بعد شهر من التريّث على الضفة، دخلت جماعة الحوثي اليمنية الصراع الإقليمي الدائر بين حليفها إيران وخصوميها الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن مشاركتها بقيت حتى الآن محدودة — فالهجوم المؤكد الوحيد حتى تاريخ 28 مارس استهدف إسرائيل — ولم تتوجه أصابعها نحو الملاحة في البحرالأحمر كما فعلت سابقاً بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة.
السؤال المركزي اليوم هو إلى أي مدى تنوي الجماعة المضي في هذا الصراع، مع وعيها بأنها تحرص على تجنّب مواجهة شاملة قد تستنزفها مادياً وبشرياً داخل اليمن. وللفهم الصحيح لا بدّ أولاً من تحديد مقدار الاستقلالية التي تحركت بها حركة الحوثي عن طهران عند قرارها الانخراط في العمليات.
تدل المعطيات على أن علاقة الحوثيين بإيران تقوم على شراكة غير متكافئة: تقدم طهران دعماً تقنياً وعسكرياً وسياسياً في إطار «محور المقاومة» الذي تقوده، بينما يحتفظ الحوثيون بهامش من المناورة يخضع لحساباتهم المحلية وطريقتهم في توظيف التصعيد الإقليمي لخدمة مشروعهم الداخلي في اليمن. ضمن هذا السياق تتقاطع قراراتهم مع مصالح طهران من دون أن تصبح انعكاساً مباشراً لسلوك حلفاء إيرانيين آخرين مثل حزب الله اللبناني أو بعض الفصائل العراقية الموالية لإيران، التي ترتبط ارتباطاً أوثق بآليات صنع القرار في طهران.
هذا الهامش لا ينفي عمق الارتباط؛ بل يبيّن كيفية إدارة الجماعة لهذا التنسيق لخدمة مشروعها الداخلي حيث تسيطر على صنعاء ومعظم شمال غربي البلاد. ومن حقّ للحوثيين أن يعود الفضل لإيران في توسّعهم العسكري بعد 2014 وبدايات الحرب اليمنية: تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2024 أشار إلى أن دعم الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وفصائل عراقية لعب دوراً فاصلاً في تحويل الحوثيين من حركة محلية محدودة إلى قوة منظمة ومسلحة بشكل مكثف. وبيّن التقرير أيضاً أن عناصر الحوثي تلقّوا تدريباً تكتيكياً وتقنياً خارج اليمن واستخدموا أنظمة أسلحة متقدّمة ساهمت في صعودهم العسكري في السنوات الأخيرة.
مع ذلك، لا يعني ذلك خسارة الحوثيين لاستقلاليتهم بالكامل. فهم، رغم محاذاتهم لإيران، يعتبرون أجندتهم اليمنية جزءاً محورياً من مشروعهم لا مجرد امتداد ثانوي لحسابات إيرانية. ولهذا ثمة اعتبارات داخلية وخارجية تقف أمامهم في كل قرار، من أهمها الآن كيفية تلقّي السعودية لخطواتهم، وتأثير تلك الخطوات على قدرتهم على الاستمرار كسلطة أمر واقع في شمال غرب اليمن لفترة مطوّلة.
ومن هنا يتفهم التأخير في دخول الحوثيين الرسمي إلى الحرب، وهو تأخير لم يرد لأنماط التردّد فحسب، بل كان نتيجة حسابات دقيقة للتوقيت والتكلفة.
تصعيد محسوب وتدريجي
تمنح المشاركة في الصراع الحوثيين فرصة إبراز ثلاثة أمور: أولاً، بقاؤهم عنصراً فعالاً ضمن المحور الإقليمي الذي تقوده إيران؛ ثانياً، رفع تكلفة الحرب الاقتصادية عبر الإيحاء بتهديد للملاحة في البحرالأحمر؛ ثالثاً، تحسين موقعهم السياسي على الصعيدين المحلي والإقليمي، لتقديم أنفسهم كلاعب إقليمي لا كسلطة محلية فقط.
في هذا الإطار قد تزيد الضربات المترافقة ضد إيران من أهمية الحوثيين؛ فكلما تعرّضت طهران لضغوط مباشرة على أرضها أو على بنيتها العسكرية والاقتصادية، ازداد احتياجها لأدوات تردّ بها على خصومها خارج حدودها. والحوثيون يملكون واحداً من أخطر هذه الأدوات بفضل موقعهم الذي يتيح تهديد الملاحة في البحرالأحمر ومضيق باب المندب — ممر ازداد أهميته منذ جعلت إيران العبور عبر مضيق هرمز أكثر صعوبة.
