دخلت جماعة الحوثي اليمنية عمليا إلى محور الصراع الإيراني بعدما شنت ضربات ضد إسرائيل، وهو ما حذر بعض المحللين من أنه قد يفتح جبهة جديدة في الحرب، وبخاصة احتمال حصار مضيق باب المندب الذي يمثل عنق زجاجة آخر في تجارة السلع العالمية.
أعلن العميد يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم الحوثيين، السبت عن أول هجوم للجماعة المدعومة من طهران ضد إسرائيل. وفي اليوم التالي قال إن الحوثيين نفذوا «عملية عسكرية ثانية» ضد إسرائيل باستخدام صواريخ كروز وطائرات مسيرة، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستستمر في الأيام المقبلة حتى «تتوقف إسرائيل عن هجومها وعدوانها».
هل ينذر تحذير الحوثيين بحرب إقليمية أوسع، لا سيما مع قدرة الجماعة على إغلاق باب المندب واستهداف أهداف أبعد بكثير من حدود اليمن؟ فيما يلي ما نعرفه.
لماذا الانظمام الحوثيون إلى الحرب؟
حتى الآن، وعلى عكس حزب الله اللبناني والفصائل المسلحة العراقية، لم تصدر عن الحوثيين أي إعلان رسمي بالانضمام للحرب. ومع أن إيران تُصوّر الحوثيين كجزء من «محور المقاومة»، فإن المرجعية الدينية والولاءات لدى الحوثيين لا تتطابق بالضرورة مع ولاء قادة إيران بنفس الشكل الذي يميّز حزب الله والفصائل العراقية. بنَت إيران «محور المقاومة» من فصائل متقاربة الأهداف لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.
من طهران، قال توهيد أسدي إن انخراط الحوثيين في القتال سيرحب به الإيرانيون. ورأى أن المسؤولين الإيرانيين لطالما وصفوا الحوثيين خلال الأشهر والسنوات الماضية بأنهم حلفاء مقربون، لكنهم يحتفظون بقدر من الاستقلال في صنع القرار وتنفيذ السياسات. من منظور جيوسياسي، قد تعتبر طهران هذه الخطوة تطوراً ذا أهمية.
نِجار مرتزافي، باحثة زائرة أولى، قالت للجزيرة إن دخول الحوثيين ساحة القتال «لم يكن مفاجئاً»، مشددة على أن التحركات الإيرانية عادةً ما تتماشى مع تصريحاتها وتحذيراتها المسبقة، وأن التحذيرات الموجهة لجيران الخليج بأن الصراع لن يظل داخل حدود إسرائيل كانت ضمن ما تم التهديد به سابقاً.
من جهته، اعتبر نَبيل خوري، الدبلوماسي الأمريكي السابق، أن الضربات الصاروخية التي نفذها الحوثيون ضد إسرائيل تشكّل مشاركة رمزية أكثر منها مشاركة كاملة. فإطلاق بعض الصواريخ جاء تحذيراً على خلفية الحديث عن إمكانية تصعيد شامل، وتوجه قوات أمريكية إلى المنطقة، والحديث عن احتمال شن هجوم واسع على إيران إذا لم تُتاح تسوية. وقال خوري إن الحوثيين يوحون بأنهم ما زالوا على استعداد للتدخل الكامل في حال شن هجوم شامل على إيران، لكنهم حتى الآن لم «يقفزوا» إلى المواجهة بصورة كاملة.
وأضاف خوري أن التحرك الأهم الذي قد تقوم به الجماعة يتمثّل في إغلاق باب المندب عبر زوارق أو ألغام أو صواريخ. فكل ما يلزم هو استهداف سفينتين أو ثلاث تمرّان بالمضيق ليؤدي ذلك إلى توقف كامل للشحن التجاري عبر البحر الأحمر، وهو ما سيعتبر خطاً أحمر قد يترتّب عليه ردود سريعة ضد اليمن.
انغلاق مضيق هرمز أدى عملياً إلى شلل مرور النفط والغاز بعدما استهدفت إيران سفناً مارة، ما سبب أزمة طاقة عالمية وأثّر تضخّماً على اقتصادات عدة، فاضطرت دول إلى فرض تقنين الوقود وتقليص ساعات العمل للحفاظ على الطاقة.
أين يقع باب المندب؟
يمتد المضيق بين اليمن من الشمال الشرقي وجيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي من الجنوب الغربي، وهو يربط البحر الأحمر بخليج عدن ثم بالمحيط الهندي. يبلغ عرضه في أضيق مناطقه نحو 29 كيلومتراً، ما يفرض مسارين رئيسيين لعبور السفن الشرقية والغربية، ويجري في الواقع التحكم فيه من قبل الحوثيين.
