بعد ساعات من اغتيال رئيس الأجهزة الأمنية الإيرانية علي لاريجاني في 17 مارس — وذلك بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب — أطلقت إيران دفعة من الصواريخ المزودة برؤوس عنقودية على وسط إسرائل، ووصف الحرس الثوري الإيراني الهجوم بأنه «ثأر» لاغتياله. الهجوم الليلي استُخدمت فيه رؤوسٌ متعددة الرؤوس قادرة على التملص من منظومات الدفاع الجوي، وأسفر عن مقتل شخصين في منطقة رامات غان قرب تل أبيب.
تحطمت شظايا الرؤوس المتفجرة على مساكن ومحطات نقل، وأصيب عدد من الأشخاص بجروح، بينما لحقت أضرار مادية كبيرة بمرافق عامة من بينها محطة قطار في تل أبيب. وذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الزوجين اللذين قتلا — في السبعينيات من عمرهما — كان لديهما غرفة آمنة في المنزل لكنهما لم يلحقا الوصول إليها في الوقت المناسب، مما أثار تساؤلات حول سرعة إنذار صفارات الغارات الجوية.
انتشار استخدام الذخائر العنقودية أثار هلعاً أشد في الداخل الإسرائيلي، لا سيما وأن إسرائيل نفسها وُجهت إليها اتهامات سابقة باستخدام أسلحة مماثلة. وقال أوزي روبن، المدير المؤسس لبرنامج الدفاع الصاروخي الإسرائيلي وزميل كبير في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، لوكالة إعلامية إن «كل نوع من رؤوس الحرب الإيرانية يمكن أن يحمل رؤوساً عنقودية أيضاً».
ما هي الذخائر أو الرؤوس العنقودية؟
الرأس العنقودي لا يحمل حشوة متفجرة واحدة كبيرة، بل يطلق عتاداً صغيراً متعدداً (قنابلت) تنتشر فوق مساحة واسعة، ما يزيد من نطاق الدمار بالمقارنة مع الرؤوس التقليدية. يمكن تجهيز الصواريخ الباليستية وطويلة المدى والقصيرة والمتوسطة بهذه الآليات العنقودية، وفي لحظة اقتراب الصاروخ من الهدف يُفتح غلافه وتُنشر الحُزم الصغيرة لتسقط منفردة على المنطقة المستهدفة. وتختلف أعداد القذائف الصغيرة داخل الرأس العنقودي بحسب نوع الصاروخ، فبعضها قد يحمل 20–30 قذيفة وقد يصل إلى 70–80 في نماذج أخرى.
أنظمة صواريخ إيران القادرة على حمل رؤوس عنقودية
يوصف برنامج الصواريخ الإيراني بأنه الأكبر والأكثر تنوعاً في الشرق الأوسط، ويشمل صواريخ باليستية وصواريخ كروز تُطوّر منذ عقود لمنح طهران قدرة ضرب جوي رغم غياب قوة جوية حديثة. من الأنظمة المنسوبة لإيران: شاهِب-3، عماد، قدر-1، نسخ خرّمشهر، سجّيل، وتصاميم أحدث مثل خيبر شکن وحاج قاسم. أما صواريخ سطح‑إلى‑جو وصواريخ كروز المضادة للسفن فُذكر منها سومار، يا علي، ونسخ قدس، حويزة، باوه ورعد.
يُذكر أن مدى بعض الصواريخ مثل سومار يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. وردت تقارير عن إطلاق صاروخين يعتقد أنهما استهدفا موقع قاعدة مشتركة أميركية‑بريطانية في دييغو غارسيا على بعد نحو 4000 كيلومتر من إيران، لكن بريطانيا قالت إن الهجوم فشل، ونفى مسؤول إيراني إطلاق الصواريخ.
قال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي إنه كان قد حدَّد مدى الصواريخ الإيرانيّة بنحو 2200 كيلومتر لكنه رفع ذلك الحد بعد حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، والتي شهدت أيضاً مشاركة أميركية نفذت خلالها هجوماً على ثلاثة مرافق نووية إيرانية رئيسية.
هل أصابت إيران أهدافاً داخل إسرائيل بنجاح؟
نعم. أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية إصابة أكثر من 4500 شخص منذ بداية الحرب الحالية. وردت تقارير عن إصابات وأضرار كبيرة في تل أبيب إثر ضربات صاروخية، كما استهدفت صواريخ إيرانية بلدتي عراد وديمونا القريبتين من مركز أبحاث نووية، وقالت طهران إن ذلك رد على هجوم إسرائيلي استهدف منشأة نطنز. وأسفر هجوم يوم السبت عن إصابة ما لا يقل عن 180 شخصاً وإخلاء مئات السكان.
