رحلة أميرة عبر مناطق سيطرة قوات الدعم السريع
في مايو الماضي انطلقت أميرة في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر أحد أكثر الجبهات نشاطاً في السودان. كانت تقطن مدينة النهوذ في ولاية غرب كردفان عندما سيطرت عليها قوات الدعم السريع، فاضطرت إلى الخروج رغم أنها حامل في الشهر السابع.
تقول أميرة بصوت متهدج إن المستشفيات والصيدليات اختفت من المدينة، وأن التنقل أصبح شبه مستحيل وباهظ التكلفة: «لم يعد هناك مستشفيات، ولا صيدليات، وخفت إذا بقيت أكثر لن أجد مركبة تُخرجني. السفر صار صعباً للغاية وغالياً جداً.»
أميرة سجلت مذكرات صوتية أثناء فرارها، وقد أتاحتها مجموعة الحملات العالمية آفااز لبي بي سي. تواصلنا معها هاتفياً وهي الآن في العاصمة الأوغندية كمبالا، تنتظر ولادة طفلها.
منذ البداية كانت الرحلة مضطربة؛ فالمواصلات كلها كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها. عند صعودها وزوجها إلى شاحنة مغادرة للنهوذ، اندلع شجار بين مستأجر الشاحنة وسائق من عناصر الدعم السريع كان يبيع مقاعد إضافية. وسحب السائق بندقيته مهدداً بإطلاق النار، ما أحدث موجة ذعر بين الركاب. يروي بعض الشهود أن السائق كان في حالة سكر ويتعاطى الحشيش، فكان خطره مضاعفاً.
بعد أن انطلقوا محملين بالدهاء والحقائب، كانت الشاحنة مكتظة بما يقارب سبعين إلى ثمانين شخصاً، والأمهات متمسكات بما تستطيع اليدُ الإمساك به، والأطفال مربوطون بالأذرع لحمايتهم. الطريق وعرة ومليئة بالحفر ومجاري المياه، والمركبات تتعرض لتعطل متكرر.
وصلت المجموعة إلى الفولة، عاصمة الولاية، لكن أميرة لم ترد البقاء؛ فالجيش كان يقترب وبدأت تقارير عن استهداف أفراد ينتمون إلى مجموعات عرقية اعتُبروا موالين للدعم السريع، مثل البقارة والرزيقات. زوجها من إحدى هذه المجموعات رغم أن عمله في القطاع العام ودراسته للقانون لا علاقة لهما بالقتال. تقول أميرة: «يُستهدَف الناس بسبب جنسيتهم أو قبيلتهم فقط. هذا ما أخافني.»
اتهمت الأمم المتحدة القوات المسلحة وبعض الميليشيات الحليفة بارتكاب عمليات قتل خارج إطار القانون في الأراضي التي تستعيدها، فيما يرد الجيش بالإشارة إلى تجاوزات فردية من بعض الجنود. في المقابل، ينفي الدعم السريع استهداف المدنيين ويصف التقارير بأنها نزاعات قبلية.
طوال المسافة، فرض عناصر الدعم السريع أسعاراً تعسفية على الركوب واحتجزوا المسافرين عند نقاط تفتيش كل عشرين دقيقة تقريباً لابتزازهم، رغم وجود مرافقي حماية تابعين لهم على نفس المركبات. الغذاء والماء كانا نادرين وغالييْن.
في إحدى القرى، الحُجيرات، تمكنت المجموعة مؤقتاً من الاتصال بالإنترنت عبر جهاز ستارلينك تابع للدعم السريع، لكن الاتصال نفسه كان يحمل مخاطر؛ فكل ما يُشاهَد أو يُنقَل قد يؤدي للاشتباه والاعتقال إذا اعتبره أحد العناصر تأييداً للجيش. الطريق كانت تتخلله أعطال متكررة، وانفجر إطار شاحنة أثناء عبور غابة سنط، فترك الركاب عطشى ومرهقين. روت أميرة: «حسيت إني ممكن أموت هناك، لم أجد إلا بطانية فمددت عليها ونمت على الأرض. ذلك اليوم شعرت أنه سيكون نهايتي.»
لم يكن كذلك. استقل الزوجان في نهاية المطاف صندوق شاحنة محمّلاً بالخضار، ثم وصلوا إلى أبيي على الحدود حيث أبطأت الأمطار والانهيالات تقدمهم. كانت المركبة محملة ببراميل وقود تغوص كل مرة في الوحل، والملابس باتت مبللة والحقائب تالفة. بعد رحلة طويلة اجتازوا نحو 1300 كيلومتر وصولاً إلى جوبا، ثم حافلة إلى كمبالا حيث يقيمون الآن بأمان نسبي.
الأمان الجديد يحمل معه مرارة القلق؛ أميرة قلقة على عائلتها التي بقيت في السودان، وخائفة من الولادة الأولى بعيداً عن أمها: «أخشى المخاض لأن هذه أول تجربة لي، ولن تكون أمي بجانبي. سيكون معي صديقتي وزوجي فقط… كل شيء غير منظم ومربك جداً.» انخراطها كناشطة حقوقية للنساء ومعارضة ديمقراطية دفعها للعمل في غرف الاستجابة الطارئة، ما جعل مجموعتها واجهة اشتباه لدى الأجهزة الأمنية وعرّض بعض زملائها للاعتقال.
بالرغم من شهادات النهب والاغتصاب والتهم الموجهة ضد بعض عناصر الدعم السريع، يواصل الطرفان نفي ارتكاب جرائم حرب. أميرة ترى أن لا فرق بين الجانبين: «الجيش والاخرون، نفس الشيء: ينهبون ويعتدون.» انهما خيبة أمل مرّة بها أمل وحيد: وقف الحرب. تقول: «لو توقفت المعارك لن يكون الأمان كما كان سابقاً ولا نفس الناس ولا نفس الأماكن، لكن على الأقل ستتقلص القتل العشوائي، وسيظهر نوع من الأمن.»
أميرة تتطلع لولادة سليمة ولفترة يمكنها فيها التفكير بالعودة إلى أرضها مع طفلها، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل سيسمح لها السلام بالعودة؟ ان الأمل معقود ولكن المستقبل غير مؤكد.