الهدنة بين إسرائيل وحزب الله مصممة للفشل — حزب الله

استئناف الأعمال القتالية بين إسرائيل وحزب الله لم يفاجئ من راقب الوضع عن كثب؛ السؤال لم يكن ما إذا كانت المواجهة ستعود، بل متى ستفعل ذلك. الترتيبات التي تلت وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 بين لبنان وإسرائيل كانت مفهومة على نطاق واسع بأنها مؤقتة وهشة بنيوياً، ولم تمس الديناميات الأساسية للصراع بدرجة تذكر.

اتفاق وقف النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا، نص رسمياً على إنهاء الأعمال العدائية المباشرة بين إسرائيل وحزب الله، لكنه عمليا لم يوقف المواجهات. ظلت القوات الإسرائيلية متواجدة على أراضٍ لبنانية واستمرّت الضربات العسكرية على لبنان شبه يومية. تضمن الاتفاق فصلاً غامضاً سمح للجيش الإسرائيلي بالقيام بعمليات كلما اعتبر أن هناك تهديداً لأمنه، ما أحدث خللاً أساسياً في ميزان التطبيق.

آلية المراقبة، التي ترأستها الولايات المتحدة بمشاركة فرنسا وحضور الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، كانت مكلفة بالإشراف على الاتفاق لكنها افتقرت إلى سلطة التحقق المستقلة من صحة التهديدات التي تزعمها إسرائيل أو من تحديد ما إذا كانت المواقع المستهدفة تابعة لحزب الله بالفعل. والأهم من ذلك، أن الآلية لم تضبط آلية واضحة للتحقق من الانتهاكات أو للفصل فيها، فبقيت المساءلة ضبابية منذ البداية.

الجهة الدولية الوحيدة التي وثقت الانتهاكات بشكل منهجي كانت يونيفيل، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1701. وتسجل سجلات يونيفيل أنه بين 27 نوفمبر 2024 ونهاية فبراير 2026 تم تسجيل أكثر من 10 آلاف انتهاك إسرائيلي للمجال الجوي اللبناني وما يزيد على 1400 نشاط عسكري داخل الأراضي اللبنانية، أدت هذه الحوادث إلى حوالى 400 حالة وفاة وأكثر من 1100 جريح في لبنان.

انهارت آلية المراقبة نفسها مع استئناف المواجهات بين حزب الله وإسرائيل بعد انطلاق الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. في آخر اجتماعاتها، وربما الأخير، في نهاية فبراير غاب ممثلو الجانب الإسرائيلي، ما وضع حداً للإطار الذي كان من المفترض أن يشرف على ترتيبات وقف النار.

يقرأ  نزوح الفلسطينيين من مدينة غزة بعد إعلان إسرائيل بدء المرحلة الأولى من الهجوم

لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية قرب قرى اللبونة، مروحين، عيترون، الحولة وسرادة، بالإضافة إلى إنشاء منطقتي عزل. وكان من المتوقع وفق اتفاق نوفمبر 2024 أن تنسحب القوات الإسرائيلية من هذه المواقع لتمكين انتشار الجيش اللبناني، لكن هذا التحوّل لم يتحقق. عملت يونيفيل مع الجيش اللبناني على تسهيل إعادة تمركزه في الجنوب، ونُقلت عدة مواقع إلى سيطرة الدولة، غير أن الضربات والوجود العسكري الإسرائيلي المستمر منع الجيش من استعادة نفوذه بالكامل وإعادة مؤسسات الدولة الشرعية في المنطقة.

التصعيد المتجدد الذي اندلع في 2 مارس 2026 يبدو أكثر لا تماثلاً وعنفاً وغموضاً من المواجهة السابقة، ويرجع ذلك جزئياً إلى غياب وساطة دبلوماسية نشطة قادرة على احتواء التصعيد. بخلاف مراحل سابقة حين حاولت الدبلوماسية الدولية، وإن بشكل محدود، إبعاد شبح الحرب الشاملة، فقد جرت هذه الجولة الجديدة في فراغ دبلوماسي نسبي.

منذ بداية المواجهة الأوسع في 2023، أصرّ القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون مراراً على نيتهم إنشاء مناطق عازلة شمال الخط الأزرق خالية إلى حد كبير من السكان المدنيين. نمط الهجمات المسجل منذ أواخر 2024 يشير إلى سعي مستمر لفرض واقع مماثل على الأرض. حجم الدمار في جنوب لبنان يؤيد هذا التفسير، إذ تعرضت قرى كثيرة قرب الخط الأزرق لأضرار واسعة وبعض المجتمعات قُدّرت أنها تكاد تُدمّر كلياً. اللافت أن جزءاً كبيراً من هذا الدمار وقع بعد وقف النار في 27 نوفمبر، في وقت كانت أعداد كبيرة من السكان قد نزحت وتوقفت هجمات حزب الله تجاه إسرائيل.

محاولات إعادة المؤسسات المحلية والخدمات في القرى المتضررة واجهت انتكاسات فورية؛ فعندما سعت السلطات المحلية لإعادة وجود إداري باستخدام منشآت مؤقتة كالمباني المسبق تصنيعها أو الحاويات، تعرّضت هذه المنشآت لهجمات متكررة، مما حال دون عودة الحياة المدنية وإعادة بناء المؤسسات المحلية.

