في وقت سابق اليوم شنّت الولايات المتحدة و”اسرائيل” هجوماً على إيران، مستهدفتين مواقع في أنحاء البلاد. في خطابَيْهما المتلفزين أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن الهدف يتجاوز مجرد ضغط عسكري لتأمين صفقة: الهدف هو تغيير النظام.
تؤكد الهجمة ورد الفعل الإيراني السريع هشاشة المسار الدبلوماسي. اندلاع الحرب تلا إعلان الوسطاء عن «اختراق» مهم في المفاوضات وكان مقرّراً استئناف المحادثات الأسبوع المقبل. بوضوح، لم تكن الدبلوماسية في الأصل مَنْصة للنجاح بل ستاراً لخُطط الحرب.
من توقيت الضربة يتبيّن أن واشنطن وتل أبيب اتخذتا قرارهما منذ أسابيع. أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية جرى تنسيقها مع واشنطن لتسبق عيد البرعم (بوريم)، الذي يخلّد قصة نجاة اليهود من مجزرة مزمعة في بلاد فارس القديمة.
رغم سعي ترامب ونتنياهو إلى إعلان «نصر»، يبقى محلّ شكّ ما إذا كان بمقدورهما تحقيق هذا الهدف فعلاً.
استهداف القيادة الإيرانية
أعلنت الولايات المتحدة و“إسرائيل” أنهما ركّزتا على استهداف القيادات المدنية والعسكرية والمنشآت العسكرية، ربما على أمل حسم الحرب سريعاً. زعمت تل أبيب أنها حققت «نجاحاً كبيراً» في تصفية قيادات إيرانية، واستُهدفت إلى جانب آخرين مؤسسات عليا، منها مقرّ آية الله علي خامنئي وصور ضربة رئيسية على مجمّعه الآمن تناقلتها وسائل الإعلام. تداولت التقارير الإسرائيلية أيضاً أنباء عن مقتل جنرالات من الحرس الثوري ومستشارين رفيعي المستوى ووزير دفاع إيراني.
ومع ذلك، لم تؤكد طهران حتى الآن مقتل أي قائد بارز؛ بل أكدت بعض الوسائل الإيرانية أن خامنئي ورئيس الجمهورية بأمن وسلام، فيما تحدثت عن غارة جوية على مدرسة للبنات في مدينة ميناب أسفرت عن سقوط عشرات القتلى — لا سيما إحصاءات أولية تُشير إلى نحو ثمانين قتيلاً.
على عكس حرب الاثني عشر يوماً في حزيران الماضي، حين كان الرد الإيراني بطيئاً وموزوناً، فقد ردّت القوات الإيرانية هذه المرة بسرعة، بإطلاق صواريخ باليستية استهدفت قواعد أميركية في العراق، وقطر، والبحرين، والإمارات، والسعودية، إضافة إلى مدن إسرائيلية كحيفا وتل أبيب وإيلات. سرعة الرد تدلّ على أن طهران كانت قد توقعت الضربات وأعدّت خطط انتقامية جاهزة. السؤال الآن: هل ستستطيع إيران أن تصمد أكثر من عزم الولايات المتحدة، الذي يواجه ضغوطاً داخلية ودولية؟
مخاطر داخلية
أطلق ترامب الحرب في ظلّ حماسة محدودة لدى الرأي العام الأميركي لخوض صراع خارجي جديد. تُظهر استطلاعات حديثة (يوغوف وذا إيكونوميست) أن 27% فقط من الجمهور الأميركي يؤيّد استخدام القوة العسكرية ضد إيران، واستطلاع آخر لجامعة ميريلاند سجّل نسبة أقل بلغت 21%.
للحرب انعكاسات سياسية داخلية مهمة على ترامب. مع تطور العملية، إذا لم تُرغم إيران على الاستسلام، سيجد الرئيس الأميركي نفسه محاصَراً بين خيار التصعيد الذي قد يجرّه إلى صراع مطوَّل، وخطر الظهور بمظهر الضعيف إذا تراجع. مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، ستصبح الحرب اختباراً لشرعية رئاسته؛ أي إخفاق قد ينعكس سلباً على الحزب الجمهوري في استطلاعات الرأي، وفقدان السيطرة على الكونغرس سَيُعطِّل أجندته السياسية ويزيد من ضغوط المساءلة والإقالة.
ما هو «النصر»؟
لا يتوقّع المحلّلون أن تكون هذه الحرب قصيرة. وعلى خلاف حرب الاثني عشر يوماً التي أدّت إلى هدنة، يبدو هذا الصراع أوسع وأكثر عمقاً. استعداد إيران للردّ عبر المنطقة يوحِي بأنها ماضية في حرب طويلة بدلاً من القبول بتسوية سريعة.
أول مشكلة تواجه واشنطن وتل أبيب هي كيفية المحافظة على الضغط على طهران من دون إثارة حالة عدم استقرار لا يمكن احتواؤها إقليمياً. والمشكلة الأخرى أن تغيير النظام صُبّغ على أنه الهدف النهائي، وهو هدف صعب التحقيق بالقصف وحده.
في خطابه المعلن عن الضربة بدا الرئيس الأميركي مُصرّاً على حملة جوية دون نشر قوات برية، وناشد الشعب الإيراني أن يتولى هو مهمة إسقاط نظامه قائلاً إن «ساعة حريتكم باتت قريبة» وداعياً إلى التمرد. يأتي هذا النداء بعد شهرين من موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة داخل إيران قوبلت بحملة قمعية دموية أودت بآلاف القتلى. في ظلّ إرث القمع هذا تبدو موجة مماثلة من الاحتجاجات الكبرى في المدى القريب أمراً غير مرجّح، والمجتمع الإيراني يظهر قدراً عالياً من الصمود.
من المحتمل أن تستمرّ محاولات «قطع رؤوس» القيادات بواسطة ضربات دقيقة من الولايات المتحدة و“اسرائيل”، لكن حتى لو نجحت هذه الضربات فلن تؤدي بالضرورة إلى تغيير نظامي سريع.
قد ينتهي الأمر بنصائح قادة الميدان لترامب بأن استمرار الصراع غير مستدام، مستوحاة من دروس حرب الاثني عشر يوماً. أما بالنسبة لترامب، فحرب لا تُحسَم قد تَرغِمه على تبنّي مخرج مألوف: إعلان «نصر» على منصته وشيطنة الرواية العامة لإعادة توجيه الانتباه.
التحدّي التالي سيكون التفاوض على هدنة. بعد أن خدعتها ستار المفاوضات مرتين، قد تستغل طهران هذا الخداع لتشديد موقفها. وإذا نجى النظام، فبإمكانه استثمار يأس الولايات المتحدة من أجل استئناف المفاوضات وانتزاع تنازلات. بهذا المعنى، قد يمهّد انهيار الدبلوماسية اليوم الطريق لطهران للتفاوض غداً من موقع قوة.
هذه الآراء تمثّل وجهة نظر كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.