مقدمة
بعد قرابة أربعة أسابيع على انطلاق «عملية غضب ملحمي»، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن واشنطن تجري مفاوضات مع طهران — وهو ما تنفيه إيران — فيما تُجمع الولايات المتحدة آلاف الجنود في الشرق الأوسط. ما بدأ في 28 شباط/فبراير كحملة جوية مشتركة أميركية-إسرائيلية ضد البُنى العسكرية الإيرانية تحول، بنهاية آذار/مارس، إلى أكبر نشر عسكري أميركي للجنود في المنطقة منذ حرب العراق.
تعزيزات ونطاق الضربات الجوية
أفاد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) بأن الحملة الجوية ضربت أكثر من 9,000 هدف داخل إيران، شملت مواقع مرتبطة بالمرشد السابق آية الله علي خامنئي، مقرات الحرس الثوري الإيراني، منشآت للصواريخ الباليستية، مراكز إنتاج الطائرات المسيرة، وأصولاً بحرية. كما تعرضت أكثر من 140 سفينة إيرانية لضرر أو تم تدميرها بحسب مسؤولين أميركيين، وردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة شبه يومية استهدفت إسرائيل ودول الخليج وقواعد أميركية، وأدت عملياً إلى إغلاق مضيق هرمز أمام معظم الملاحة التجارية. هذا المضيق، مروراً به نحو عشرين بالمئة من نفط العالم المتاجر يومياً، أصبح نقطة الضغط الاستراتيجية المحورية في الصراع.
خطوات على الأرض: تحشيد وتعزيزات
في ظل ذلك، عززت واشنطن وجودها البري. قال ترمب قبل البدء بالضربات علناً إنه «قوة كبيرة متجهة نحو إيران»، ومع تحرك العمليات تلا ذلك نشرات وتعزيزات بحرية وبرية. أمر البنتاغون بنقل نحو 2,000 جندي من فرقة المظليين الـ82 للانتشار إلى الشرق الأوسط، بحسب تقارير إعلامية أميركية، في إضافة إلى وحدتين بحريتين إنزاليتين (Marine Expeditionary Units) قادمتين من اتجاهين مختلفين عبر المحيط الهادئ. ونقلت تقارير مسؤولين أن القيادة المركزية طلبت هذه التعزيزات لتوسيع الخيارات العملياتية. كما أثار تصريح لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو احتمال الحاجة إلى «تأمين مواد نووية داخل إيران»، بقوله: «سيضطر الناس للذهاب وإحضارها»، دون توضيح الفاعلين.
ثلاث تشكيلات — مسرح عمليات واحد
التعزيزات المتجهة إلى الخليج تتألف من ثلاث تشكيلات مميزة كل منها بمصدره ومساره وزمن وصوله:
– مجموعة الاستعداد الإنزالي Tripoli ARG: تقودها السفينة الهجومية من فئة America يو إس إس ابراهام تري폴ِي (USS Tripoli) حاملةً الوحدة الإنزال البحري 31st MEU، انطلقت من ساسبو في اليابان في 13 مارس، عبرت مضيق ملقا وبلغت دييغو غارثيا في المحيط الهندي البريطاني في 23 مارس، ومن المتوقع دخولها منطقة المسؤولية بحلول أواخر مارس أو أوائل أبريل.
– مجموعة الاستعداد الإنزالي Boxer ARG: محورها السفينة الهجومية يو إس إس بوكسِر (USS Boxer) وحاملة الوحدة الإنزال البحري 11th MEU، انطلقت من سان دييغو حول 19–20 مارس، وتقطع مسافة تقارب 22,200 كم ولن تصل قبل منتصف أبريل في أفضل التقديرات.
– قوة فرقة المظلات الـ82: كتلة نحو 2,000 جندي من قوة الاستجابة الفورية المتمركزة في فورت براغ، كارولاينا الشمالية، كانت أحدث التعزيزات المرسلة إلى المنطقة.
معاً توفر المجموعتان البحريتان نحو 4,500 من مشاة البحرية والبحارة في المنطقة، ومع عناصر الفرقة الـ82 يرتفع مجموع التعزيزات إلى نحو 7,000 جندي إضافي منذ بدء الصراع.
قدرات السفن والوحدات الإنزال
السفينة يو إس إس تريبولِي فئة America تعد الأكبر من بين السفن المتجهة، وتحمل معها الوحدة 31th MEU المكوّنة من نحو 2,200 عنصر بينهم كتيبة معززة مدعومة بمدفعية ومركبات برمائية ووحدات متخصصة. طولها 261 متراً ووزنها نحو 45,000 طن، ويمكنها العمل كحاملة خفيفة للطائرات F‑35B إلى جانب تنفيذ عمليات إنزال بواسطة الجو والبحر. الوحدة 31th MEU هي الوحدة الإنزال البحري الوحيدة المتمركزة بشكل دائم في الأمام، ولها سجل عملياتي سابق من ضمنه مشاركتها في عملية «دزرت فوكس» في 1998.
مقابلها، تتكون مجموعة Boxer من يو إس إس بوكسِر وسفينتي دعم يو إس إس كومستوك ويو إس إس بورتلاند، وتحمل معها نحو 2,200 من أفراد الـ11th MEU بالإضافة إلى نحو 2,000 بحار عبر السفن الثلاث. هذه الوحدة لها خبرات قتالية طويلة تعود إلى حرب الخليج 1990–91 وعمليات لاحقة في العراق.
