صراع مع إيران: سجل الولايات المتحدة في تحميل دول أخرى فاتورة نزاعاتها — تغطية الحرب المشتركة بين واشنطن وإسرائيل ضد طهران

أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس احتمال مطالبة دول عربية بتحمل كلفة النزاع الذي تخوضه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وقالت ليفيت للصحافيين في إحاطة إعلامية: «أعتقد أن الرئيس قد يكون مهتماً جداً بالاتصال بها لطلب ذلك»، مضيفة: «لن أسبق الرئيس في هذا الموضوع، لكن بالتأكيد هذه فكرة أعرف أنها لدى الرئيس ومن المتوقع أن نسمع منه المزيد بشأنها».

أوضحت ليفيت أن آلية تمويل من هذا النوع ستشبه إلى حد ما الطريقة التي شاركت بها حلفاء واشنطن في تمويل تدخلها خلال حرب الخليج عام 1990.

وحمّلت تصريحات ترامب في وقت لاحق تلميحات بأنه قد يكتفي بإنهاء المواجهة حتى من دون إعادة فتح مضيق هرمز، مقترحاً أن «شركاء آخرين» الذين تعتمد اقتصاداتهم بشكل أكبر على صادرات تمرّ عبر هذا الممر البحري الضيق—الذي أغلقت إيران أجزاءً منه بعد اندلاع الحرب أواخر فبراير—هم الذين ينبغي أن يتحملوا عبء إدارة هذه الأزمة.

في الأحوال الطبيعية، تمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ويُعزى إلى هذه التشويشات ارتفاع سعر خام برنت إلى نحو 116 دولاراً للبرميل هذا الأسبوع مقارنةً بنحو 65 دولاراً قبل اندلاع الحرب، ما أثار مخاوف كبيرة بشأن الإمدادات عالمياً. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تظل إلى حد كبير مكتفية ذاتياً من هذه الموارد.

من جهتها، طرحت طهران مطلب تعويضات حرب تُدفع من الولايات المتحدة كشرط لأي وقف للنار يدخل حيز التنفيذ.

حتى الآن لم تُصدر حكومات دول الشرق الأوسط—وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي تضررت مباشرة من ضربات إيرانية استهدفت أصولاً ومرافق عسكرية أميركية على أراضيها—إشارة واضحة عن استعدادها للمساهمة في تمويل الحرب. وأشار محللون إلى أن التكلفة الإجمالية، التي قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، لا تزال غير محددة بدقة.

يقرأ  حزب المعارضة: شخصية معارضة أوغندية في حالة حرجة بالمستشفى

ويختلف الوضع عما كان عليه خلال حرب الخليج 1990-1991، إذ لم تطلب دول مجلس التعاون ودول عربية أخرى تدخل الولايات المتحدة قبل أن تبدأ الضربات في 28 فبراير، كما لفت خبراء. وقال زيدون الكنعاني، المدير المؤسس لمعهد «الرؤى العربية»، لقناة الجزيرة: «لو أن دول مجلس التعاون هي من دعت إلى شن هذه الحرب لكان منطقياً أن تُطالَب بتحمل تكاليفها، لكنها في الواقع دعت إلى تجنّب الحرب في الأشهر التي سبقتها واستمرت في مناشدات الدبلوماسية وخفض التصعيد». وأضاف الكنعاني أن «الجهة التي تبدو أكثر استحقاقاً لتحمل التكاليف هي إسرائيل؛ فهي الحكومة والجهة التي أقنعت ودفعت الولايات المتحدة لخوض هذه الحرب».

وليس هذا مساراً جديداً بالنسبة للسياسة الأميركية؛ فقد سبق للولايات المتحدة أن نجحت في مرات عدة بجعل دولاً أخرى تدفع لقاء حروب شاركت فيها أو شجعتها.

حرب الخليج (1990–1991)

في أغسطس 1990 أمر الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين بغزو الكويت، متذرعاً بأنها تزيد الإنتاج النفطي لتخفيض الأسعار وتلحق ضرراً باقتصاد العراق الذي تكبّد خسائر جراء حرب طويلة مع إيران طوال ثمانينيات القرن الماضي. وأعاد العراق أيضاً طرح مزاعم إقليمية قديمة بشأن حدود الكويت لتبرير غزوه.

تقدم الجيش العراقي بسرعة وأخذ يهيمن على الكويت حتى فرّ الشيخ جابر الأحمد الصباح، أمير الكويت الثالث عشر، إلى السعودية حيث أسس حكومة في المنفى بينما كانت القوات العراقية تسيطر على البلاد.

في يناير 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضمّ عشرات الدول الغربية والعربية وغيرها لطرد القوات العراقية بناءً على طلب الكويت وعدد من جيرانها الخليجيين، وسُمي التدخل «عاصفة الصحراء». استمر القتال الرئيسي ل slightly أكثر من ستة أسابيع بين منتصف يناير ونهاية فبراير 1991. بلغت تكلفة الحرب للحلف آنذاك 61 مليار دولار، ما يعادل نحو 140 مليار دولار بالقيمة الحالية.

