادراً على حمل السلاح.»

ودعا أيضاً إلى تعبئة ثقافية: «يجب أن نعلّم أطفالنا على الأقل اللغة العبريه، لأن من يعرف لغة شعبٍ ما يأمن شرّه.»

وطالب بمراقبة صارمة لعبور جسر الملك حسين (اللنبي)، وأضاف: «إذا كان هناك نقل بطيء ومقنّع… فعلينا إغلاق الجسور فوراً وبدون تردد.»

بينما تبدأ وزارة العدل الإسرائيلية بإعادة كتابة سندات ملكية أراضي الضفة الغربية، ممحوّةً ملكية الفلسطينيين في دفاترها تماماً كما تُمحى منازلهم على الأرض، تواجه الأردن أخطر لحظاتها منذ 1967. الحاجز المانع اختفى، وتجد المملكة نفسها واقفة وحدها في مسار العاصفة.

«العالم يُلقي الخطب، والجميع يندّد… وإسرائيل تُقدِم على الفعل»، قال العبّادي. «إن لم نستفق… فستكون الاستراتيجية: “إما نحن أو هم”. لا توجد استراتيجية ثالثة.»

أضف تعليق