شنّت القوات الإسرائيلية موجة من الغارات الجوية على لبنان يوم الأربعاء، أسفرت عن مقتل أكثر من 250 شخصاً — أفظع يوم منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل نحو ستة أسابيع. وأكدت تل أبيب الخميس أنها قتلت أيضاً مساعد نافع قاسم، نائب أمين عام حزب الله، خلال تلك الضربات.
الهجمات جاءت بعد ساعات فقط من الإعلان عن هدنة مؤقتة مدتها أسبوعان بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أثار آمالاً في خفْض التصعيد على جميع الجبهات في حرب امتدت عبر المنطقة. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف — الذي لعبت حكومته دور الوسيط — إن اتفاق الهدنة يشمل وقف العمليات في جميع الجبهات، وذكر لبنان صراحة كمجال ينبغي أن يتوقف فيه القتال. كما أكدت طهران أن الهدنة تمتد الى لبنان ودعت واشنطن لفرضها.
إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل قدمتا تفسيراً مختلفاً، مدّعيتين أن وقف الأعمال العدائية يقتصر على تبادل الضربات بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الهجمات الإسرائيلية على لبنان قضية منفصلة. هذا التباين في القراءات كشف عن خلافات عميقة وخلط في الجغرافيا والتزام الأطراف، وأشعل مخاوف من أن ينهار الاتفاق قبل أن تبدأ مفاوضات تسوية دائمة مقررة في إسلام آباد اعتباراً من الجمعة.
تفاصيل الضربات وأعداد الضحايا
في الساعات التي أعقبت إعلان الهدنة شنت إسرائيل أوسع سلسلة غارات منذ الثاني من مارس، مستهدفة أكثر من مئة هدف في أنحاء لبنان. وأفاد الدفاع المدني اللبناني بمقتل ما لا يقل عن 254 شخصاً وإصابة 1,165 آخرين في هجمات على بيروت، وسهول البقاع، وجنوب البلاد، شملت مناطق مأهولة بكثافة سكانية. ودعا نقيب الأطباء إلياس خليلة في بيان خطي “كافة الأطباء من كل التخصصات” إلى التوجه فورا الى أقرب مستشفى لتقديم المساعدة، فيما ناشد أحد أكبر مستشفيات بيروت للتبرع بأنواع الدم كافة.
ووصفت الأمم المتحدة أرقام الضحايا بـ«المروعة»، واعتبر مفوضها لحقوق الإنسان فولكر تورك الدمار «فظيعاً». من جهتها، زعمت إسرائيل — من دون أن تقدم أدلة علنية — أنها كانت تصيب بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، بينما تحدث مسؤولون لبنانيون ومنظمات إغاثية عن أحياء كاملة جُرفت، مستشفيات ممتلئة وخدمات طوارئ تكافح لتلبية الاحتياجات.
ووصف رئيس مجلس النواب نبيه بري القصف على المناطق المأهولة بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، قائلاً: «جريمة اليوم تزامنت مع إعلان اتفاق الهدنة في المنطقة — اتفاق فشلت إسرائيل وآلتها السياسية والأمنية في الالتزام به».
ردود الفعل الدبلوماسية
الخلاف الدبلوماسي الرئيسي حالياً يتمحور حول ما إذا كان لبنان مشمولاً بالهدنة، إذ قدمت طهران وواشنطن وتل أبيب ووسطاء باكستانيون تفسيرات متباينة لما جرى الاتفاق عليه. في منشور على منصّة X كتب شريف: “يسرني أن أعلن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية، مع حلفائهم، اتفقوا على هدنة فورية في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، سارية المفعول فوراً.” واستندت طهران إلى هذا الإعلان في مطالبتها بتنفيذه على كامل الجبهات.
وردّ وزير الخارجية عباس عرقجي مستنكراً أن على الولايات المتحدة «الاختيار بين الهدنة أو استمرار الحرب عبر إسرائيل»، مضيفاً أن الكرة الآن في ملعب واشنطن. وحذر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، من أن استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان قد يقوّض الاتفاق ويؤدي إلى تصعيد أكبر.
