اعلنت غواتيمالا الأسبوع الماضي أنها ستبدأ سحبًا تدريجيًا لبرنامج طبي يعمل منذ نحو ثلاثة عقود، كان يوفّر أطباء كوبيين لسدّ ثغراتٍ كبيرة في منظومتها الصحية.
لمحة عامة
منذ عقوباتٍ أمريكية شديدة، اعتمدت كوبا على إرسال أطبائها إلى دولٍ متعددة لكسب مليارات الدولارات سنويًا، وذلك عبر تأجير الآلاف من أفراد ما يُسمّى «الجيش ذو المعاطف البيضاء». استُخدمت هذه البعثات الطبية، إلى جانب دورها الإنساني، كأداة دبلوماسية في السياسة الخارجية للهفانا.
لماذا تسحب غواتيمالا الأطباء الكوبيين؟
أصدرت وزارة الصحة الغواتيمالية بيانًا أعلنت فيه بدء «إنهاءٍ تدريجي» للبعثة الكوبية خلال هذا العام، موضحة أن القرار نابع من تقويمٍ لمدى اكتمال دور البعثة في دورتها الميدانية، وأنها كانت قد أُرسلت أساسًا لدعم البلاد بعد إعصار ميتش عام 1998 الذي هدم أجزاء واسعة من المنطقة وخلّف نقصًا حادًا في الخدمات الصحية بالمناطق الريفية.
وأضاف البيان أن الوزارة تُعد خطة استراتيجية لتعويض الطواقم تدريجيًا من داخل البلاد، عبر توظيف كوادر وطنية، وتعزيز الحوافز للمناصب النائية، وإعادة توزيع الموارد البشرية بشكل استراتيجي، مع تقديم دعم فني متخصص. تضم البعثة الكوبية في غواتيمالا نحو 412 عنصرًا صحيًا، من بينهم 333 طبيبًا.
الخلفية السياسية والضغط الأمريكي
يأتي قرار غواتيمالا في ظل ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة التي تسعى لإيقاف عمل الأطباء الكوبيين في الخارج لقطع مصدر دخل مهم لخزائن هافانا، إذ تذهب نسبة كبيرة من رواتب هؤلاء الأطباء إلى الدولة الكوبية. وقد تفاقمت أزمة السلع والطاقة في كوبا إثر إجراءات اقتصادية وعقوبات، بما في ذلك حظر نفطي فرضته إدارة ترامب منذ يناير الماضي، ما أدى إلى نقصٍ حاد في الوقود والمواد الغذائية والأدوية وخلق أزمة طاقة واسعة.
تاريخ البعثات الطبية الكوبية
أرسلت كوبا منذ ثورة 1959 بعثات طبية إلى أنحاء العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، وقد كانت هذه البعثات مكوّنًا أساسيًا في سياستها الخارجية منذ عهد فيدل كاسترو. كما أن بعض دول المنطقة اعتمدت على هذه البعثات لسدّ عجزٍ كبير في الكفاءات الطبية، لا سيما في جزر الكاريبي.
سياسات واشنطن ضد البعثات
وصفت الولايات المتحدة هذه البرامج بأنها شكل من أشكال «العمل القسري» والاتجار بالبشر، وسعت إلى الحد من إيرادات الحكومة الكوبية من خلال قيود على التأشيرات والسياسات الرامية إلى ثني حكوماتٍ أجنبية عن إبرام اتفاقات تعاون طبي مع هافانا. في فبراير من العام الماضي أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن واشنطن ستفرض قيودًا على التأشيرات تستهدف ما سمّته البرنامج الكوبي لتصدير العمالة، لا سيما بعثات الأطِباء في الخارج.
لقد أدى تركيز واشنطن الإقليمي، وتصاعد العمليات السياسية ضد خصومها في المنطقة، إلى توجيه مزيدٍ من الضغوط نحو كوبا، بما في ذلك قطع شحنات النفط الفنزويلية التي كانت دعامةً أساسية لسد حاجات هافانا منذ اتفاقها مع تشافيز. هذه الإجراءات عمّقت أزمة الوقود والطاقة في كوبا وجعلت من قضية البعثات الطبية هدفًا دبلوماسيًا وسياسيًا.
حجم البعثات وتوزّعها
يعمل أكثر من 24 ألف طبيب كوبي في نحو 56 دولة، تشمل دولًا في أمريكا اللاتينية مثل فنزويلا ونيكاراغوا والمكسيك، ودولًا أفريقية من بينها أنغولا وموزمبيق والجزائر، إضافةً إلى مناطق في الشرق الأوسط مثل قطر. كما استُخدمت تلك الفرق أحيانًا للاستجابة لأزمات طبية طارئة؛ فعلى سبيل المثال زودت إيطاليا بأطباء كويبيين خلال جائحة كوفيد-19 لمساندة مستشفياتها الأكثر اجهادًا.
مقاومة بعض الدول للضغط الأمريكي
لم تتخلّ بعض دول الكاريبي واللاتينية عن دعمها للبعثات رغم تحذيرات واشنطن. ففي مارس 2025 رد قادةٌ كاريبيون على تهديدات القيود القنصلية بالقول إنهم لن ينسحبوا لأن خدمات الممرضين والأطباء الكوبيين كانت حاسمة أثناء الجائحة. وأكد قادة في دولٍ مثل بربادوس وترينيداد وتوباغو وسانت فنسنت أن خسارة هذه الفرق قد تعني تدهورًا دراميًا للخدمات الصحية.
محاولات تجاوز الضغوط
اتخذت بعض الدول سبلًا للتحايل على القيود الأمريكية، ففي خطوةٍ حديثةٍ أعلنت غيانا أنها ستدفع رواتب الأطباء مباشرةً بدلًا من تحويلها عبر الحكومة الكوبية، كآلية لتقليل التأثّر بالضغوط الخارجية.
خاتمة
تظل البعثات الطبية الكوبية عنصرًا مركزيًا في نسيج الرعاية الصحية لعدة بلدان نامية، ويبدو أن قرار غواتيمالا جزءٌ من موجة أوسع من التحولات السياسية والضغوط الدولية التي قد تعيد تشكيل خريطة التعاون الطبي الدولي خلال السنوات المقبلة.