بيروت، لبنان — في 24 مارس أعلن وزير الخارجيّة يوسف راغي أن سفير إيران في بيروت مُعلناً شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلَه حتى 29 مارس لمغادرة البلاد. لكن بعد يومين من انقضاء المهلة، لا يزال السفير محمد رضا شيباني متواجداً في لبنان.
الحادثة تأتي في سياق حرب إسرائيلية جديدة وغزو مستمر للأراضي اللبنانية، أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من ألف شخص ونزوح نحو 1.2 مليون مدني خلال شهر واحد. كما كشفت الأزمة عن انقسام سياسي عميق في البلاد بين مؤيّدين ومعارضين لحزب الله الشيعي الموالي لإيران، وأعاد جدل سلاح الحزب ودور إيران في لبنان إلى صدارة النقاش مع اتساع رقعة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإعادة حزب الله دخول المواجهة، وفق تقارير تشير إلى توجيهات من الحرس الثوري الإيراني.
«رفض السفير مغادرة البلاد يعكس صراعاً أعمق على الشرعية والسلطة»، قال عماد سلامي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية، لمراسل الجزيرة.
الحرس الثوري يملي التوجهات
بدأ نفوذ إيران في لبنان يتبلور منذ عام 1982، عندما ساعد الحرس الثوري في تشكيل حزب الله كرد فعل على الاجتياح والاحتلال الإسرائيلي. على مدى العقود التالية أصبح الحزب الفاعل الأقوى سياسياً وعسكرياً في البلاد، مدعوماً بمليارات الدولارات من طهران.
بلغ الحزب ذروة شعبيته عام 2000 عقب طرده للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، منهياً احتلالاً دام 18 عاماً. لكن انخراطه في حرب 2006 مع إسرائيل، ونشر مقاتليه في شوارع بيروت عام 2008، وتدخله في الحرب السورية دعماً لنظام بشار الأسد منذ 2011، وقمع متظاهرين خلال انتفاضة 2019، كلها عوامل أضعفت مؤيديه خارج قاعدته الأساسية.
عند دخوله مجدداً في مواجهة مع إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، كان لحزب الله أنصار قليلون خارج المجتمع الشيعي. وبحلول التوصل إلى وقف إطلاق نار مع إسرائيل في نوفمبر 2024، كان الحزب في أضعف حالاته سياسياً وعسكرياً، بعد أن خلفت المواجهات في لبنان آلاف القتلى، بينهم عناصر قيادية في الحزب.
مع تراجع قدرات حزب الله طالبت دول ومؤسسات دولية بتسليحه، وجعلت الحكومة اللبنانية برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام والرئيس جوزيف عون ذلك من أولوياتها. لكن تقارير تفيد بأن الحرس الثوري استثمر هدوء وقف إطلاق النار لإرسال عناصر إلى لبنان لمساعدة الحزب على إعادة هيكلته، ويذهب بعض المحللين إلى أن طهران أصدرَت أوامرٍ لإعادة حزب الله إلى الحرب في مطلع مارس.
اتهم رئيس الوزراء سلام الحرس الثوري بأنه «يدير العملية العسكرية في لبنان» وادّعى أن المجموعة الإيرانية أطلقت هجوماً باتجاه جزيرة قبرص المجاورة غرباً.
السفير يرفض المغادرة
بمقتضى الدور المنسوب للحرس الثوري، أعلن راغي شتاباً قرار إعلان شيباني شخصاً غير مرغوب فيه، ما ألغى الحصانة الدبلوماسية عنه وطلب منه مغادرة البلاد. دانيا عريسي، محللة في معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة، اعتبرت أن قرار الحكومة بطرد السفير «يمثل قراراً مفصلياً في السياسة اللبنانية نظراً للدور العميق لإيران ودعمها للمليشيات».
ورغم ذلك أعلنت وزارة خارجيّة إيران أن شيباني لن يغادر. يقف حزب الله إلى جانب إقامة السفير، وقد أدلى مسؤولون من الحزب خلال الأسابيع الماضية بتصريحات حادة في وسائل الإعلام المحلية توحي بأن الحكومة ستُجبر على التراجع عن قرارات نزع سلاح الحزب. «قرار مجلس الوزراء بنزع سلاح حزب الله دفع المجموعة إلى توجيه تهديدات صريحة بـ ’معاقبة‘ المعنيين»، قالت عريسي.
ومن بين داعمي شيباني أيضاً رئيس البرلمان نبيه بري، الذي بالرغم من تحالفه الطويل مع حزب الله، كان قد أيد في البداية قرار الحكومة حظر النشاط العسكري للحزب بعد عودته إلى الحرب في مارس.
«سلطة على الورق»
تعدّ الحرب على ايران وحملة حزب الله المتجددة، التي لا تزال تشن عشرات الهجمات وتخوض اشتباكات أرضية مع القوات الإسرائيلية داخل لبنان، عاملين يبدّلان معادلات القوى ويجعلان من الصعب تنفيذ نزع سلاح الحزب. إذ يظهر الحزب الآن أكثر ثباتاً وثقة سياسياً وعسكرياً عمّا كان عليه قبل عودته إلى القتال.
ويبدو أن ذلك مرتبط أيضاً بمآلات الأمور في إيران، حيث تبدو الحكومة هناك قادرة على الثبات رغم موجة اغتيالات وهجمات امتدت لشهر. أما شيباني فتبقى حمايته مضمونة ما دام داخل مقر السفارة الإيرانية، إذ لا يمكن توقيفه أو اعتقاله داخله.
يقول منتقدو حزب الله إن رفض الحكومة الإيرانية الامتثال لقرارات بيروت يقوض سلطة الدولة التي بدأت تتآكل منذ اندلاع الحرب. ويواصل كثيرون دعاوي نزع سلاح الحزب، لكن المحللين يرون أن ذلك بات أمراً بالغ الصعوبة في ظل مشاركته النشطة في قتال إسرائيل، خصوصاً على الأراضي اللبنانية.
«الدولة تؤكد سلطتها على الورق، لكنه واقعياً محدود بالانقسامات الداخلية وتنافس المطالب بالشرعية، وكل خطوة تختبر حدود منظومة تقاسم السلطة في لبنان»، اختتم سلامي حديثه.