صعّدت إيران من ضغوطها على عدة دول خليجية عبر استهداف منشآت طاقية لديها، ردّاً على ضربة إسرائيلية استهدفت حقل الغاز الجنوبي «ساوث بارس»، في تصعيد قد يدفع النزاع إلى مرحلة أكثر ظلامية ويفتح احتمال انزلاق المنطقة إلى حريق شامل.
هجمات جديدة وخطيرة شهدها الصراع، طالت منشأة راس لفّان للغاز الطبيعي المسال في قطر فجر الخميس، ضمن حملة أوسع شملت أيضاً بنى تحتية طاقية في الإمارات والسعودية، مما أثار مخاوف جدّية بشأن إمدادات الطاقة العالمية.
سياق التطورات
الهجمات جاءت في إطار الحرب بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، التي تصاعدت منذ 28 فبراير عقب مقتل وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خاتيب وضربة إسرائيلية على منشآت ساوث بارس للغاز يوم الأربعاء. رداً على ذلك شنّت إيران ضربات على دول خليجية اعتبرتها حاضنة لمنشآت وأصول أميركية على أراضيها.
ردود فعل أميركية وإسرائيلية
رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، زاد من حدّة التوتر بتهديده في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه «سيفجّر بالكامل» حقل ساوث بارس إذا واصلت إيران استهداف قطر، قائلاً إنه «لا يريد أن ياذن بهذا المستوى من العنف والتدمير» نتيجة الآثار طويلة الأمد على مستقبل إيران، لكنه حضر أنه لن يتردد في التصرف إذا تعرضت منشآت قطر المسال لهجوم مجدّد. في الوقت نفسه حاول ترامب تبرئة واشنطن من الضربة الإسرائيلية على ساوث بارس، واصفاً حليفَه الأقوى بالمنطقة بأنه «انقضّ بعنف» على المنشأة، ومؤكداً أن مثل هذا الهجوم لن يتكرر إذا التزمت طهران بالامتناع عن مهاجمة قطر. ونفى أن تكون للولايات المتحدة علاقة بضربة المنشآت البحرية في محافظة بوشهر.
تبعات ميدانية ودبلوماسية
أعلنت قطر، ثاني أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم، أن الهجوم الصاروخي الإيراني على مجمّع راس لفّان تسبب بثلاث حرائق وأضرار واسعة، ثم أفادت وزارة الداخلية لاحقاً بأن الحرائق خضعت للسيطرة ولم تسجّل إصابات. وأبلغت وزارة الخارجية القطرية الملحقيْن الأمني والعسكري الإيرانيين بضرورة مغادرة البلاد خلال 24 ساعة وصرّحت بهما كشخصين غير مرغوب فيهما، ووصفت الهجوم على راس لفّان بأنه «تهديد مباشر» للأمن الوطني، متهمة إيران باتّباع «نهج غير مسؤول».
في أبوظبي أفادت السلطات بأنها تتعامل مع حوادث في منشآت حَبشان الغازية وحقل باب النفطي ناجمة عن سقوط حطام صواريخ اعترضت، وأن المنشآت أُغلقت دون تسجيل إصابات. أما السعودية فصرّحت بأنها اعترضت ودمرت أربعة صواريخ باليستية أُطلقت تجاه الرياض ومحاولة طائرة مسيرة لاستهداف مرفق غازي في شرق المملكة، فيما استهدفت طهران العاصمة السعودية يوم الخميس، كما وردت أنباء عن هجمات طالت الكويت والبحرين.
هل سترد دول الخليج؟
المسألة الآن ما إذا كانت دول الخليج ستلجأ إلى ردود عسكرية مضادة ضد إيران، وهو تطور قد يفتح فصلاً جديداً ومتصاعداً في الحرب. وفي اجتماع لوزراء خارجية 12 دولة ذات غالبية مسلمة في الرياض، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان: «نحتفظ بحق اتخاذ إجراءات عسكرية، إذا دعت الضرورة»، محذّراً من أن الضغط قد «تنقلب تبعاته سياسياً وأخلاقياً». ونبه فيما بعد إلى أن التسامح مع هجمات إيران على بلاده وجيرانها محدود، داعياً طهران إلى «إعادة احتساب» استراتيجيتها فوراً.
اتصالات دولية ومخاوف أمنية
تبادل الزعيمان القطري والفرنسي، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس إيمانويل ماكرون، تقييمات مشتركة اعتبرا فيها هجوم إيران «تصعيداً خطيراً يهدد أمن واستقرار المنطقة ويقوّض أمن إمدادات الطاقة العالمية». وأفاد مراسل الجزيرة في دبي زين بصراوي أن الهجمات الإيرانية «حطمت أي بارقة دبلوماسية» بين جيران الخليج، مشيراً إلى أن حكومة قطر ظلت تؤكد مراراً على التمسّك بالدبلوماسية والحوار كحل، لكن الحادث يضع صبرها ومرونتها على المحك.
تحليل: مأزق دبلوماسي
أوضح العالم السياسي مهران كامرافا أن تصعيد إيران أجبر حكومات الخليج على «مأزق دبلوماسي حقيقي»، موضحاً أن هناك رغبة واضحة لدى بعض الدول في الرد على ما يُصنّف على الملأ بأنه عدوان إيراني، وفي الوقت ذاته قلق عميق من دخول حرب مع إيران قد يترك تلك الدول تواجه عواقب الانخراط في مواجهة إقليمية، خصوصاً إذا انسحب الرئيس الأميركي لاحقاً وصرّح بانتصار أميركي، ما يترك دول الخليج وحدها تقاتل جاراً إقليمياً.
مواقف إسرائيلية وبحرية
بينما لم تعلن إسرائيل رسمياً مسؤوليتها عن ضربة ساوث بارس، وعد وزير دفاعها إسحاق كاتس بـ«مفاجآت» إضافية في سعيٍ لاقتلاع قيادة النظام الحاكم في طهران. وعلى صعيد آخر، سجّل مركز إدارة التجارة البحرية البريطاني (UKMTO) إصابة سفينة بمقذوف «غير معروف» على بعد نحو أربعة أميال بحرية شرق راس لفّان في المياه القطرية.