على النقيض، أكدت مسؤولية أميركية عليا أن الهدنة الهشة لا تشمل لبنان. وعندما أعلن ترامب الهدنة لمدة أسبوعين مع إيران قال إنها تضمنت «وقفاً كاملاً وشاملاً للأعمال العدائية» بين واشنطن وطهران، لكنه أوضح لاحقاً أن لبنان «اشتباك منفصل». وكرر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن الإيرانيين ربما اعتقدوا أن الهدنة تشمل لبنان «لكنها لم تكن كذلك».
واتخذت إسرائيل ذات الموقف؛ إذ صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن الهدنة «لا تلزم إسرائيل في لبنان» وأن العمليات ضد حزب الله ستستمر.
لماذا تصر إيران على إدراج لبنان؟
تبرز أهمية لبنان بالنسبة لطهران بكون حزب الله أقوى حليف إقليمي لواشنطن — عفواً — لإيران، وجزءاً محورياً من «محور المقاومة»، شبكة من الفصائل المسلحة المنتشرة في المنطقة والمتحالفة مع طهران ضد إسرائيل، بما في ذلك الحوثيون في اليمن ومجموعات مسلحة في العراق. وشارك حزب الله في الاشتباك بعد أن قتل الجيش الإسرائيلي — وفق النص — المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في هجماته الأولى على طهران في 28 فبراير. قبل ذلك، لم يشنّ الحزب هجمات ضد إسرائيل منذ دخول هدنة نوفمبر 2024 حيز التنفيذ، رغم الانتهاكات الإسرائيلية شبه اليومية للاتفاق.
ومن بين مطالب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب على إيران مطالبة طهران بوقف دعم حلفائها الإقليميين مثل حزب الله. واستبعاد لبنان من صفقة الهدنة قد يضعف—على حد تعبير محللين—استراتيجية دفاعية إيرانية تقاوم منذ عقود، ويزيد من مخاطر انتقال الصراع لمراحل أوسع في المنطقة. إذا استمر استهداف حزب الله في الوقت الذي توقفت فيه الهجمات على ايران، فقد تفقد طهران كلتا ورقتَي نفوذها: حليف مضعف ومصداقيتها داخل شبكة الجماعات المقاومة.
بل إن السماح لحليف حاسم أن يُقصف دون أن تتدخل طهران لمساندته — لا سيما بعد أن بادر هذا الحليف بالدفاع عنها — سيُترجم عمليًا إلى ما طالبت به الولايات المتحدة: تضعيف الروابط مع حزبالله.
لذلك يرى محلّلون أن استمرار الغارات الإسرائيلية في لبنان يشكّل أكبر تهديد لآفاق اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وصف أندرياس كريج، أستاذ في كلية كينغز بلندن، لبنان بأنه «كعب أخيل» لوقف إطلاق النار. «قد تُجبر إيران على الرد على إسرائيل للحفاظ على توازن الردع وإظهار أن إيران شريك أمني موثوق لحزب الله»، قال كريج للجزيرة.
وأضاف: «ستحاول إسرائيل أن تختبر إيران حيثما تستطيع لتمحيص عزمها».
ماذا قالت القوى العالمية الأخرى؟
تركّزت الردود الدولية في المقام الأول على إدانة حجم الهجمات الإسرائيلية على لبنان والمطالبة بإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار.
ووصفت عدة دول الهجمات بأنها «تصعيد خطير». وأدانت قطر ما وصفته بـ«سلسلة وحشية» من الغارات وحثّت المجتمع الدولي على التحرك.
ورأت مصر أن هذه الهجمات تكشف عن «نية مبيتة» من إسرائيل لتقويض جهود خفض التصعيد في المنطقة، بينما حذرت تركيا من أن الاعتداءات الإسرائيلية تُفاقم الوضع الإنساني في لبنان ودعت إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية المدنيين.
في منشور على منصة X، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن ازدراء نتنياهو للحياة وللقانون الدولي «لا يُطاق».
كما دانت فرنسا الهجمات وطالبت بإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر للـBBC إن لبنان يجب أن يُدرج أيضًا في وقف إطلاق النار — وهو الموقف الذي من المتوقع أن تؤكده في خطاب باسمها في مانشن هاوس لاحقًا يوم الخميس — ووصفت استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بأنه «خاطئ تمامًا».
قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان إن «النشاط العسكري المستمر في لبنان» يشكّل «خطرًا جسيمًا» على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
لقد نزح أكثر من 1.2 مليون شخص في البلد الممزق بالحرب منذ بدء الهجمات الإسرائيلية على لبنان.