نظرة عامة:
غالباً ما يسقط نظام التعليم العام في مسار تقليص البشر إلى أدوار وأرقام، فيُقَلِّل من إنسانية المعلمين والطلاب على حد سواء، ويستدعي ذلك تحولاً نحو تعليم يقدّم الإنسان لا مجرد قياسات الأداء.
دخلت الصف لأول مرة وأنا في الثامنة عشرة كبديل طويل الأمد—جسم يملأ فراغاً؛ هكذا قيل لي—وحاملٌ معي أحدث وأقوى ما رافقني من ذكريات الطفولة داخل نفس منظومة التعيلم. تذكرت كم كان جوعي في المدرسة أمراً غريباً ومعزولاً: لم أرَ معلماً يأكل وجبة الغداء أمامي أو معي، سوى عيون تراقب خلف أيدي تغطي الفم؛ كأن الأكل عيب في الممارسة التربوية. ولدى دخولي الكافتيريا لأول مرة لاحظت أن كثيراً من تلاميذي في الصف السادس لم يرَ معلماً يأكل بينهم، إلا جالساً على طاولة في زاوية يراقب السلوك بشكل سلبي.
قررت أن أتناول غدائي معهم فقط، أتجول في الكافتيريا وأتبادل الكلام معهم أثناء الأكل. بسرعة صار سؤالهم اليومي «ماذا تأكل؟» أمراً طبيعياً، وكنت أرده عليهم بالمثل، وتحول الأكل إلى فعل جماعي يشدنا كبشر—ليس مجرد حاجةٍ بيولوجية نؤديها على مضض، بل لحظة نتطلع إليها نحن المعلمون والطلاب. بعبارة أوضح: أصبح ذلك شيئاً نتطلع إليه جميعاً كبشر.
يبنى النظام التعليمي الحالي على ما تسميه بيل هوكس «تشييء المعلمين»، لكن بنفس الشراسة يتم تشييء الطلاب كذلك؛ وهذا التيار ينساب طوال التعليم العام في أمريكا. كطالب كنت أُدرك بسرعة مدى إهمال زملائي—وأحياناً نفسي رغم تواصلي المتكرر—لإنسانية المعلمين: كانوا يُنظر إليهم كابِوَاتِ نور أو كآلات لقياس التحصيل عبر اختبارات ومعايير. وعندما دخلت المهنة كمعلم، كان مؤلماً أن أكتشف أيضاً مدى إهمال الزملاء لإنسانية الطلاب: يُعاملون كآخذين للاختبارات، كأرقام، كمؤشرات لنجاح النظام التعليمي.
واللافت أن المعلمين الذين لا يعترفون بإنسانية طلابهم يحظون بالمقابل بتفاعل أقل من هؤلاء الطلاب. المدارس ليست فراغاً مخصصاً للتعليم النظري فقط؛ فهي مصدر أساسي للدعم الاجتماعي والعاطفي للعديد من تلاميذنا، كما أنها توفر قدراً لا يستهان به من الإشباع الاجتماعي والعاطفي للمعلمين أنفسهم. ومع ذلك، كثيراً ما تُقدَّم إنسانية المعلمين والطلاب قرباناً أمام طموحات إحصائية؛ في عصر ما بعد الألفية يبدو الهدف الرئيس للتعليم العام ليس إشباع الفضول الفكري للطلاب بل إعدادهم كي يؤدّوا وفق معيار محدد ليلائم سوق العمل. والطلاب يميزون حين يُعامَلون كدرجات؛ إن لم يستطيعوا التعبير عن ذلك لفظياً، فإنهم يشعرون به.
التعليم كفعل إنساني يتطلب، كما ينبغي لأي بيداغوجيا حقيقية، عملية نزع ما تعلّمناه وخطوات إعادة تقييم لطريقة تعاملنا كمعلمين. مع بداية كل فصل دراسي تسمع عبارات مألوفة من زملاء المهنة—وخاصة المخضرمين منهم أو من اعتادوا على رؤية المدرسة كمكان عمل بارد—وأبرزها نداء «الاحترام»: «الطلاب لا يحترمون المعلمين». هذا القول يقوم على افتراضين: أن الأطفال ملقون بهم درس عميق في تقدير حجم العمل التربوي (وهذا غير صحيح)، وأن الأطفال ليسوا بشرًا بنفس الطريقة التي أنا فيها معلم (وهذا خطأ أيضاً). أنا مؤمن أن الطلاب لهم دين في الاحترام تجاه المعلمين؛ لكن ليس لأن المعلم حامل لشهادة أو لكونه بالغا، بل لأننا جميعاً بشر. وغياب الاحترام لدى الطلاب غالباً نتيجة فشل المعلمين في أن يكونوا نموذجاَ يُحترم—وبالطبع لا أتجاهل دور البيت هنا، لكن الانتظار أو الغضب على الواقع لن يغيّر شيئاً؛ نحوّل ذلك إلى ممارسة عملية أفضل.
