مكالمة مسرّبة تُطيح بمسيرة رئيس وزراء تايلاند

أصدرت المحكمة الدستورية في تايلاند حكماً أعاد إبعاد رئيسة الوزراء بايتونغترن شيناواترا من منصبها، وهو قرار يأتي في سياق طويل من تدخلات قضائية أثّرت بعمق على مسار الحكم في البلاد. الهيئة المكوّنة من تسعة قضاة معينين اعتبرت أن مكالمة هاتفية جرت في يونيو بين بايتونغترن وزعيم كمبوديا المخضرم هون سين تضمنت خروقات للمعايير الأخلاقية، بعدما سرب الأخير محتوى المحادثة.

في التسجيل بدا أن بايتونغترن تحاول إظهار موقف توافقي تجاه هون سين بشأن نزاع حدودي بين البلدين، كما انتقدت خلال الحديث أحد قادتها العسكريين. دافعت عن نفسها قائلة إن الهدف كان فتح نافذة دبلوماسية مع صديق قديم للعائلة، وأن المحادثة كانت يجب أن تبقى سرية، لكن التسريب ألحق ضرراً سياسياً بالغاً بها وبحزب فوه تاي الذي تقوده تحالفياً.

الأزمة أدت إلى انسحاب أكبر شركائها في الائتلاف الحكومي، ما تركها بأغلبية هشة، وفي يوليو أيد سبعة من أصل تسعة قضاة تعليق عملها، ما أوحى بأنها ستواجه مصيراً مماثلاً لسلفها. وبالفعل لم تكن الإقالة مفاجأة بالنسبة للمراقبين السياسيين.

بايتونغترن هي خامس رئيس وزراء تُقاله هذه المحكمة، وجميعها من حكومات كانت تحظى بدعم عائلة شيناواترا. هذا النمط عزز الاعتقاد المتداول في أوساط تايلاندية متعددة بأن المحكمة تميل غالباً ضد من يُنظر إليهم كتهديد من قبل قوى محافظة وموالية للعرش.

الهيئة القضائية لم تكتفِ بذلك؛ فقد أصدرت قرارات بحظر 112 حزباً سياسياً، من بينها تشكيلات سابقة لحزب فوه تاي وحركة الإصلاح التي فازت في انتخابات 2023 والمعروفة باسم “موف فورورد”. قلّة هي الدول التي تشهد رقابة قضائية بهذا الحجم على الحياة السياسية.

سبّب تسريب المكالمة أزمة سياسية تضاعفت حدتها عندما تصاعد التوتر الحدودي مع كمبوديا وأدى الشهر الماضي إلى اندلاع قتال استمر خمسة أيام وأسفر عن مقتل أكثر من أربعين شخصاً. غير واضح ما الذي دفع هون سين إلى إفشاء الصداقة مع عائلة شيناواترا، لكنه وصف تعليق بايتونغترن بأنه إهانة لم يسبق لها مثيل، وأنه مضطر لكشف “الحقيقة” — خطوة قلبت المشهد الداخلي التايلاندي.

يقرأ  أذكى، أسرع، أفضل٢٥ أداة ذكاء اصطناعي للتعلّم والتطوير

ينص الدستور الآن على أن يختار النواب رئيس وزراء بديلًا من قائمة مرشحين محدودة سبق أن رشّحتها الأحزاب قبل الانتخابات. وكان على كل حزب تسمية ثلاثة مرشحين؛ وقد استنفد فوه تاي اثنين من مرشحيه بعد قرار إقصاء سريتا ثافيسن العام الماضي. المرشح الثالث الحالي هو تشايكاسم نيتيسيري، وزير سابق ووجه حزبي موثوق لكنه ذا حضور عام ضعيف وصحته متدهورة. البديل المحتمل هو أنوتين تشارنفيراكول، وزير الداخلية السابق الذي يقود حزب بهومجايثاي والذي انسحب من الائتلاف بحجة التسريب.

العلاقات بين الأحزاب المعنية مشدودة، وأنوتين إن أراد تشكيل حكومة سيعتمد بالضرورة على فوه تاي الحاصل على كتل نيابية أكبر، وهو سيناريو لا يوحي بالاستقرار. أكبر كتلة برلمانية حالية، المؤلفة من 143 نائباً الذين كانوا عضواً في “موف فورورد” قبل حلّه وتشكلهم لاحقاً كحزب الشعب، أعلنت أنها ستبقى في المعارضة ولن تلتحق بأي ائتلاف إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

منطقياً تبدو الانتخابات المبكرة مخرجاً طبيعياً من هذا المأزق، لكن فوه تاي يسعى لتجنّبها. بعد سنتين في السلطة لم تتمكن حكومتهم من الوفاء بوعود اقتصادية مركزية: مشروع المحفظة الرقمية الذي كان سيضع 10,000 بات في حساب كل مواطن بالغ توقف، وتعرّض لانتقادات باعتباره غير فعال، كما أنّ خطط فتح كازينوهات أو تنفيذ مشروع “جسر بري” يربط المحيطين الهندي والهادئ لم تحرز تقدماً يُذكر.

في ظل تصاعد القومية التايلاندية بسبب الصراع الحدودي، غذت صداقة عائلة شيناواترا القديمة — وإن تكسّرت الآن — مع هون سين الشكوك لدى الأوساط المحافظة بأنّ مصالح العائلة التجارية قد تتقدّم على مصلحة الوطن. تراجعت شعبية الحزب بدرجة كبيرة، ومن المتوقع أن يخسر عدداً لا بأس به من مقاعده البالغة نحو 140 مقعداً لو جرت انتخابات الآن.

يقرأ  رئيس الوزراء: إيران تقف وراء هجمات معادية للسامية في أستراليا

خلال أكثر من عقدين كان هذا الحزب قوة انتخابية لا تُقهر تسيطر على المشهد السياسي، لكن العودة إلى تلك المكانة تبدو الآن أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. السياسه التايلاندية تبدو رهينة مؤسسات قضائية وفُرَقا سياسية متصارعة، فيما تزداد شعوب المنطقة قلقاً إزاء تصاعد حدة الصراعات الإقليمية وتداعياتها على الاستقرار الداخلي.

أضف تعليق