لقد ادرك الإيرانيون مسبقاً مدى الضرر الذي قد تسببه قيود على الشحن عبر هرمز للاقتصاد العالمي. وإعادة تكرار ذلك في باب المندب، بوابة البحر الأحمر، أمر مغرٍ سياسياً واستراتيجياً. وهكذا يصبح الحوثيون من بين الأدوات التي تمكّن إيران من تحويل مستوى الضغوط إلى ساحات أخرى في الإقليم حتى في ظل القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف على الأراضي الإيرانية أو حلفائها.
إلا أن استراتيجيتهم حتى الآن تعتمد على تحرّكات محسوبة. فقد أعلنوا دخولهم المعركة وشنّوا هجوماً على إسرائيل، لكنهم لم يستخدموا بعد كل الأدوات الضاغطة المتاحة لهم في البحر الأحمر. وتُظهر الخبرة السابقة أن هجمات الحوثيين دفعت شركات شحن كثيرة إلى تجنّب المسار، وأن القوى الغربية أنفقت مليارات الدولارات لحماية الملاحة دون أن تعيد الأوضاع إلى طبيعتها بالكامل، حتى مع استمرار الغارات الأمريكية والإسرائيلية على اليمن. لذلك لا يضطر الحوثيون بالضرورة إلى الدخول في حرب مفتوحة، بل يكفيهم الإبقاء على التهديد حاضرًا واللجوء إليه حين تقتضي حساباتهم توقيتاً مناسباً.
وإن التحوّلات الأخيرة في سوق الطاقة تزيد من جدية هذا التهديد؛ فمنذ تعطل جزء كبير من الصادرت عبر هرمز، زادت السعودية من اعتمادها على ميناء ينبع في البحر الأحمر، وارتفعت صادرات الخام إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً منتصف مارس مقارنة بمعدل يقارب 770 ألف برميل يومياً في يناير وفبراير، وفق بيانات نقلتها رويترز. وهذا التطور يضع حمولات اقتصادية إضافية على مسارات البحر الأحمر، ما يخدم أهداف الحوثيين وإيران معاً: الحوثيون يحقّقون ثقلهم الإقليمي ويظهرون قدرة الإضرار إذا ما استُهدفوا، وإيران ترسل رسالة مفادها أن الضغوط عليها في الخليج قد تُجابَ عنها في البحر الأحمر.
مخاطر الحوثيين
مع ذلك، يبدو أن الحوثيين لا ينشدون تصعيداً سريعاً وواسع النطاق. فهم يفهمون أن فتح جبهة بحرية واسعة قد يستدر ردّاً أمريكياً وإسرائيلياً أوسع، وقد يربك حساباتهم السياسية والعسكرية داخل اليمن في وقت لا تزال فيه الحرب في البلاد قابلة للاشتعال من جديد.
الحكومة اليمنية اليوم في أقوى وضع لها منذ سنوات، بعد قرار سعودي بدعمها في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، ما أتاح لها توطيد قواتها في جنوب وشرق اليمن ومحاولة تثبيت تلك المناطق تمهيداً للتحرّك نحو مناطق الحوثيين. وأي خطأ حسابي من الحوثيين قد يمنح الحكومة فرصة يمكنها استغلالها.
بناء على ذلك يبدو سلوك الحوثيين الراهن أقرب إلى تصعيد تدريجي: إعلان الدخول، رفع الجاهزية، إبقاء التهديد البحري حاضرًا، والانتظار حتى يراعي توقيت الاستخدام موازينهم الداخلية ومصالح طهران. تبقى علاقة الحوثي–إيران محصورة بين الاعتماد والذاتية؛ فقد ساهمت طهران بوضوح في بناء القوة العسكرية للحوثيين وربطهم بشبكة إقليمية أوسع، لكن الحوثيين لا يزالون يعملون ضمن هامش قرار يمنع اختزالهم إلى صورة معكوسة لبقية حلفاء إيران.
ومع ذلك لا يغيّر ذلك من حقيقة عمق العلاقة، وأن قرارات الحوثيين تتبلور داخل بنية متجذرة حتى حين تبدو أكثر استقلالية. لذا يمكن قراءة قرار الدخول إلى الحرب بأشكال متعددة: خدمة لإيران، رفع لوزنهم الإقليمي، وتحسين لموقعهم داخل اليمن. وما يزال السؤال المطروح في المرحلة المقبلة: إلى أي مدى يمكن للحوثيين وطهران الانتقال من تنسيق محسوب إلى تصعيد بحري أوسع قد يعيد تشكيل مجرى الحرب بأكملها؟