الفرقة الـ82 والقدرة على التدخل السريع
تعد فرقة المظلات الـ82، المتمركزة في فورت براغ، العمود الفقري لفيلق المظلات الثامن عشر الأمريكي. القوة المكلفة حالياً نحو 2,000 عنصر من قوة الاستجابة الفورية، وهي تشكل جزءاً من كتيبة قادرة على الانتشار لأي مكان بالعالم خلال 18 ساعة تقريباً. الفرقة متخصصة في عمليات الدخول القسري بالقفزات الجوية والاستيلاء على مطارات وتأمين مهابط للقوات اللاحقة، لكنها في المراحل الأولى تنشر دون دبابات ثقيلة، ما يحد من قدرتها على الاحتفاظ بالأرض أمام هجمات مضادة واسعة. للفرقة تاريخ طويل في قتال نورماندي وهولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وتواجدت لاحقاً في حرب الخليج 1991، وأفغانستان 2001، والعراق 2003، وكذلك جرى تعبئتها عام 2020 بعد مقتل قاسم سليماني.
ماذا يمكن أن تفعل هذه القوات؟
خبراء العسكريات يرون أن الحشد يضيق الخيارات على مهام محددة زمنياً وقصيرة الطابع أكثر من كونه تمهيداً لحملة برية واسعة. روبن ستيوارت، زميل أقدم لشؤون الحرب البرية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قال لقناة الجزيرة إن غزو بري شامل غير مرجح في هذه المرحلة. أشار إلى أن غزو العراق عام 2003 تطلب نحو 160,000 جندي لبلد حجمه ربع حجم إيران، بينما القوة القتالية المنتشرة حالياً (باستثناء قوات الدعم) تتألف تقريباً من كتيبتين من مشاة البحرية وكتيبتين من المظليين، بواقع نحو 800 فرد للكتيبة — ما يعادل قرابة 3,600 مقاتل. لذلك، هذه تشكيلات مصممة لعمليات محددة سريعة: غارات، استيلاء على مواقع مفتاحية، ومهام قصيرة مع تواجد لاحق محدود؛ لكنها تفتقر إلى وحدات مدرعة ثقيلة وعمق لوجستي وهيكل قيادي مطلوب لحرب أرضية مطولة داخل إيران.
السيناريوهات المحتملة
بناءً على تركيبة القوات والتصريحات العلنية، قد تكون ثلاث سيناريوهات مطروحة:
1) الاستيلاء أو حصار جزيرة خارك، التي تتولى نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية وتعرضت بنىً عسكرية فيها لأضرار في غارات سابقة؛
2) تطهير الساحل الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين ممرات الملاحة؛
3) أبعد السيناريوهـــات وأشدها تعقيداً، محاولة تأمين المواد النووية الإيرانية داخل البلاد — وهي أقل واقعية بالقوة الحالية لأنها تتطلب وجوداً بريّاً أكبر ومستمراً.
من بين هذه الخيارات، يرى ستيوارت أن تأمين مضيق هرمز عبر «إجراءات محدودة مثل السيطرة على مساحات بحرية رئيسية أو قمع التهديدات تجاه الشحن» هو الأكثر توافقاً مع قدرات القوات الإنزالية والجوية المنتشرة من البحر والقواعد الإقليمية. استيلاء خارك ممكن تقنياً لكنه تصعيدي للغاية لارتباطه بدخل إيران النفطي، بينما مهمة تأمين المواد النووية تتطلب قدرة احتلال واستدامة أكبر بكثير.
مخاطر التصعيد والتهديدات الإيرانية
تتزايد مخاطر التصعيد خصوصاً إذا استهدفت الضربات بنىً استراتيجية مثل خارك أو مواقع نووية، ما قد يثير رداً إيرانياً أوسع. كما أن متطرفين أو فاعلين إقليميين قد يستغلون انشغال الولايات المتحدة بتعزيز قواتها لزيادة نشاطهم في مساحات أخرى. أحاط تقارير وتحليلات بخطر تكبد القوة المهاجِمة هجمات بطائرات مسيرة مكثفة، زوارق مفخخة وصواريخ عند محاولتها عبور المضيق نحو خارك — تحذير جاء أيضاً على لسان الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس.
الدبلوماسية إلى جانب الحشد
يقوم التكديس العسكري متزامناً مع محاولات دبلوماسية متقطعة ومبهمة، ويُفسَّر كثيراً على أنه سعي لمزيد من «النفوذ القهري» بدلاً من إعلان حرب مباشرة. تحرك القوات يمنح واشنطن هامش تفاوضي ويظهر خيارات متاحة إذا فشلت الوسائل الدبلوماسية، لكن ستيوارت يحذر من أن زيادة حجم التشكيلات، خصوصاً لو تجاوزت وحدات الاستجابة السريعة إلى تشكيلات أثقل وممتدة، ستصعّب التراجع السياسي والعملياتي وتزيد احتمال التصعيد غير المقصود وتقليل المرونة الدبلوماسية.
مفاوضات ومبادرات إقليمية
في 24 مارس قال ترمب إن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى خمس عشرة نقطة اتفاق في محادثات تهدف إلى إنهاء الصراع ووصف المحادثات بأنها «قوية جداً»، بينما نفت طهران وجود مفاوضات مباشرة، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران تلقت رسائل من «دول صديقة» تنقل طلب أميركي للمفاوضات وأن الردود المناسبة قد أُعطيت. ترمب أصدر مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز مهدداً بضرب محطات الطاقة، ومددها بعد ذلك خمسة أيام مستشهداً بمحادثات «منتجة».
برزت باكستان كوسيط محتمل، إذ تحدث رئيس الأركان الباكستاني الفريق أول عاصم منير مع ترمب، وأجرى رئيس الوزراء شهباز شريف محادثات مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان داعياً إلى خفض التصعيد، وعرض شريف رسمياً استضافة محادثات تفاوضية شاملة بموافقة طرفي النزاع. حرَكَت هذه الخطوات فضاء دبلوماسياً هشاً يتعايش مع تضاعف الخيارات العسكرية على الأرض والبحر والجو.