من كان يظنّ أنه في هذا العالم الجديد الشجاع، حيث يبدأ كثير من التصميمات بمطالب نصّية للذكاء الاصطناعي، وبرامج رقمية ونماذج بكسلية متقنة، ستثور حركة هادئة؟ ليست على الشاشات بل على الورق، يقودها قلم رصاص ودفاتر الرسم.
منذ أن انضممت إلى شركة Interstate Creative Partners قبل خمس سنوات، عمدنا عمداً إلى إبطاء بداية المشاريع. بدلاً من القفز فوراً إلى الأدوات الرقمية، عدنا إلى التفكير المرسوم باليد — رسم خشن، كتابة، تخطيط للأفكار، وترك المفاهيم تتنفس قبل أن يشكلها البرنامج.
تجلّت قيمة هذه الممارسة بوضوح في مشروعنا مع دار الآثار الملكية (The Royal Mint) لتصميم عملة تذكارية فئة 50 بنس احتفاءً بمرور مئة عام على جائزة بريطانيا الكبرى. لم يكن مشروع هوية مرنة أو تعبيرية فحسب؛ العملة من أكثر الأغراض التصميمية تقيداً من ناحية المواصفات التقنية، فكل خطّ، كل نسيج، وكل نسبة مرقمة بدقّة صارمة. ومع ذلك، بدأت كل مرحلة الفكرة وليس بالنماذج الحاسوبية أو التخطيطات الرقمية بل برسومات مبدئية ولوحات سردية.
السرعة والحدس والأفكار بلا مرشّحات
بالنسبة لي، لم يكن الرسم التخطيطي مطمحاً إلى الكمال الفني. أعترف بصراحة أنني لست رساماً بارعاً — وهذا بالذات ما يجعل التقنية فعّالة.
ما يقدمه الرسم الخشن هو الفورية. وضع أشكال تقريبة وكلمات مفتاحية أسرع بكثير من فتح برنامج والبحث عن الأدوات المناسبة. والأهم من ذلك أنه يلتقط الأحاسيس الأولية قبل أن تُصفّى عبر قوالب أو قيود تقنية.
الرسم وسيلة لإخراج الأفكار من الرأس إلى الورق وهي لا تزال حدسية ونابضة بالحياة، دون حاجة للتلميع. الرسومات المبكرة تفتح مجالاً للتجريب وحتى للحظات الصدفة السعيدة التي كثيراً ما تتلاشى عندما يقفز المصممون مباشرة إلى مرئيات مكتملة. حين يبدو شيء «مكتملًا» مبكراً، يصبح ثميناً للغاية فيَتردّد الناس في تغييره، فتتقلّص مساحة الاستكشاف.
على الورق، كل شيء مؤقت، وتلك الحرية تفتح تفكيراً أفضل لأن الضغط على إنهاء الفكرة أقل. تصبح أكثر ارتياحاً وفضولاً وانفتاحاً على اتجاهات غير متوقعة.
ترك الأفكار لتنمو قبل قفلها
في مشروع دار الآثار الملكية، امتلأت دفاترنا بسرعة. استكشفنا سيارات سباق تراثية جنباً إلى جنب مع مركبات فورمولا واحد الحديثة، وغيّرنا الزوايا، وطبّقنا طبقات من النَّسج البصري، وصاغنا جداول زمنية بصرية تُظهر كيف تطوّر الهندسة على مدى قرن.
بعض الأفكار كانت فوضوية، وبعضها بالكاد كان منطقيّاً عند النظر الأول. ومع ذلك كوّنت معاً منظومة إبداعية بدأت فيها الروابط تظهر بشكل طبيعي.
عندما راجعنا لاحقاً الرحلة من الرسم الأولي إلى العملة النهائية، لاحظنا أن بعض المفاهيم «الأضعف» في البداية أصبحت أقوى بعد الصقل. التصاميم التي بدت محرجة أو غير مكتملة أضاءت أخيراً بعد تطويرها وتشذيبها.
كانت تذكرة مهمة لنا أن الأفكار الجيدة لا تأتي مكتملة؛ تحتاج إلى وقت وصبر لتبلور إمكاناتها. لو أطلقنا أنفسنا فوراً على الحواسيب وشغلنا أحدث البرامج، لربما لم تبقَ تلك الأفكار حية بما يكفي لتتطوّر.
خطر التفكير المصقول
مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي والمخرجات البصرية الفورية في سير العمل اليومي، أقلق بشأن ما يُفقد، خصوصاً عفوية التفكير.
هناك رغبة متزايدة في القفز مباشرة إلى النتائج ورؤية النتيجة النهائية على الفور، بدلاً من استكشاف الوسط الفوضوي. المشكلة أن تخطي هذه المرحلة الخشنة غالباً ما يولّد فكرة مصقولة واحدة بدلاً من خمسة أفكار في طور النمو، ما يحد من فرص الابتكار الحقيقي.
حتى المخططات الرقمية الخشنة تشجّع في كثير من الأحيان على الصقل المبكر؛ تبدأ بالقلق حول المحاذاة، والألوان، والخطوط والتشطيب قبل أن تختبر الجدوى الفعلية للفكرة. يحافظ الرسم اليدوي على التركيز حيث يجب أن يكون: على التفكير. سواء كنا نطور أنظمة علامة تجارية أو نعدّ عروضًا لمؤسسات مثل الدوري الإنجليزي الممتاز، فإن البدء بتدفقات مرسومة يدوياً ولوحات سردية يؤدي باستمرار إلى سرديات أوضح من التصميم المباشر على الشاشة. يمنحك رؤية شمولية قبل أن تضيع في التفاصيل.
القصور الإنساني كقوة إبداعية
بعيداً عن السرعة وتوليد الأفكار، يعيد الرسم اليدوي القصور الإنساني إلى التصميم الحديث — شيئاً تبدو الصناعة أنها تبتعد عنه تدريجياً.
المرئيات الخشنة بلا شك تدعو إلى الحوار. تبقي العميل منفتحاً على التفسير بدلاً من حبس الملاحظات في تعديلات سطحية مثل اختيار اللون أو نوع الخط. حين يبدو شيء ما غير مكتمل، ألاحظ أن الناس يتعاملون مع الفكرة نفسها بدلاً من التنفيذ.
تسمح الرسومات أيضاً بحدوث حوادث عرضية يؤدي بعضها إلى نتائج أفضل مما كنت لتخطط له. في المقابل، كثيراً ما تبدو المخرجات المولّدة بالذكاء الاصطناعي والنماذج فائقة الصقل مصقولةً مبكراً جداً وتغلق الحوار قبل أن يبدأ فعلاً.
لماذا الإبطاء يسرّع المشروع في النهاية
قد يبدو أمراً متناقضاً، وخصوصاً في بيئات الوكالات حيث الطاقة عالية، لكن الإبطاء في البداية يسرّع الأمور لاحقاً. حتى ساعة أو ساعتين من الرسم توضح أفكارنا، تساعدنا على اكتشاف مفاهيم أفضل وتمنع مراجعات لا نهائية في مراحل لاحقة. عندما تُستكشف الأفكار بالشكل الصحيح في وقت مبكر، تصبح مراحل التنفيذ أكثر تركيزاً وكفاءة.
أؤمن حقاً أن التفكير بالقلم الرصاص يعمل كإعادة ضبط إبداعي؛ يعيد ربط المصممين بحدسهم ويُعطي الأولوية للأفكار على حساب الجماليّات — وهو ما يفتح المجال لبتكارٍ أعمق ومستدام.