ضمّ بحكم الواقع والانفراد الدولي
رغم موجة إدانات عالمية وخرق واضح للقانون الدولي، مضت إسرائيل هذا الشهر في تنفيذ ضم فعلي للضفة الغربية، التي يقطنها أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني والتي تحتلّها منذ 1967. الإعلان لم يأتِ بجديد على مستوى الانتقادات الدولية؛ فخلال عامين من حملة القتل الجماعي في غزة، توجّهت الدولة إلى هامش النظام الدولي، حتى وصفها بعض النواب داخل البرلمان بأنها «دولة منبوذة». رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق مطلوبان بمذكرات توقيف بتهم جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، فيما دفع سلوكها في غزة بموجات رفض شعبية أعلنت حملات مقاطعة واسعة للمنتجات الإسرائيلية.
حراك المقاطعة والضغط الدولي
أربع دول — إسبانيا وسلوفينيا وهولندا وجمهورية أيرلندا — امتنعَت عن المشاركة في مسابقة يوروفيجن احتجاجاً على مشاركة إسرائيل. تتصاعد جهود عالمية لوقف مشاركة إسرائيل في بطولات يويفا وفيفا، وفي المقابل تواصل جنوب أفريقيا ملفها أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية. هذه الإجراءات لا تزال جارية وتشكل ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً ملموساً.
الصدى الداخلي وقابلية القيادة للاستمرار
على الرغم من العزلة الدولية ومئات الآلاف من القتلى في غزة، لم يتغير الموقف الشعبي داخل إسرائيل بالقدر الذي قد يخشى الخارج؛ إذ يملك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهوو فرصة قوية للفوز في انتخابات هذا العام، والاعتراض الأكبر ضده غالباً ما ينبع من سياساته الداخلية لا من طريقة تعاطيه مع القضية الفلسطينية، التي يظلّ كثيرون فيها غير مبالين أو متسامحين مع ما يحدث.
الجهل المُبرمَج والإعلام
«الغالبية لا تعرف أننا قد قمنا بضم الضفة إلى حدٍّ كبير»، تقول أورلي نوي، محررة موقع الأخبار العبرية Local Call. «لا تُروى القصة بهذه الطريقة في وسائل الإعلام.» قد يدرك الناس تغيرات إدارية أو قانونية، لكنها تبقى بعيدة عن وعي الجمهور العام حتى يظهر رد دولي مباشر يؤثر عليه، كما حدث مع انسحاب الدول الأربعة من يوروفيجن، الذي سُوِّق داخل إسرائيل على أنه نتاج معاداة السامية بالدرجة الأولى.
التمييز وغياب التغطية
يرى المراقبون أن الفلسطينيين في كثير من السياقات لا يكادون يظهرون في الوعي الإسرائيلي، وأن العنف الاستيطاني المتطرف يُحجَب أو يُصوَّر وكأنه مستحق. القنوات الإسرائيلية التي تغطّي الحرب ركّزت على عدد «الإرهابيين» القتلى أو على قضية الرهائن (حوالي 250 مختطفاً في 2023)، بينما قُصِي الحديث عن معاناة غزة ومأساها. في المطبوعة، تقتصر الانتقادات الجادة على صحافة أصغر على الجناح اليساري.
آلية تحويل النقد إلى عداء
في مشهدٍ بات مألوفاً، يُحوَّل أي نقد لإجراءات الحكومة تلقائياً إلى تسمية «معاداة السامية»، وهي تهمة تُستخدم كـ «قبة حديدية» ثانية لصدّ الاتهامات وتلويث المشهد النقدي، بحسب نيف غوردون، أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان. «إسرائيل دائماً يجب أن تُقدم كضحية، وتبرّر هذه الضحية أي مستوى من العنف دفاعاً عنها»، يقول غوردون، الذي زار إسرائيل نحو عشر مرات خلال السنة والنصف الأولى من الحرب وأضاف أن كل ما كان يُسمع هو حديث الرهائن، بينما لم يسمع أحد عن ما يحدث في غزة: تكرار لصدمة تمحي التعاطف.
عقلية الحصار والتراتبية التاريخية للعداء
بحسب خطاب نتنياهو، فإن معاداة السامية ليست مجرد عنصرية عابرة بل صراع حضارات يمتد لآلاف السنين، بدأت كعقيدة قبل قرون من المسيحية وتحوّلت عبر العصور. تصريحات مماثلة من سياسيين على مدار عقود رسّخت رؤية جماعية ترى في تاريخ اليهود وذاكرتهم القومية ما يبرّر أية خطوة تتخذها الدولة اليوم. يصف دانئيل بار-تال، أستاذ علم النفس السياسي، هذه الظاهرة بأنها «تلقين» جعل أجيالاً من اليهود الإسرائيليين تتبنّى عقلية الحصار: أي نقد يُقابل بصمت أخلاقي مُسوَّق من السلطة، ومن ثمّ يُصوَّر المهاجم الخارجي على أنه من يريد اختفاء إسرائيل. «يتخيلون أن بقية العالم تفرّط في مسؤولياته خلال الحرب العالمية الثانية، وأنه الآن يهاجم المكان الوحيد الذي يشعر فيه اليهود بالأمان»، يختتم بار-تال.