لماذا أحدثت الذخائر العنقودية هذا الأثر الآن؟
يرجع جزء من الإجابة إلى ندرة شعور الجمهور الإسرائيلي بتبعات قتالية بهذا الحجم خلال الأسابيع الأخيرة. أعلن متحدث عسكري إسرائيلي أن منظومات الدفاع الجوي فشلت في اعتراض بعض الصواريخ التي ضربت عراد وديمونا رغم تفعيلها، وأن التحقيق جارٍ. والسبب الفني الرئيس لتفوق هذه الهجمات هو استخدام آليات عنقودية تحول الهدف من نقطة مفردة إلى نقاط متعددة بعد فتح حمولتها في الجو، ما يصعّب مهمة الاعتراض: لا بد من إسقاط الصاروخ قبل فتح الحمولات الفرعية، وإلّا يتشتت الهجوم على انتشار كبير من الأهداف.
هل الذخائر العنقودية قانونية ولماذا هي خطيرة؟
على المستوى الدولي، ليست الذخائر العنقودية محظورة على نطاق شامل، لكن 111 دولة — معظمها أوروبية وأعضاء في الناتو — انضمت إلى اتفاقية عام 2008 التي تحظر استخدامها. الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ليست من موقعوا الاتفاقية، وتبرر الولايات المتحدة أن استخدامها مسموح لضرب أهداف عسكرية. وفي حرب الـ12 يوماً اتهمت منظمة العفو الدولية إيران بارتكاب «انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي» لاستخدامها ذخائر عنقودية.
تُعد هذه الذخائر خطرة خصوصاً على المدنيين لأنها تنشر قذائف صغيرة فوق مساحات واسعة، وغالباً لا تنفجر كل القذائف على الفور؛ فالألغام غير المنفجرة أو «القنابل العالقة» قد تبقى مدفونة في التربة لسنوات وتشكّل خطراً كبيراً على السكان، وخصوصاً الأطفال. وأفادت الأمم المتحدة أن المدنيين شكّلوا 93% من ضحايا الذخائر العنقودية عام 2023، استناداً إلى تقرير مراقب الذخائر العنقودية.
قال خبير إزالة الألغام باتريك فروشيه إن بقايا المتفجرات التي «تفشل في الانفجار» هي خطر مستمر في مناطق الصراع، مشيراً إلى أن معدل الفشل واحتمالات الحساسية في هذه الذخائر يجعلها عرضة للانفجار عند التعرض أو العبث بها. وأضاف أن بقاياها قد تنفجر بعد عقود من إسقاطها، فلا شيء يضمن أنها تصبح غير فعالة مع الزمن.
من استخدم القنابل العنقودية سابقاً؟
‑ حرب روسيا وأوكرانيا: أثار قرار إدارة الرئيس جو بايدن في 2023 نقل ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا نقداً واسعاً من منظمات حقوق الإنسان رغم أن واشنطن جادلت بأن الذخائر الأميركية «أكثر أماناً» من تلك المستخدمة من روسيا. قال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان في ذلك الوقت إنهم يعترفون بخطر بقايا المتفجرات على المدنيين، لكنهم اعتبروا أن الفشل في تقديم هذه القدرات قد يزيد من مخاطر سيطرة القوات الروسية على مزيد من الأراضي الأوكرانية. وصفت مديرة هيومن رايتس ووتش في واشنطن القرار بأنه «مدمّر»، محذرة من الصور المروعة لإصابة الأطفال والمدنيين.
‑ اجتياحات إسرائيل للبنان: وُجهت لإسرائيل اتهامات باستخدام الذخائر العنقودية في لبنان، لا سيما خلال الغارات في 2006 ومزاعم لاحقة في 2023 و2025. في البرلمان البريطاني أُثيرت دلائل على أن شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية كانت بين مصنّعي الذخائر المستخدمة، وطالب نواب بإجراءات لمنع استمرار تشغيل مصانعها في المملكة المتحدة. حذّر مسؤول إزالة الألغام في الأمم المتحدة عام 2006 من وجود ما يصل إلى مليون ذخيرة عنقودية غير منفجرة في جنوب لبنان، فيما علّق الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأن الجزء الأكبر منها استُهدف في مناطق مفتوحة وخالية من المدنيين أو رداً على هجمات بصواريخ من حزب الله.
‑ السودان: في 2015 وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الجيش السوداني للذخائر العنقودية في مناطق مدنية بجنوب كردفان، واعتبرت المنظمة ذلك دليلاً على تجاهل الحكومة لحياة المدنيين.
في المجمل، تُعيد الأحداث الجارية تسليط الضوء على خطورة هذه الأسلحة على المدنيين وصعوبة معالجتها تقنياً وقانونياً داخل دوائر الصراع الدولي.