كييف — لم يتوقع هينادي كوليسنيك أن تستمر الحرب الروسية الشاملة كل هذه المدة.
«هذه أسوأ وأطول سنوات حياتي»، قال المتقاعد الذي عمل في اللحام قبل أن يبلغ الحادية والسبعين من العمر، لأل جازيرا بعد مرور أربع سنوات على العدوان الذي بدأ في 24 شباط/فبراير 2022.
في الأيام الأولى للصراع كان هو وكثيرون من الأوكرانيين يخشون فقدان كييف، وأيضاً فقدان الثلث الواقع على الضفة اليسرى لنهر دنيبرو — مساحة تعادل تقريباً فرنسا. عشرات الآلاف من الجنود الروس، بما في ذلك وحدات مظلية نخبوية وفرقيّات المشاة الآليّة، تمركزت شمال إقليم كييف، فيما تباهى أنصار الكرملين بأن العاصمة ستسقط «في غضون ثلاثة أيام».
بعد أشهر، تعبّر حالة النشوة التي انتابت السكان حين انسحبت القوات الروسية من محيط كييف وطُردت من شمال أوكرانيا عن شعور متناقض بالارتياح، كما قال كوليسنيك — رجلٌ شاحب الشعر، نحيل الوجه، يمسك بعكازه — بعدما استعادوا أجزاءً من الأراضي.
يتعافى الآن من التهاب رئوي كان يخشى ألا ينجو منه وسط انقطاعات طويلة في التيار الكهربائي وتعطّل التدفئة المركزية نتيجة ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ روسية خلال موجة برد قاسية نزلت فيها الحرارة إلى نحو -23 درجة مئوية. «لكننا ما زلنا صامدين، وهذا أهم شيء في المعركة»، قال وهو يبتسم، علماً بأنه كان يمارس بعض ملاكمة في شبابه. واتفقت زوجته مارينا، البالغة من العمر سبعين عاماً: «لم يكن أحد يتوقّع أن نطول بهذا الشكل، ومع ذلك ما زلنا هنا».
لا تزال بعض الأعمال المدنية مستمرة رغم الأعطال المتكررة؛ مديرة صالون تجميل تقول إن النشاط يستمر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى بعد ضربات روسية أحدثت أضراراً بالبنية التحتية في إيربين بإقليم كييف.
على صعيدٍ ميداني أوسع، فشل الهجوم المضاد الأوكراني في 2023 في قطع «الجسر البري» الذي يربط روسيا الغربية بالقِرم المضمومة، وما زالت القوات الروسية تتقدّم بخطوات بطيئة. لكن وتيرة التقدّم بطيئة ومكلّفة: العام الماضي استولت القوات الروسية على أقل من 5 آلاف كيلومتر مربع — ما يعادل نحو 0.8% من مساحة أوكرانيا، بحسب مسؤولين أوكرانيين ومحللين غربيين. وبشكل إجمالي تسيطر روسيا الآن على نحو 19% من أراضي أوكرانيا.
«تجمّد خطّ الجبهة كما في الحرب العالمية الأولى»، يقول نيكولاي ميتروخين من جامعة بريمن بألمانيا. «حتى الآن لا تملك روسيا قوات كافية أو تقنيات جديدة لشنّ هجوم حاسم وناجح، لكنها قادرة على تبديد آلاف الأرواح».
في الأسابيع الأخيرة واجهت القوات الروسية مشكلة مزدوجة في الاتصالات قلبت ميزان القوى مؤقتاً: شركة سبيس إكس أوقفت تشغيل محطات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية المسروقة من نوع ستارلينك التي كان يستخدمها جنود روس، في حين أدّت جهود موسكو لحظر تطبيق تلغرام إلى مزيد من التشويش على التنسيق. فتحت القوات الأوكرانية هجوماً معاكساً واستعادت نحو 200 كيلومتر مربع في منطقتي زابوريجيا ودنيبروبتروفسك.
ومع ذلك، تصعد الضغوط في جبهات أخرى. بدأت طائرات روسية مسيّرة مزوّدة بألياف بصرية مقاومة للتشويش تصل إلى بلدة محصّنة في جنوب شرق دونيتسك. «الأمر أصبح أكثر ضوضاءً؛ هناك المزيد من الانقطاعات، وبعض السكان محاصَرون بالهلع»، قال سفياتوسلاف، عسكري متمركز في كراماتورسك، لأل جازيرا، مكتفياً بذكر اسمه الأول وفق بروتوكولات زمن الحرب.
تصرّ موسكو على أن تُسلّم كييف كراماتورسك وباقي أجزاء دونيتسك — نحو ألف كيلومتر مربع —، وما قد يغيّر موقف أوكرانيا ضربة روسية جديدة تستهدف البنية التحتية الطاقه.
«أوكرانيا تحافظ جيداً على خطّ المواجهة، لكن قابلية عمل نظامها الطاقي معلّقة بخيط رفيع، وهذا قد يؤثر كثيراً»، يقول ميتروخين.
يعتقد 88% من الأوكرانيين أن الضربات الروسية تهدف إلى «إرغامهم على الاستسلام»، وفق مسح أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع أواخر يناير. ومع ذلك، قال ثلثا المشاركين إن القوات المسلحة يجب أن تقاتل «طالما تطلّب الأمر».
«الناس بكثافة أكثر استعداداً للاستمرار في المقاومة منه للانحناء والاستسلام»، تقول سفيتلانا تشونيخينا، نائبة رئيس جمعية علماء النفس السياسي في كييف. ورغم ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق والضغط المستمر بين السكان، لا تسجّل قفزات مفاجئة في هذه الحالات، «الناس يتكيّفون مع الواقع.»