مع تزايد احتمال شن الولايات المتحدة هجوماً على إيران، يتجه السياسيون الإسرائيليون بالفعل نحو خصم إقليمي آخر: تركيا.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت — الذي يتوقع أن يخوض الانتخابات هذا العام ويحقق أداءً جيداً — أن تركيا تمثل «تهديداً لإسرائيل». وفي مؤتمر عقد الأسبوع الماضي قال بينيت إنه لا يجوز لإسرائيل «أن تغض الطرف» عن أنقرة، متهماً إياها بأنها جزء من «محور إقليمي يشبه المحور الإيراني».
«تهديد تركي جديد يظهر على الساحة»، قال بينيت. «علينا أن نتصرف بطرق مختلفة، ولكن في الوقت نفسه ضد تهديد طهران وضد عدائية أنقرة».
تكرر مثل هذا الخطاب على ألسنة سياسيين إسرائيليين آخرين في الشهور الماضية، في ظل نقد تركي قوي لإجراءات إسرائيل تجاه الفلسطينيين ولجريمتها الجماعية في غزة، واقترابها من قوى إقليمية مثل السعودية ومصر.
يحمل هذا النبرة دلالة واضحة: بينما يظل النظام الإيراني في السلطة بطهران، تبدو إسرائيل وهي تبحث عن خصم إقليمي جديد محاط بشبكة من الدول المتفقة على رؤيته.
وعند الإعلان عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نيته بناء «سداسي» جديد من التحالفات يهدف إلى تحييد ما وصفه بـ«المحور السني الراديكالي الناشئ» وتعزيز نفوذ إسرائيل في المنطقة. وذكَر أن دولاً مثل اليونان وقبرص، التي كانت تاريخياً على خصومة مع تركيا، قد تدخل في هذا التحالف.
وأوضح ألون بينكاس، السفير الإسرائيلي السابق، أن توقيت حملة المعارضة الظاهرة لتركيا قد لا يبدو غريباً حتى لو جرت بالتوازي مع الدفع نحو الحرب مع إيران. وقال لـــ«الجزيرة»: «السياسيون مثل نفتالي بينيت وبنيامين نتنياهو يعتمدون على تهديد دائم بالحرب. لو لم تكن تركيا لكانت العراق، ولو لم يكن العراق لكانت حزب الله، ولو لم يكن حزب الله لكانت جماعة الإخوان. لا يهم من هو، المهم أن هناك تهديداً دائماً».
تراجع في العلاقات
تعيش اسرائيل منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 حالة احتكاك حادّ بالحرب. ومنذ ذلك الحين نفّذت اسرائيل ما وصفه كثيرون بالإبادة الجماعية في غزة، وغزت لبنان، وقصفت اليمن، واحتلت أجزاءً من سوريا، وشنت حرباً ضد القوة الإقليمية إيران، ومؤخراً تحدّت الرأي العام والقانون الدولي بتقاربها من سياسة ضم أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة.
في هذا السياق، يرى محلّلون أن الحديث عن تهديدات إضافية — مثل تهديد تركيا — وتحالفات جديدة يولد من قالب واحد. فرئيس الوزراء نتنياهو ونفـتالي بينيت، رغم خصومتهما السياسية، ينتميان إلى اليمين الإسرائيلي المعارض لفكرة دولة فلسطينية، ويتشاركان إيماناً بتعزيز الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية.
قال المحلل السياسي أوري غولدبرغ: «هذا هو جوهر برنامج نفتالي بينيت منذ دائم». وأضاف: «الليبراليون ظلوا يضعون آمالهم عليه لمجرد أنه كان معارضاً لنتنياهو — لكنهم يفوتون النقطة. هو لا يخفي الآن موقفه من الفلسطينيين. يحاول فقط أن يتقدم على نتنياهو من اليمين».
التركيز على تركيا كتهديد أمر معقد: للعلاقات بين البلدين تاريخ طويل يمتد لعقود، وتركيا عضو في حلف الناتو، وهو وضع يجعل من إعلانها خصماً إقليمياً خطوة معقدة، لكنه بالنسبة ليمين إسرائيلي يسعى لصنع «عدو جديد» أمر قابل للفهم.
بينما ارتبطت إسرائيل وإيران بعلاقات عدائية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، كانت علاقات إسرائيل وتركيا أكثر عملية؛ وكانت الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين غالباً ما تُحلّ عبر مفاوضات خلافية بدل أن تتحول إلى خطابات عدائية مفتوحة.