كثير من المعلمين لا يدخلون الصفّ بقاعدة احترام حقيقية تجاه طلابهم، والطلاب يشعرون بذلك. وعندما نعجز عن معاملة الطلاب كبشر، نغذي حلقة من التشييء: إذ يُعامل الطالب كطالب فقط، فيطوّر في ذهنه نفس التمييز تجاه المعلم—المعلم بوابته التعليمية فقط، لا كإنسان متكامل.
لا يستطيع المعلم أن يتخلى عن دوره التشكيلي في حياة الطفل؛ فالأستاذ يبقى شخصية بالغة ومؤثرة وشكلية تكوينية، وأي اقتراح بخلاف ذلك ينبع من سوء فهم مقصود لدور التعليم العام في المرحلة الابتدائية والثانوية. فكّروا بالجسد داخل الصف: متى كانت آخر مرة رآكم طلابكم تتناولون وجبة كاملة أمامهم؟ متى رأوكم تعتنون باحتياجات أجسادكم؟ ماذا تُدلّون لهم عندما يتعلق الأمر بمظهر الجسد والعناية الذاتية؟ هل تشربون ماءً كافياً؟ هل تتناولون وجبات متوازنة تُغذيكم؟ هل تستخدمون الحمام عند الضرورة—وإن لم تكن هناك تغطية كافية من الطاقم، هل تذكرتُم المطالبة بذلك؟ وعند ذكر مواضيع مثل الجنس أو الصحة الإنجابية، هل تصمتون أو تُبدِّلون الموضوع؟ كيف تَعلِّمون بالخجل أو باللوم عن الأجساد؟ ما الرسائل التي ننقلها بصمتنا أو بردود فعلنا تجاه أجسامٍ في طور النمو؟
هذا هو قلب التشييء في المدارس: ليس فقط أن المعلمين يشَيِّئون الطلاب أو أن الطلاب يشَيِّئون المعلمين، بل أن كلا الطرفين يُعلَّم ضمنياً تشييؤ ذاته.
مع انتشار مناهج النسوية في الثقافة الأمريكية خلال نصف القرن الماضي، يظل من الصادم استمرار ازدواجية تطبيق قواعد الملابس المدرسية: نظام يضغط على الفتيات ليجعلن من أنفسهن موضوعات، ويعلّم الأولاد أن يمعنوا في تشييئهن. تلك السلوكيات ليست أموراً جامدة؛ «الانشغال» الذي يُستدعى لتبرير قواعد اللباس غالباً ما يكشف عن خلل أعمق—نحن في الواقع نعلم الأولاد كيف يتعاملون مع أجساد الفتيات كأشياء، وفي الوقت نفسه نُدرّبهم على اعتبار أجسادهم امتدادات للرغبة أو كوسيلة للقبول الاجتماعي. ومشكلة الحمامات—حيث تُحدُّ حركة التلاميذ—تؤدي إلى تشجيعهم على تجاهل احتياجاتهم الجسدية، وكذلك تغييبنا نحن كنماذج لممارسات صحية. أما الطعام فلا يختلف: عندما لا نُظهِر عادات أكل صحية—ليس بمعنى قيود دايتية، بل كوجبات متكاملة منتظمة تُشعر الجسم بالرضا—نلعب دوراً في تنشئة اضطرابات غذائية تنتشر سريعاً بين الشباب.
في خضم هذا الاضطراب السياسي وتزايد العداء تجاه التعليم والثقافة، فإن إدراك إنسانية طلابنا ومعلمينا سيكون من أعظم الموارد التي يمكن أن نحملها كمربين. معظم طلابنا لا يشعرون بأنهم مسموعون أو مرتبطون، وهذا—إذا كان الأداء هو كل همنا—يؤثر سلباً على نتائجهم. لكن القضية أعظم من ذلك: ما غاية المعلمين فعلاً؟ نعم، نحن نُسهم في مجتمع مُستنير ومُطَّلع، لكن في عصر تفكك العلاقات وتشييء الأفراد عبر الخوارزميات وسوق عمل آلي قاسٍ، يجب أن يكون هدف المعلم أولاً أن يكون حضوراً حنوناً ورعايةً نموذجية، دليلاً على الشكل الذي يجب أن يكون عليه البالغون الذين يستحقّ الطالب أن يحيط نفسه بهم لاحقاً.
إذا أردنا تلاميذاً متجاوبين وحاضرين ذهنياً في الصف، فعلينا أولاً أن نعترف بإنسانيتهم وبإنسانيّتنا نحن أيضاً. هذه خلاصةٌ ومقترحٌ لعدسة يمكن من خلالها الاقتراب مجدداً من التعليم: تعليم بوصفه فعل إنساني مدرك—ممارسة وعي في زمن الفوضى.