تكشف صور أقمر صناعية حديثة أن إيران أنشأت أخيراً درعاً خرسانياً فوق مرفق جديد في موقع عسكري حساس، وغمرته بالتربة، متقدمة بذلك في أعمال البناء في موقع ورد أنه تعرّض لقصف إسرائيلي عام 2024، في ظل توتر متصاعد مع الولايات المتحدة وتهديد بحرب إقليمية.
وتُظهر الصور أيضاً أن إيران دفنت مداخل أنفاق في موقع نووي قُصِفَ بواسطة واشنطن أثناء الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران العام الماضي — والتي شاركت فيها الولايات المتحدة نيابةً عن إسرائيل — كما قامت بتقوية مداخل أنفاق قرب موقع آخر وأصلحت قواعد صواريخ تضررت خلال الصراع.
توفر هذه الصور نادراً لمحة عن أنشطة طهران في بعض المواقع الواقعة في قلب الخلافات مع إسرائيل والولايات المتحدة. يقع مجمّع برشين على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرق طهران، ويُعدّ واحداً من أكثر المواقع العسكرية حساسية في إيران. أشار جهاز استخباري غربي قبل أكثر من عشرين عاماً إلى أن طهران قد أجرت هناك تجارب ذات صلة بتفجيرات نووية، بينما نفت إيران دائماً السعي إلى سلاح نووي مؤكدة أن برنامجها النووي للأغراض المدنية فقط.
لم تجد الاستخبارات الأميركية ولا الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي أدلة العام الماضي على أن إيران كانت تتابع إنتاج أسلحة نووية. ووفق تقارير، استهدفت إسرائيل برشين في أكتوبر 2024؛ وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطت قبل الهجوم وبعده أضراراً واسعة في مبنى مستطيل بالمجمّع، وتبدو أعمال إعادة إعمار في صور بتاريخ 6 نوفمبر 2024. أما صور 12 أكتوبر 2025 فتكشف عن تطورات إضافية في الموقع، مع هيكل عظمي لمنشأة جديدة ووجود منشأتين أصغر بجواره.
بدت تقدّمات واضحة في صور 14 نوفمبر، حيث غطّى ما بدا كسقف معدني الهيكل الكبير. وبحلول 16 فبراير اختفى هذا السقف تماماً، مخفياً تحته ما وصفه خبراء بأنه هيكل خرسانى. وفي تحليل نشرته «معهد العلوم والأمن الدولي» في 22 يناير، نوه المعهد إلى تقدّم في بناء «مقبرة خرسانية» حول منشأة جديدة في الموقع، حدّدها المعهد باسم طالقان 2.
كتب مؤسس المعهد دايفيد ألبرايت على منصة إكس: «لتأجيل المفاوضات فوائد: خلال الأسبوعين إلى الثلاثة الأسابيع الماضية، انشغلت إيران بدفن منشأة طالقان 2 الجديدة… ثمة المزيد من التربة المتاحة، وقد تتحول المنشأة قريباً إلى ملجأ لا يُعرف مظهره بالكامل، ما يوفّر حماية كبيرة من الضربات الجوية.»
كما أفاد المعهد في أواخر يناير أن صوراً حديثة أظهرت جهداً لدفن مداخل نفقين في مجمّع أصفهان — وهو واحد من ثلاثة مصانع تخصيب يورانيوم استهدفتها الولايات المتحدة في يونيو خلال الحرب. وبحلول أوائل فبراير قال المعهد إن جميع مداخل مجمّع الأنفاق «دُفنت تماماً».
تشير صور أخرى إلى جهود مستمرة منذ 10 فبراير لتقوية وتحصين مدخلين لمجمع أنفاق تحت جبل يبعد نحو 2 كيلومتر عن نطنز — الموقع الذي يضمّ مصنعَي التخصيب الآخرين في إيران.
تأتي هذه التحركات فيما تسعى واشنطن للتفاوض مع طهران بشأن برنامجها النووي، مُلوِّحة بإمكانية اللجوء إلى العمل العسكري إذا فشلت المباحثات. يوم الثلاثاء، توصل ممثلو الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهم حول مبادئ توجيهية رئيسية خلال اجتماع جرى في جنيف، إلا أنهم لم يحرزوا اختراقاً ملموساً. جاء ذلك بعد جولة أولى من المحادثات عقدت في عُمان في 6 فبراير.
تشير تقارير إلى أن طهران ستقدّم مقترحات تفصيلية خلال الأسبوعين المقبلين لسدّ الفجوات. ومن بين العقبات الكثيرة أمام التوصل إلى اتفاق، دفع الولايات المتحدة لتوسيع نطاق الصفقة ليشمل قيوداً على ترسانتها الباليستية ودعمها لحلفائها في المنطقة. هذا الضغط يغذّيه السرد الإسرائيلي ومطالب تل أبيب، حيث يكرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مطالبه للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالتحوّل عن إطار يتناول النووي فقط.
أصرت طهران على أن بنوداً من هذا النوع غير قابلة للتفاوض، لكنها عبّرت عن استعداد لمناقشة قيود على برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات. انهار جهد تفاوضي سابق العام الماضي حين شنت إسرائيل هجمات على إيران، ما أشعل حرباً دامت 12 يوماً شاركت فيها واشنطن بضرب مواقع نووية إيرانية رئيسية.
وبينما تتلمس الدبلوماسية طريقها، يكثف الطرفان ضغطهما العسكري. أجرى الحرس الثوري الإسلامي سلسلة تدريبات حربية يومي الاثنين والثلاثاء في مضيق هرمز للاستعداد «لتهديدات أمنية وعسكرية محتملة». وفي يوم الأربعاء أعلنت طهران مناورات بحرية مشتركة جديدة مع روسيا في بحر عمان. وقال الأدميرال حسن مقصودلو إن التمارين تهدف إلى منع أي عمل أحادي في المنطقة وتعزيز التنسيق لمواجهة تهديدات الأمن البحري، بما في ذلك المخاطر التي تهدد السفن التجارية والناقلات النفطية.
كما صعّدت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في المنطقة؛ إذ أمر ترامب بإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، بينما كانت الحاملة الأولى، يو إس إس أبراهام لنكولن، وطائراتها البالغ عددها نحو ثمانين، متمركزة على بعد نحو 700 كيلومتر من الساحل الإيراني بحسب صور أقمار صناعية التُقطت يوم الأحد.
وأصدرت إدارة ترامب تهديدات جديدة لطهران؛ وقالت كاران ليڤيت، متحدثة البيت الأبيض، يوم الأربعاء إن «إيران ستكون حكيمة جداً إن أبرمت صفقة» مع الولايات المتحدة. كما تصاعدت لهجة ترامب على منصاته التواصلية، حيث كتب على منصته أن «إذا قررت إيران عدم إبرام صفقة، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام قاعدة جوية في المحيط الهندي بجزر تشاغوس، من أجل القضاء على هجوم محتمل من نظام شديد الاضطراب والخطورة.»