يقرأ  البنتاغون: الصين لم تعد أولوية أمنية قصوى

تشير تقارير حديثة إلى وجود قوات إسرائيلية في قرى جنوبية إضافية منها رامية، يارون، الحولة، كفر كلّا، خيام، كفرشوبا، عيترون ومرجعا. إن تأكدت هذه الأنباء فستمثّل توسيعاً إضافياً للحضور العملياتي الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، من دون جدول زمني واضح للانسحاب.

تضع هذه التطورات ضغوطاً جسيمة على أحكام القانون الدولي، لاسيما مبدأي السيادة وحماية المدنيين. ومع ذلك، كان رد المجتمع الدولي مخيّباً للآمال ومحدود الأثر. فشلت المبادرات الدبلوماسية القادرة على الوساطة في الظهور حتى الآن.

فاقمت الأمور قرار مثير للجدل اعتمده مجلس الأمن في 31 أغسطس 2025، دُفِع به بشكل كبير من قبل الإدارة الأميركية خلال مناقشات تجديد ولاية البعثة السنوية. منح القرار قوة حفظ السلام تجديدها الأخير، وطلب إنهاء عملياتها بنهاية 2026 وإغلاقها النهائي بحلول 2027. إذا ظل هذا القرار سارياً، فقد تجد جنوب لبنان نفسها قريباً بلا أي حضور دولي قادر على رصد الأحداث ودعم المدنيين ومساعدة الجيش اللبناني على إعادة انتشار قوّاته.

تداعيات مثل هذا الغياب ستكون عميقة، ومخاطر سوء الحساب والتصعيد الخارجي عن السيطرة سترتفع بشكل ملحوظ.

الادعاءات باستخدام الفوسفور الأبيض على طول الخط الأزرق، إلى جانب رش مبيدات كيميائية متكررة يقال إنها لمنع الفلاحين من إعادة زراعة محاصيلهم، توحي بجهد متعمد لإبقاء المنطقة خالية من السكان والبنية المدنية. هذه الممارسات تعزز تهجير سكان المنطقة وتزيد من تدهور الاقتصاد الزراعي المتضرّر أصلاً في جنوب لبنان، مع عواقب اجتماعية-اقتصادية محتملة بعيدة المدى.

على صعيد جغرافي، تميّزت هذه الأعمال العدائية باتساع أكبر مقارنة بصراع 2023–2024؛ فالضربات الجوية والهجمات طالت نطاقات أوسع داخل لبنان، شملت مناطق كانت تُعتبر نسبياً آمنة سابقاً. هذا الاتساع زاد من قلق العامة وقد يزعزع التوازن السياسي الهش في البلاد.

يقرأ  إسرائيل تهدّم أبراجاً أخرى في غزةوالغارات تودي بحياة 53 شخصاًفيما يرتفع عدد ضحايا المجاعةأخبار جامعة الدول العربية

الوضع الداخلي اللبناني يبقى شديد الهشاشة. الضغط العسكري المتواصل يهدد بتغيير التحالفات السياسية، إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض قوات الأمن اللبنانية. بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، يستحضر نمط الهجمات ذكريات فترات الاحتقان الداخلي وعدم الاستقرار، وقد يخدم هذا الواقع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية بإضعاف لبنان من الداخل.

استئناف هجمات حزب الله ضد إسرائيل، والذي رُبط تقاريرياً باغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، قد يعكس أيضاً منطق المواجهة الوجودية الذي يصيغ جزءاً من السرد الأيديولوجي للحركة. لطالما قدم حزب الله نفسه ركيزة في «محور المقاومة»، وتواصل المواجهات يعزّز هذه الهوية لدى قواعده.

في الوقت نفسه، يواجه الحزب تحديات سياسية داخلية؛ في خضم المشهد السياسي اللبناني المتغير، سعى لإعادة تأكيد مكانته. وفي هذا الإطار، قد تُستَخدم الأنشطة العسكرية المتجددة كوسيلة لإظهار أن خيار المقاومة المسلحة لا يزال مبرراً وضرورياً.

حاول الجيش اللبناني في الأشهر الماضية استعادة مناطق جنوبية بعزيمة ملحوظة رغم افتقاره إلى الموارد، لكن هذه الجهود لم تقابل بالدعم الدولي الذي وُعدت به. المجتمع الدولي الممزق والضعيف، الذي تقيده في كثير من الأحيان الانحيازات الجيوسياسية وهيمنة الأولويات الأميركية والإسرائيلية، عجز عن تقديم دعم مستدام.

دفعت التطورات الأخيرة إسرائيل إلى الاستعداد لاحتمال شن عملية برية في لبنان، وهو نمط طويل في تاريخ التدخلات العسكرية الإسرائيلية في البلاد، بما في ذلك عمليات 1978 و1982 و2006 والأخيرة في 2024. إذا تجسّدت حملة برية، فإن العواقب على لبنان والاستقرار الإقليمي قد تكون جسيمة. المسار الحالي يشير إلى تلاقي خطر بين تصعيد عسكري، هشاشة مؤسساتية وركود دبلوماسي. من دون انخراط دولي متجدد ووساطة ذات مصداقية، يواجه الشريط الحدودي بين إسرائيل ولبنان خطر الانزلاق نحو مرحلة أخرى مطوّلة ومدمّرة من الصراع.

وجهة نظر المقال تعبر عن رأي المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق