التسابق الأميركي الجديد نحو أفريقيا: إمبريالية طبية-بيولوجية

في أواخر فبراير انسحبت زيمبابوي من اتفاق تمويل صحي كان مقترحاً بقيمة 367 مليون دولار، بعد اعتراضها على بنود طلبت من الجانب الأميركي وصولاً واسعاً إلى بيانات صحية حساسة.

وقد قُدِّم هذا البرنامج الخمسي على أنه دعم لمكافحة الإيدز والسل والملاريا وتعزيز الجاهزية للأوبئة. لكن الشروط طالبت بمشاركة مكثفة لمعلومات استخباراتية صحية وطنية، تشمل بيانات المراقبة الوبائية وعينات من مسببات الأمراض، من دون ضمانات ملزمة بأن نصيب زيمبابوي من التقنيات الطبية الناتجة سيكون عادلاً.

وصفت هراري المقترح بـ«التبادل غير المتكافئ»، محذِّرة من أن البلاد قد تزود «المواد الخام للاكتشاف العلمي» بينما تبقى عوائدها مركزة في الولايات المتحدة وشركات الأدوية العالمية. وينمو لدى النقاد وصف هذا النمط بـ«الاستخراج البيوميداني»: مزيج سام من ممارسات بحثية استغلالية وفكر استعماري يعيد إنتاج هيمنة الغرب.

في لوساكا، أبدت السلطات ومنظمات المجتمع المدني قلقها بشأن شراكة صحية أميركية-زامبية مقترحة تزيد قيمتها على مليار دولار لخمس سنوات. المسودة تطلب من زامبيا مساهمة تقارب 340 مليون دولار من التمويل المحلي، مع منح الولايات المتحدة وصولاً واسع النطاق إلى بيانات صحية وطنية وترتيبات مشاركة لعينات الممرضات.

ومن البنود المثيرة للجدل بند يجيز إنهاء الاتفاق إذا لم تُبرم زامبيا اتفاقية ثنائية منفصلة مع واشنطن بشأن معادن مثل النحاس والكوبالت.

وتقدم كينيا دليلاً ثالثاً للتحذير، إذ علّق محكمتها العليا اتفاقية مماثلة بقيمة 2.5 مليار دولار في ديسمبر الماضي بعد طعن قانوني يرى أنها قد تكشف عن بيانات صحية حساسة من دون حفاظات كافية بمقتضى قانون حماية البيانات الكيني.

تشكل الخلافات في هراري ولوساكا ونيروبي نمطاً أوسع، وتتزامن مع تراكم شبكة سريعة التوسع من الاتفاقيات الصحية الثنائية التي تفاوضت عليها واشنطن عبر أفريقيا في إطار «استراتيجية أميركا أولاً للصحة العالمية».

وبحسب رصد مؤسسة كايزر فاميلي فاونديشن البحثية الأميركية المستقلة في السياسات الصحية، وقّعت الولايات المتحدة أكثر من عشرين مذكرة تفاهم مع حكومات أفريقية، مع جداول تنفيذ تمتد من 2026 إلى 2030 والتزامات إجمالية تقترب من 20 مليار دولار.

يقرأ  خيبة مصر في كأس أمم أفريقيا تحفّز سعيها نحو التأهل لكأس العالم — ومواجهة نيجيريا على الميدالية البرونزية تقترب

ومن المتوقع أن تأتي حصة كبيرة من هذه الأموال من حكومات أفريقية نفسها، مما يمكن واشنطن من تسويق النموذج كشراكة في الوقت الذي يعمّق فيه عدم التوازن والضغط المالي والاعتماد. وقد أبرمت ما لا يقل عن 17 دولة أفريقية اتفاقيات مماثلة، كثير منها ذات ميزانيات صحية هشة وقوة تفاوضية محدودة.

تمول هذه الاتفاقيات برامج لمكافحة الإيدز والسل والإيبولا والملاريا، مع تعزيز أنظمة رصد الأمراض والقدرات المختبرية والاستعداد للتفشيات. ومع ذلك، فإنها تحول موازين القوة نحو واشنطن. ففي نيجيريا، مثلاً، رُبط التمويل بالتزام أبوجا «بإعطاء أولوية لحماية السكان المسيحيين من العنف».

من زيمبابوي إلى زامبيا ونيجيريا، يكمن الخلاف المركزي في ما تطلبه الولايات المتحدة مقابل التمويل: البيانات الصحية وعينات الممرضات. في عصر التكنولوجيا الحيوية وجاهزية الأوبئة، تغذي هذه المعلومات الاقتصاد الحيوي العالمي—منصات اللقاحات وبراءات الأدوية واكتشاف الأدوية المعتمد على الذكاء الاصطناعي. أصبحت البيانات البيولوجية استراتيجية القيمة كما النفط والمعادن والمواد النادرة.

قد تتحول نظم الصحة العامة الأفريقية إلى مورد علوي لمعلومات بيولوجية، بينما تبقى المنافع السفلية—الملكية الفكرية، وتصنيع الأدوية، والأرباح التجارية—متمركزة في دول أقدر مالياً وصناعياً.

تتجاوب هذه المخاوف مع تاريخ أطول ربط الطب في أفريقيا بالسلطة الإمبريالية والهرمية العنصرية والهيمنة الأجنبية لأكثر من قرن. في الحقبة الاستعمارية نفّذت الإدارات الأوروبية حملات طبية جمعَت بين مكافحة المرض والمراقبة والقيادة القسرية على السكان الأفارقة.

ومن بين أخشن هذه الحملات كانت برامج مكافحة مرض النوم في إفريقيا الاستوائية الفرنسية بين 1921 و1956، حين جُمعت القرى لفحوصات طبية وإجراءات علاجية قسرية، وتعرّض كثيرون لفحوصات وحقن أُجريت بأدوية تجريبية أظهرت لاحقاً آثاراً جانبية شديدة، بما في ذلك العمى والوفاة في حالات.

ويغذّي شكّنا أيضاً فضائح أخلاقية طبية حديثة تتعلّق بشركات أدوية غربية. ففي 1996، أثناء وباء التهاب السحايا في كانو بشمال نيجيريا، اختبرت شركة فايزر دواءً تجريبياً اسمه تروڤان على 100 طفل في مستشفى ميداني. خلص محققون نيجيريون إلى أن التجربة أُجريت من دون موافقات تنظيمية مناسبة، ووَصفتها لجنة حكومية بأنها «تجربة غير قانونية لدواء غير مسجَّل». رفعت الحكومة وعائلات الضحايا دعاوى قضائية، وتم التسوية مع ولاية كانو بمبلغ 75 مليون دولار عام 2009، فيما واصلت الشركة نفيها لأي مخالفة.

يقرأ  «أضواء الشمال» — نحو جغرافيا جديدة للفن

تنتج نظم الصحة العامة نتائج مختبرية، وسجلات وبائية، وتسلسلات جينية، وعينات بيولوجية تُجمع أثناء التفشيات. ويولد قطاع التكنولوجيا الحيوية العالمي أكثر من 1.5 تريليون دولار سنوياً ومن المتوقع أن يصل إلى 3.88 تريليون دولار بحلول 2030، ما يجعل البيانات الجينومية وعينات الممرضات من أثمن الموارد العلمية في القرن الحادي والعشرين.

لدى علماء أخلاقيات الصحة العالمية منذ عقود موقف واضح: لا بد أن يتجنب البحث الدولي استغلال الشعوب في دول الدخل المنخفض والمتوسط. وفي دراسة مرجعية عام 2004، جادل الأخلاقي الطبي إزيكيل إيمانويل وزملاؤه بأن البحث الأخلاقي في البلدان النامية يتطلب شراكات تعاونية مع الباحثين المحليين وصانعي السياسات والمجتمعات، إضافة إلى توزيع عادل للفوائد.

هذا المبدأ غائب بوضوح عن هيكل الترتيبات الصحية الثنائية الأميركية، وتزداد أهميته في عالم ما بعد كوفيد. في المراحل الأولى للجائحة، اعتمد العلماء والمختبرات عالمياً على مشاركة سريعة لعينات الفيروس والبيانات الجينومية لتتبع الانتشار وتطوير لقاحات. ومع توافر اللقاحات، وجد عدد من الدول الأفريقية نفسها في نهاية الطابور بينما خزنت دول أغنى الإمدادات. يسعى اتفاق منظمة الصحة العالمية بشأن الأوبئة، المعتمد في مايو 2025، إلى معالجة هذا الخلل من خلال نظام مقترح للوصول إلى الممرضات وتقاسم المنافع يربط مشاركة العينات بإتاحة أكثر عدلاً للتقنيات الناتجة.

لكن الاتفاقيات الثنائية قد تُقوّض هذه الجهود المتعددة الأطراف. فبالتفاوض المباشر مع دول منفردة، تستطيع دول قوية مثل الولايات المتحدة أن تضمن وصولاً مفضلاً إلى معلومات الممرضات من دون أن تُلزمها الآليات الأوسع المصممة لضمان تقاسم عادل للمنافع.

يبقى الوصول المبكر إلى بيانات الممرضات أمراً حاسماً للتعاون الصحي العالمي والاستعداد للأوبئة. وتعتمد المسألة ليس على المشاركة بحد ذاتها بل على ما إذا كانت الدول المانحة للبيانات ستنال وصولاً مكشوفاً وعادلاً إلى اللقاحات والاختبارات والعلاجات الناتجة عنها.

يقرأ  متحف ألماتي الجديد للفنون في كازاخستان يحتفي بفنون آسيا الوسطى

تواجه الدول الأفريقية بالتالي معادلة دقيقة: حماية برامج صحية تنقذ الأرواح والدفاع عن سيادة البيانات والإشراف القانوني والشراكات القائمة على المعاملة بالمثل. قد يكون الحل في تفاوض جماعي عبر مؤسسات مثل الاتحاد الأفريقي ووكالته الصحية المستقلة، مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها، بدلاً من صفقات ثنائية مجزأة وغير متكافئة.

ورغم طابعها الطوعي رسمياً، فإن مفاوضات بين قوة عظمى ونظم صحية محدودة الموارد نادراً ما تُجرى على قدم المساواة. فقد شرعت واشنطن، مثلاً، في تقليص تمويلها الصحي في زيمبابوي بعد انهيار المفاوضات، ما يبرز المخاطر التي تواجه دولاً أفريقية ترفض الخضوع للضغط.

في القرن التاسع عشر، تقدمت الاستعمار عبر سياسة فرق تسد بينما كانت القوى الغربية تلتقط المجتمعات الأفريقية واحدة تلو الأخرى. وحدها الخطوة الموحدة اليوم قادرة على منع الدول القوية من فرض أشكال جديدة من السيطرة الإمبريالية عبر اتفاقيات مخصَّصة للدول.

تتبع الولايات المتحدة الآن سياسات تهدف إلى الحصول على بيانات بيولوجية ومعلومات عن الممرضات بما قد يعيد إنتاج اختلالات القوة للاستخراج الاستعماري بصورة علمية جديدة.

على حكوماتنا أن تدافع عن السيادة الطبية بوحدة وعزم.

اذا شاركت أفريقيا بياناتها وعيناتها، فعلى الولايات المتحدة أن تشارك بياناتها بشروط متساوية وشفافة.

الأجسام الأفريقية ليست سلعاً رخيصة.

الآراء المعبر عنها هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للشبكة.

أضف تعليق