يقرأ  رحلة إثيوبيا نحو إنشاء أكبر سدّ كهرمائي في أفريقياما الذي تطلّبته هذه الملحمة الهندسية؟

تم تمويل معظم الحرب أثناء تقدمها من مجموعة دول ضمت الكويت والسعوودية والإمارات العربية المتحدة وألمانيا واليابان، فوفرت معاً نحو 54 مليار دولار أي نحو 88% من التكلفة. كانت السعودية أكبر المساهمين بدفع 16.8 مليار دولار (حوالي 27% من التكلفة)، تلتها الكويت بمساهمة قدرها 16 مليار دولار (26%). وقدمت اليابان 10 مليارات دولار (16%)، وألمانيا 6.4 مليار دولار (10%)، والإمارات 4 مليارات دولار (6.5%)، وكوريا الجنوبية نحو 251 مليون دولار (0.5%). تغطّت الولايات المتحدة نحو 12% من التكاليف، أي حوالي 7.3 مليار دولار وفق أرقام البنتاغون في أوائل التسعينات.

ما بعد الحرب العالمية الثانية

اندلعت الحرب العالمية الثانية رسمياً بغزو ألمانيا لبولندا عام 1939 في سياق توسع نازي. وبعد أيام أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا. وكانت اليابان منذ 1937 في حرب ضد الصين، ثم هاجمت اليابان القاعدة البحرية الأميركية في بيرل هاربور عام 1941 ما جرّ الولايات المتحدة إلى الصراع.

انتهت الحرب عام 1945 باستيلاء القوات السوفياتية على برلين واستسلام ألمانيا، ثم بعد أسابيع ألقت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على اليابان ما أدى إلى استسلامها أيضاً.

بين 1948 و1951 نفذت الولايات المتحدة ما عرف بخطة مارشال، وقدمت أكثر من 13 مليار دولار كمساعدة اقتصادية لإعادة بناء الاقتصادات الأوروبية الغربية والحد من نفوذ الاتحاد السوفياتي. وفي المقابل دفعت اليابان وألمانيا تعويضات لاحقاً؛ فقد دفعت اليابان أكثر من مليار دولار في عقود الخمسينيات حتى السبعينيات لعدد من الدول الآسيوية عبر معاهدات ثنائية واتفاقيات تعاون اقتصادي، بينما دفعت ألمانيا عشرات المليارات كتعويضات، وإن لم يكن هناك رقم موحّد متفق عليه عالمياً. وعلى نحو منفصل تكفلت كل من اليابان وألمانيا بمصاريف كبيرة لصيانة القواعد العسكرية الأميركية على أراضيهما منذ الحرب: تنفق اليابان نحو 1.4 مليار دولار سنوياً، وتتحمّل ألمانيا أكثر من مليار دولار سنوياً على هذه القواعد.

يقرأ  إسرائيل تشنّ أحدث هجماتها ضدّ الحوثيين في صنعاء اليمنية

حرب أوكرانيا

بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا في شباط/فبراير 2022 عندما شنت روسيا غزواً واسع النطاق على جارته. وعلى الرغم من أنها لم تكن المحرّض الأولي، كانت الولايات المتحدة في بادئ الأمر الحليف الرئيسي لكييف، ووفرت دعماً عسكرياً كبيراً لمواجهة الهجمات الروسية. التزمت واشنطن بأكبر حزمة مساعدات إلى أوكرانيا بين 24 يناير 2022 و30 يونيو 2025 بقيمة 114.64 مليار يورو (نحو 134 مليار دولار)، منها 64.6 مليار يورو للمساعدات العسكرية، و46.6 مليار يورو للمساعدات المالية، و3.4 مليار يورو للمساعدات الإنسانية.

جاءت الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بمساهمات بنحو 63.19 مليار يورو، تلتها ألمانيا بـ21.29 مليار يورو، والمملكة المتحدة بـ18.6 مليار يورو، واليابان بـ13.57 مليار يورو. وفي الوقت نفسه ضغطت واشنطن على الحلفاء الأوروبيين لتزويد أوكرانيا بأسلحة وزيادة إنفاقهم الدفاعي، الأمر الذي ساهم في دفع مبيعات الأسلحة الأميركية إلى مستوى قياسي بلغ 318.7 مليار دولار عام 2024.

ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، سحب 99% من الدعم الأميركي، محوّلاً العبء المالي إلى الدول الأوروبية. وبدلاً من تقديم مساعدات مباشرة، باتت واشنطن تبيع السلاح لحلفاء أوكرانيا الأوروبيين؛ ففي يوليو مثلاً أبرمت الولايات المتحدة وألمانيا صفقة تتيح لألمانيا شراء منظومات صواريخ دفاع جوي أميركية الصنع—من ضمنها منظومات باتريوت—لجعلها متاحة لأوكرانيا. وفي الشهر نفسه أعلن ترامب أنه أقرّ مبيعات أسلحة لأوكرانيا بقيمة 10 مليارات دولار تدفعها حلفاء أوكرانيا الأوروبيون، وقال للصحافيين بعد أن أنفقت الولايات المتحدة مليارات منذ 2022: «نسترد أموالنا كاملة».

ويُظهِر مؤشر معهد كيل لدعم أوكرانيا أن المساعدات ظلت مستقرة بعد سحب معظم التمويل الأميركي لأن أوروبا ضاعفت تقريباً دعمها بنحو ثلثي الزيادة. في عام 2025 قدّمت أوروبا نحو 70 مليار دولار مساعدات عسكرية ومالية لأوكرانيا، بينما تراجع الدعم الأميركي إلى حوالي 400 مليون دولار.

أضف تعليق