غير أن رجب طيب أردوغان، منذ وصوله إلى السلطة في أوائل العقد الأول من الألفية، ازداد انتقاداً لإسرائيل. وكان هجوم إسرائيل على أسطول الحرية المتجه إلى غزة عام 2010، الذي أسفر عن مقتل عشرة ناشطين أتراك، لحظة محورية أدت إلى تدهور العلاقات مع خطاب سياسي متصاعد وخفض التمثيل الدبلوماسي.
عمليات إسرائيل العسكرية اللاحقة في غزة وسوريا غذّت الغضب الشعبي والرسمـي في تركيا، وجعلت أنقرة تتبنى موقفاً تصادُمياً متزايداً تجاه ما تسميه إبادة إسرائيل وطموحاتها الترابية، حتى أصبح اقتراح إشراك تركيا في قوة أمنية مؤقتة لغزة أمراً سياسياً ساماً في إسرائيل.
ومع ذلك، قال محلّلون إن المقارنة بين أنقرا وطهران تقترب من حدود السخافة. «عملت إسرائيل جنباً إلى جنب مع تركيا مرات عديدة»، قال بينكاس. «لم يمض وقت طويل على أن صنّاع القرار في إسرائيل تحدثوا عن الشرق الأوسط الذي تشرف عليه قوتان عُظمتان: إسرائيل وتركيا، في مواجهة إيران. والآن يحاولون استبدال إيران بتركيا؟ عن أي صراع مسلح يتحدثون؟ تركيا قوة في حلف الناتو».
وأشار بينكاس إلى فروق إضافية: «هل أنكر القادة في تركيا يوماً حق إسرائيل في الوجود، أو هددوا بمحوها من الوجود؟» أجاب: «كلا. هذا أمر سخيف».
التحالفات السداسية
بينما يبقى التحالف مع الولايات المتحدة الحماية الأكبر لإسرائيل، سعت تل أبيب أيضاً إلى توسيع شبكتها. وشرح نتنياهو أن في طليعة هذا المسعى دعم مودي الهندي وما وصفه بـ«سداسية» من الدول الحليفة، تشمل الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية لم يسمّها.
قال نتنياهو: «النية هنا هي خلق محور دول تتفق حول الواقع والتحديات والأهداف ضد المحاور الراديكالية، سواء المحور الشيعي الراديكالي الذي ضربناه بقوة، أو المحور السني الراديكالي الناشئ»، من دون أن يحدد الدول «الراديكالية» التي كان يشير إليها.
وشدّد أن هذا السداسي المقترح لا يقصد به أن يحلّ محل اعتماد إسرائيل التقليدي على الولايات المتحدة، بل أن يكمله. إلا أن بعض المراقبين يرون — في ظل ما أصبح عليه دعم إسرائيل من سمية سياسية داخل الولايات المتحدة — أن تل أبيب تحتاج الآن إلى تنويع خياراتها.
وصف المحلل السياسي غولدبرغ تحركات نتنياهو بأنها «يائسة». وقال: «كل هذا لأننا استنزفنا تحالفاتنا السابقة مع روسيا والآن مع الولايات المتحدة، لذا ندّعي أن الهند ستقود هذا السداسي من «الدول المعتدلة».» «حتى الإسرائيليين أنفسهم، بل حتى الأكثر تضليلاً منهم، لم يعودوا يعتقدون أن إسرائيل قد تظل دولة معتدلة.»
وأضاف يوسي ميكلبرغ، الخبير في تشانام هاوس، أن الحديث عن التهديد التركي والتحالفات السداسية كان دليلاً على أن إسرائيل ليست ذات مركزية في صنع القرار بشأن أي هجوم أمريكي محتمل على إيران.
«كل ذلك مجرد إلهاء؛ لا وجود لأي صدق، والأمر يزداد سوءًا يوماً بعد يوم. القضية الكبرى هي إيران؛ هذا ما يهمهم. توركيا ليست سوى ضجيج.» قال ميكلبرغ، متحدثاً عن تأطير نتنياهو للأحداث.
وحذر ميكلبرغ من أنه رغم أن القصد قد يكون تشتيت الانتباه بتضخيم التهديد التركي، فإن ذلك لا يخلو من مخاطر.
«معظم القادة — وعلى الأقل الماكرون منهم — قادرون على فصل الخطاب عن الواقع، فلا فرصة حقيقية لانسكاب أحدهما في الآخر. الخطر يكمن في أنه كلما صعدت إسرائيل لهجتها ضد تركيا، ازداد احتمال أن تتحول إلى خصم حقيقي.»