يُعدّ المضيق واحداً من أهم مسارات الشحن البحري العالمية، خصوصاً لنفط الخام والوقود المتجه من الخليج نحو المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد على ساحل مصر في البحرالأحمر، وكذلك للبضائع المتجهة إلى آسيا بما في ذلك نفط روسي.
من صنعاء، قال يوسف موري إن ورقة باب المندب هي الرهان الرئيس للحوثيين في الحرب. ومع إغلاق مضيق هرمز أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية، فإن إقدام الحوثيين على إغلاق باب المندب سيزيد من الضغط الاقتصادي على إسرائيل بشكل ملحوظ. وحتى الآن، يبقى المرور البحري متاحاً لجميع السفن، بما في ذلك السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ولم يفرض الحوثيون حصاراً شاملاً حتى هذه اللحظة. هذا المتوقع في المرحلة المقبلة إذا أقدمت إسرائيل على استهداف ميناء الحديدة أو البنية التحتية المدنية والعامة في اليمن.
هل يمكن للحوثيين إغلاق هذا المضيّق؟
لم يصدر حتى الآن عن الحوثيين أو عن إيران أي إعلان واضح بشأن وجود خطة فعلية لإغلاق أحد أكثر الطرق البحرية ازدحاماً في العالم. ومع ذلك، نقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن مسؤول عسكري إيراني لم يُكشف عن هويته قوله يوم الأربعاء إن إيران قادرة على فتح جبهة جديدة عند باب المندب إذا ما شُنت هجمات على أراضيها أو جزرها.
وبحسب تصريحات محمد منصور، نائب وزير الإعلام لدى الحوثيين، التي نُقلت لوسائل محلية يوم السبت، فإن جماعته “تخوض هذه المعركة على مراحل، وإغلاق باب المندب من بين الخيارات المتاحة لها”.
قال مراسل الجزيرة أسدي إن إيران كانت تسعى حتى الآن إلى امتلاك ورقة ضغط عبر مضيق هرمز، لكن الاهتمام يتحول الآن إلى نقطة اختناق بحرية أخرى يحتمل أن تكون باب المندب. وأضاف أن تعطيل هذا الممر سيمنح إيران وحلفاءها نفوذاً إضافياً في ظل الضربات الجوية المستمرة التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة.
إليزابيث كيندال، متخصصة بشؤون الشرق الأوسط ورئيسة كلية جيرتون في جامعة كامبريدج، وصفت احتمال إغلاق المضيق بأنه سيناريو كابوسي. وأوضحت أن وجود قيود على مضيق هرمز في وقت تشتد فيه القيود عند باب المندب قد يعرقل، إن لم يشلّ، حركة التجارة المتجهة إلى أوروبا. وأضافت أن استهداف البحر الأحمر في هذه المرحلة، بينما يظل أحد المسارات الأكثر موثوقية لصادرات النفط — مثل مرور النفط عبر ينبع من السعودية — سيكون تحولاً كبيراً في قواعد اللعبة. ومع ذلك، لاحظت كيندال أن الحوثيين قد يتجنبون استفزاز رد سعودي أو ردّ أوسع نطاقاً، رغم أن الإغلاق يبقى نقطة قوة استراتيجية بالنسبة لهم.
سبق للحوثيين أن شنّوا هجمات في البحر الأحمر عام 2024 استهدفت سفناً تجارية، مؤكدين أنهم يستهدفون سفناً مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها احتجاجاً على الحرب التي تُوصف بارتكاب إبادة في غزة.
يرى أحمد ناجي، محلل رفيع لليمن في المجموعة الدولية للأزمات، أن سلوك الحوثيين الحالي يعكس حسابات محسوبة وليست تريّثاً نابعاً من ضعف. وأشار إلى أن الحوثيين لم يهاجموا البحر الأحمر هذه المرة ولا تَمَنّوا حتى بالتصعيد هناك، بل اخترقوا الهجوم المباشر على إسرائيل، وهو خيارٌ ذا دلالة سياسية واستراتيجية.
يبقى باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، أحد أكثر الشرايين حساسية في الاقتصاد العالمي: يمر عبره نحو عشرة بالمئة من التجارة العالمية وحصة كبيرة من شحنات النفط والغاز. وفي الظرف الراهن، يقف الحوثيون إلى جانب استراتيجية أوسع لإيران؛ يهدفون إلى دعم طهران في مفاوضاتها ويُراهنون على أن تجد الدبلوماسية مخرجاً يمنع الحاجة إلى اللجوء فعلياً إلى إغلاق باب المندب.