قصف إسرائيلي يضرب لبنان ويجبر اللاجئين الفلسطينيين على تهجير جديد

طرابلس، لبنان

في عام 1948 فرّت جدات وجدود منال من مدينة عكا في شمال فلسطين آنذاك وعبروا إلى لبنان، ظنّوا حينها أن العودة مسألة وقت قصير. لكن الحدود أُغلقت، واستقرت العائلة في مخيم رشيدية قرب مدينة صور الساحلية في الجنوب، حيث بقيت منذ ذلك الحين.

في الساعات الأولى من فجر الثاني من مارس، بدأت قوات اسرائيل بشن هجمات مكثفة قرب منزلهم، حسبما روَت منال. كان القصف يحاصرهم من كل صوب، فحزم أفراد العائلة أمتعتهم وانطلقوا شمالاً، أصوات الانفجارات ترنّ في الآذان. «الحرب كانت مرعبة، وكنا على الطريق أكثر من يوم كامل» تقول، بصوت أنهكه التعب.

هم الآن يقيمون عند خالة منال من جهة الأم في مخيم البداوي بطرابلس، شمال لبنان. منال هي واحدة من آلاف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين يعايشون الآن صدمةً امتدادها أجيال نتيجة التشريد الإسرائيلي. «اللهم لا تدوم هذه الحال أكثر من ذلك» تهمس، متمنيةً أن تنتهي الأزمة عاجلاً. لكنها، مثل كثيرين، تدرك أن التشريد قد لا يكون مؤقتاً بالضرورة: «إن شاء الله تنتهي»، تضيف.

«نكبة جديدة»

صعّدت إسرائيل حربها على لبنان في الثاني من مارس، بعد أن شنّ حزب الله هجوماً على إسرائيل للمرة الأولى منذ أكثر من عام. زعمت قيادة حزب الله أنها ردّت على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي قبل يومين في ضربة نسبت لإسرائيل، ما اعتُبر بداية تصعيد شامل بين واشنطن وتل أبيب ضد إيران. كان وقف لإطلاق النار مفترضاً أن يكون سارياً منذ 27 نوفمبر 2024، لكن الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية وثّقا أكثر من خمسة عشر ألف خرق إسرائيلي لذلك الهدنة، راح ضحيتها مئات اللبنانيين.

منذ ذلك التاريخ أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء جماعية لأكثر من 14% من مساحة لبنان، شملت جنوب البلاد وأطراف بيروت الجنوبية المعروفة بالدّاحية. وحذر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يوم الإثنين أن النازحين من القتال في لبنان «لن يعودوا إلى منازلهم» حتى تصبح مناطق شمال إسرائيل آمنة.

يقرأ  ما الذي أشعل الجدل حول متجر «شي إن» في باريس؟أخبار التجزئة

المناطق اللبنانية المتضررة شملت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صور، مثل رشيدية وبرج الشمالي واللبَس، وكذلك مخيمي برج البراجنة وشاتيلا في بيروت. هذه المخيمات تأوي لاجئين فلسطينيين من نكبة 1948 ونكسة 1967، حين طُرد مئات الآلاف من قراهم وضاعت مدنهم.

لا يزال في لبنان نحو مئتي ألف لاجئ فلسطيني، وهم من بين الأكثر هشاشة بسبب قوانين العمل المقيدة التي تحرمهم من كثير من فرص الكسب. وفي زمن الحرب تتفاقم هذه الهشاشة: الهجمات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء تسبّبت في نزوح أكثر من ثمانمئة ألف شخص داخل لبنان منذ الثاني من مارس.

النازحون يقيمون لدى أقاربهم أو في فنادق أو يستأجرون شققاً، أما من يفتقرون إلى الوسائل المادية أو الدعم العائلي ففتحت وزارة التربية المدارس كمراكز للايواء. إلا أن مصادر متعددة، من عاملين في الإغاثة ولاجئين فلسطينيين أنفسهم، أفادت أن هذه المراكز تستقبل اللبنانيين حصراً، بينما تضطر فئات أخرى من المجتمع اللبناني الضعيف—كاللاجئين السوريين والعاملات الأجنبيات واللاجئين الفلسطينيين—للبحث عن حلول بديلة.

قصص متكررة

ياسر أبو هوّاش، من سكان محيط مخيم اللبّس في صور، يعايش هذه الدوامة منذ ولادته في ستينيات القرن الماضي. أثناء القصف العنيف عام 2024 لجأ مع عائلته إلى شقة صديق في بيروت وأمضوا هناك نحو شهرين حتى هدأت آلة القتال مؤقتاً. حالياً هو في صور لكنه يفكر في العودة إلى بيروت مع تصاعد القتال وإعلان إسرائيل عن «عملية برية» جديدة في الجنوب. «أعيش ما عاشه آباؤنا في 1948»، قال لياسر، «هذه نكبة جديدة، وتكرر كل عشر سنوات تقريباً».

التهجير عبر الأجيال

قال مسؤولون في مخيّم البداوي إن أكثر من 250 عائلة فلسطينية لجأت إليه قادمةً من بيروت أو جنوب لبنان. دلال دوايلي تجلس على طرف وسادة في بيت والدتها في البداوي؛ وُلدت ونشأت هناك لكنها قبل عشرين عاماً تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى الضاحية الجنوبية. عندما اندلعت المعارك أحضرت أطفالها الأربعة إلى بيت أمها بينما بقي زوجها هناك.

يقرأ  الحرب الروسية–الأوكرانية: قائمة الأحداث الرئيسية — اليوم رقم ١٢٩٢ | أخبار الحرب الروسية–الأوكرانية

تصف دلال الضاحية بأنها وطنها الثاني—«كنا سعداء هناك. أحب جيراني وهم ناس طيبون» تقول. أصل أسرتها يعود إلى الخالصة في محافظة صفد السابقة، قرية فلسطينية على الحدود مع لبنان طُهّرت عرقياً وبُنيت عليها مدينة كريات شمونا الإسرائيلية. هربت جدّتها إلى لبنان وأنجبت أمها في مخيم النبطية، لكن ذلك المخيم أيضاً دُمّر في 1974 وفُقد كثيرون من أهلها. أم أيمن، كما تعرف، لجأت إلى البداوي وسكنت فيه طيلة سنواتها.

تقول دلال وهي تنظر إلى خريطة فلسطين على الحائط: «الذي حدث لعائلتي يحدث الآن لي». الصدمة المتوارثة للتشريد ترافق الفلسطينيين في لبنان على نطاق واسع. الباحث اللبناني الفلسطيني إيليا أيوب، المقيم في المملكة المتحدة، يؤكد أن النكبة ليست حدثاً تاريخياً معزولاً بل عملية مستمرة جزء من بنية الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها، وهو ما يشكّل جوهر «القضية الفلسطينية».

الجنوب اللبناني يشهد مجدداً وجود القوات الإسرائيلية بعد اجتياحات واحتلالات متعاقبة شهدها في 1978 و1982-2000 و2006 و2024، والآن في 2026، ما يثير خشية بعض السكان من أن العودة قد لا تكون متاحة هذه المرّة. بالنسبة لآخرين أمثال منال، أصبحت الحياة لا تطاق: «لم نعد نشعر بالأمن أو الاستقرار. الحياة مرعبة بصراحة. حتى قبل الحرب كانت تنتشر الاغتيالات على الطرق يومياً»، تقول. «لم نعد نجرؤ على إرسال أطفالنا إلى مدارسهم أو إلى أعمالهم، لا نعرف من أين ستأتي الضربات. الوضع، خصوصاً في الجنوب، ثقيل جداً».

هذا الواقع دفعها للمرة الأولى إلى التفكير بمغادرة مدينة صور نهائياً: «كنت أقول لزوجي: خلّينا نغادر، نبحث عن بيت بعيد عن الجنوب». ومع ذلك، البعض لا يزال يتشبّث بالأمل بالعودة إلى ديارهم في لبنان أو بالعودة إلى فلسطين ذات يوم. دلال تأمل أن تعود إلى بيتها في الضاحية. وأم أيمن، البالغة من العمر ثمانية وستين عاماً، تجلس مقابل ابنتها وتبكي وهي تقول: «آباؤنا اقتلعوا من فلسطين، لكن كنا نحسّ أن لبنان وطننا. كل أولادنا هنا. ومع ذلك، ما زلنا بحاجةٍ للعودة إلى بلدنا، إلى فلسطين».

يقرأ  عمال الكوبالتثمن الطاقة النظيفة على حياة البشرفيلم وثائقي

أضف تعليق