ميديلين، كولومبيا — زيا الدين يحيى إقبال ساندوفال، المعروف بين أصدقائه باسم «زيا»، يقترب من رمضان بإيمان هادئ وثبات داخلي.
وُلد هذا الفتى، الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، ونشأ في كولومبيا حيث لا تزال المسيحية الطائفة المهيمنة؛ إذ يعرّف نحو 63 بالمئة من السكان أنفسهم ككاثوليكى.
غير أن زيا واحد من بين تقدير يتراوح بين 85 ألفاً و100 ألف مسلم في كولومبيا، أي أقل من 0.2 في المئة من عدد السكان. داخل هذه الأقلية تتجلّى فسيفساء من الخلفيات والتجارب: بعضهم أحفاد موجات هجرة تاريخية إلى المنطقة، وآخرون دخلوا الإسلام لاحقاً.
«المجتمع الإسلامي في كولومبيا صغير، لكنه ثري بتنوعه»، يقول زيا بينما يستريح قليلاً عن تقديم الشاي في مطعم عمه زهير بحي بوبلادو الراقي في ميديلين.
في الليالي التي سبقت رمضان، استعد المسلمون في مدن مثل بوغوتا وميديلين للاحتفالات بتعليق الزينة وأداء الصلوات. فوق مسجد متواضع في بلدة بيلين على أطراف ميديلين تزيّن حروف ذهبية متلألئة عبارة «رمضان كريم».
داخل المسجد كانت الأحذية مصطفة بعناية على طول الجدار، وفي غرفة صلاة مربعة صغيرة تقف نحو ثمانية رجال من أعمار وجنسيات مختلفة جنباً إلى جنب، يركعون ويتأملون في آن واحد.
يقول مؤتاسم عبده، إمام المسجد الذي جاء إلى ميديلين من مصر قبل أربع سنوات: «غالبية القادمين إلى المسجد هم من الكولومبيين، لكننا نرى أيضاً أشخاصاً من ترينيداد وتوباغو وتونس وباكستان ودول عربية أخرى».
يوضح عبده أن صغر حجم الجالية الإسلامية في كولومبيا يجعل بعض القادمين الجدد يحنّون إلى أجواء رمضان المهيبة التي عرفوها في أوطانهم. «المنشأ من بلد مسلم قد يفتقد البهاء الذي كان عليه رمضان في وطنه»، يشرح.
يتذكر رنا عارف محمد، المهاجر الباكستاني، قدومه إلى كولومبيا قبل 23 عاماً طامحاً في جولة عبر أميركا اللاتينية، لكنه شعر بالعزلة أيضاً كمسلم في بلد يغلب عليه طابع مسيحي. استقر في ميديلين وافتتح مطعماً في بيلين يقدم أطباقاً باكستانية وعربية، غير أن زملاءه من المسلمين كانوا نادرين، وكان يواجه صعوبة في العثور على مسجد.
«قبل ثلاثة وعشرين عاماً قابلت أربعة أو خمسة مسلمين فقط، قليلون من لبنان وتركيا»، يقول محمد. مع ذلك، لاحظ هو وآخرون تزايداً في الظهور الإسلامي داخل كولومبيا: ففي 2020 انتُخب أول عمدة مسلم في مدينة مايكو الحدودية، وانتشرت مراكز ثقافية إسلامية وأماكن عبادة أكثر. «اليوم ميديلين بها خمسة مساجد»، يضيف وهو يعدّ المساجد التي يعرفها.
تعود موجة الهجرة الإسلامية إلى أميركا اللاتينية إلى بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين، تلتها موجات متعاقبة على مدار القرن. في كولومبيا كانت هجرة النازحين من الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينات واحدة من أبرز تلك الموجات، إذ غادر نحو مليون لبناني المنطقة، من بينهم مسلمون ومسيحيون كثيرون. استقر بعضهم في مدن مثل مايكو حيث بُني أحد أكبر المساجد في أميركا اللاتينية واكتمل بناؤه عام 1997.
هذا التدفق المستمر ساهم في اتساع وتنوّع الجالية المسلمة في البلاد. في بوغوتا يتحدث الشيخ أحمد القرطبي بفخر عن تعدد الجنسيات في جماعته بمركز القرطبي الإسلامي غرب المدينة. «هناك أشخاص من جنسيات مختلفة، ربما من عشر إلى خمس عشرة دولة، ونجد تنوعاً كبيراً في هذا المركز»، قال بعد أداء صلاة التراويح ليلة أولى رمضان.
لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن أصول المسلمين في كولومبيا، لكن القرطبي لاحظ زيادة في عدد المرتدين إلى الإسلام. يقدّر أن نحو مئة إلى مئتيْن مصلٍّ في جماعته هم من الجدد على الدين. وبالنظر إلى الخلفيات المتباينة للمصلين، فإن بناء شعور بالتماسك والهوية المشتركة يمثل تحدياً. «أكبر تحدٍ في كولومبيا هو الحفاظ على مجتمع مستقر له أثر في المجتمع وهوية مشتركة»، يشرح. «في مجتمع كثيرون فيه تحولوا للإسلام لأسباب وظروف مختلفة، يصبح تحقيق ذلك أكثر تعقيداً».
علماً بأن تنوّع الجماعة أدّى أيضاً إلى احتفالات تتبنى أطياف الهوية الإسلامية الكولومبية؛ ففي كل ليلة من رمضان تتطوّع عائلة مختلفة لإعداد الإفطار الجماعي. «خيارات الطعام تختلف باختلاف ثقافة وخلفية كل عائلة»، يوضح القرطبي. «قد أقدّم أنا طعاماً مغربياً، وآخر يقدم باكستانياً، وآخرون يقدّمون أطباقاً كولومبية».
يرى القيمون على هذه الفعاليات أنها تتيح فرصة للمسلمين في كولومبيا لاحتضان اختلافاتهم وبناء تفاهم جماعي. «المعرفة هي ما يسمح للمجتمع أن ينمو ويزدهر… وأن يتاح له أن يرسّخ جذوره هنا في كولومبيا»، يختم القرطبي كلامه. المصدر [تصوير: أرجون هاريندرانات/الجزيرة]