في أحياء طهران الجنوبية المكتظة بالسكان، كانت قاعدة التحقيقات الجنائية الحادية عشرة رمزاً اعتيادياً لعمل أجهزة القانون المحلي. كان محقّقوها يتولون شؤون الجرائم الاقتصادية والاحتيال وسرقات التجزئة. اليوم لا أثر للمبنى سوى حفرة هائلة؛ ففي الموجة الافتتاحية للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على ايران محَت الطائرات الحربية مركز الشرطة المحلي عن وجه الخريطة.
تُظهر صور الأقمار الصناعية التي وفّرها Planet Labs الدمار الذي لحق بقاعدة التحقيقات الجنائية الحادية عشرة في جنوب طهران في 26 شباط و6 آذار 2026. لم يكن ما حدث حادثة معزولة. توثّق تحقيق وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة أن ما لا يقل عن 75 موقعاً للأمن الداخلي تضرّر أو دمّر في غارات إسرائيلية وأمريكية بين 28 شباط و10 آذار. شملت المنشآت المستهدفة مقرّات التحقيق الجنائي، مراكز الشرطة المحلية، مكاتب الأمن العام ونقاط تفتيش تشغّلها ميليشيات البسيج.
استخدمت الجزيرة بيانات مفتوحة المصدر لرسم خريطة الضربات، ومقارنة تقارير الميدان بصور الأقمار الصناعية لتأكيد وقوع الدمار. لكن عملية التحقق المستقل أصبحت أكثر صعوبة؛ ففي السادس من آذار قيّدت شركتا الأقمار التجارية Planet Labs وVantor نشر الصور فوق الشرق الأوسط، ثم وسّعت الحجب ليطبّقت تأخيراً لمدة أربعة عشر يوماً على كل صور ايران. قالت الشركات إن الإجراء يمنع الجهات المعادية من تعريض المدنيين للخطر، لكن الصحفي المستقل كين كليبنشتاين كشف أخيراً عن تسريب لتوجيهات من سلاح الفضاء الأمريكي تُحدّد كيف تصف شركات الأقمار التجارية الأضرار، ما أظهر جهداً أمريكياً متعمداً للسيطرة على تدفق المعلومات وتشويه واقع ساحة المعركة.
استهداف مراكز مأهولة بالسكان
يكشف التوزيع المكاني للـ 75 ضربة الموثّقة عن استراتيجية واضحة ومتعمدة. فتجنّبت الطائرات الحربية المنشآت العسكرية المعزولة لصالح ضرب البنى التحتية التي تعتمد عليها طهران في فرض النظام على المواطنين. استوعبت العاصمة وحدها 31 ضربة — أكثر من أربعين في المئة من الأهداف الإجمالية. تعرّضت سنندج، عاصمة محافظة كردستان، لثماني ضربات، فيما تركزت بقية الأهداف في مدن غربية ومركزية رئيسية مثل أصفهان وكرمانشاه وهمدان. وبالمقابل، بقيت محافظات الشرق والجنوب الشرقي الشاسعة إلى حد كبير خارج نطاق هذه الحملة.
بالمقارنة مع خرائط الكثافة السكانية يتضح تطابق شبه كامل مع الكثافة الحضرية؛ يعيش أكثر من سبعين في المئة من سكان البلاد في هذه المناطق الحضرية الغربية المستهدفة. استهدفت الضربات بشكل منهجي ما يُعرف بقيادة انتظامية الدولة (فراجا) وشبكة البسيج. فراجا، التي رُفعت مكانتها عام 2021 بأمر المرشد الأعلى علي خامنئي للعمل إلى جانب القوات المسلحة، يقودها حالياً أحمدرضا رادان. تتولّى هذه الأجهزة إنفاذ القانون اليومي في المدن وقمع الشغب. أمّا البسيج، تلك القوة التطوعية شبه العسكرية المترامية في الأحياء الإيرانية، فهي أداة الدولة الأساسية للضبط الاجتماعي.
هندسة انهيار الدولة
تشير نمطية الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية إلى هدف أبعد من تفكيك منشآت نووية أو إضعاف بنى عسكرية؛ إنها محاولة محسوبة لهندسة انهيار الدولة الإيرانية. في 28 شباط أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق الحرب، ودعا الإيرانيين في كلمة مصوّرة إلى الاستيلاء على حكومتهم فور توقف القصف. كرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفكرة بالفارسية، داعياً ملايين الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع واصفاً الاستراتيجية بأنها كسر لعظام الحكومة الإيرانية.
مع ذلك، لم تنبع التخطيطات العسكرية من الأحداث الميدانية التي استشهد بها ترامب ونتنياهو لتبرير الحرب؛ فقد كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أوائل آذار أن إسرائيل كانت تخطط لضرب ايران في منتصف 2026، أي قبل قمع الحكومة الدامي في يناير للمظاهرات الاقتصادية. تُظهر صور الأقمار الدمار الواسع الذي لحق بمقرّ البسيج في بهشتي في الحي الثامن من طهران بعد الموجة الأولى من الضربات.
تنسجم هذه المنهجية مع عقيدة إسرائيلية أوسع. قال دانيال ليفي، المستشار الحكومي الإسرائيلي السابق، للجزيرة إن إسرائيل لا تسعى إلى انتقال سياسي سهل في طهران؛ ما تريده هو انهيار الحكومة والدولة، وإن امتدّت التداعيات إلى العراق والخليج والمنطقة بأسرها فذلك يصب في مصلحة إسرائيل من وجهة نظرها.
استراتيجية فاشلة
مع ذلك، وبعد شهر من اندلاع الحرب تبدو الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية لإشعال ثورة داخلية عبر تدمير الجهاز الأمني الداخلي لإيران منهارة. يعيش الإيرانيون تحت وابل يومي من القصف؛ ومع دمار البنى التحتية واحترق مصافي النفط، باتت مطالب البقاء اليومي تفوق أي تحرّكات سياسية منسّقة. حذّر مقرر الأمم المتحدة الخاص بشأن حقوق الإنسان في إيران من أن المدنيين يواجهون أزمة عسكرية وحقوقية متزامنة.
بدلاً من الانهيار، تكيف الجهاز الأمني الداخلي الإيراني. نشر فراجا دوريات على مدار الساعة خلال رمضان، وأغلقت قوات مكافحة الشغب التجمعات العامة قبل عطلة نوروز. وبعد اغتيال قائد البسيج غلامرضا سليماني في 17 آذار، نشرت قوات إسرائيل لقطات لعمليات ضرب نقاط بسج متحركة، مما يدلّ على أن القوات الأمنية الإيرانية ما زالت تسيطر على الشوارع.
تحاكي محاولة الولايات المتحدة تفكيك الأمن من الجو سياسة نزع البعث الكارثية في العراق عام 2003، التي حجبت أعضاء حزب البعث السابق عن شغل المناصب الحكومية، ففككت الشرطة المحليّة وأشعلت حرباً طائفية مدمرة. لكن خلافاً للعراق، لا توجد اليوم قوات أمريكية على الأرض في ايران لملء الفراغ الأمني الذي تحاول واشنطن خلقه.
تحت أنقاض قاعدة التحقيقات الجنائية الحادية عشرة وعشرات المراكز المشابهة، تهدف الولايات المتحدة وإسرائيل إلى دفن الدولة الإيرانية وإشعال ثورة شعبية. وفي المقابل، حوّلتا ملايين المدنيين إلى محاصرين في بلد يحترق. النص المرسل يبدو فارغًا. من فضلك ألصق النص الذي تريد ترجمته وإعادة صياغته.