قال وزير الطاقة التركي إن الأزمة في مضيق هرمز، الناجمة عن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تُبيّن الحاجة الملحّة إلى تنويع مسارات الطاقة وستدفع العالم نحو بناء هيكل طاقي جديد.
في مقابلةٍ حصرية مع قناة الجزيرة عربية، شدّد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألبَرْسْلان بايراكطار على آثار الأزمة التي تسبّب بها إغلاق المضيق كرد فعل من إيران، واصفاً الأزمة الحالية بأنها «أمّ الأزمات».
أوضح بايراكطار أن تركيا، بفضل استثماراتها الكبيرة في قطاعي الطاقة والبنى التحتية وموقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا ووجود احتياطيات نفط وغاز في محيطها الإقليمي، أصبحت بلداً محورياً في مجال الطاقة، لا سيما لاحتضانها خطّي أنابيب رئيسيين: «بلو ستريم» و«توركستريم».
كما أشار الوزير إلى أن أنقرة مؤهّلة لمواجهة آثار الأزمة لأنها تمتلك مخزونات طاقة استراتيجية كافية، إذ تبلغ مرافق تخزين الغاز لديها نسبة تعبئة تصل إلى 72% مقارنةً بأوروبا التي لا تتجاوز 28%.
مع ذلك، لفت بايراكطار إلى أن ارتفاع تكلفة النفط والغاز ما يزال يشكّل عبئاً على الميزانية العامة للدولة، مبيناً أن زيادة دولار واحد في سعر برميل النفط تكلف أنقرة نحو 400 مليون دولار.
فيما يلي نص المقابلة مع وزير الطاقة التركي—محرّر اختصاراً وتوضيحاً:
الجزيرة: منذ 28 فبراير، يعاني العالم من تبعات التوتر في منطقة الخليج ومضيق هرمز. كيف تقرأون الوضع الحالي في ما يتعلق بإمدادات الطاقة وأمنها؟
بايراكطار: نحن نمر بما يمكن تسميته «أمّ الأزمات». شهد العالم خلال الخمسين عاماً الماضية أزمات نفطية متعدّدة، مثل أزمة ما بعد جائحة كوفيد-19 والأزمة الناتجة عن الحرب الأوكرانية-الروسية، لكن هذه الأزمة تبدو الأكبر من بينها. ومع ذلك، يمكن القول إن العالم صار أكثر مناعة أمام مثل هذه الأزمات؛ بالنظر إلى العقدين الماضيين، تبدو الأزمات وكأنها الوضع الطبيعي الجديد.
الواقع الحالي هو أن العالم يحتاج إلى 103 مليون برميل نفط يومياً، لكن الإمداد محدود حالياً بسبب إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد أهم ممر عبور للنفط في العالم. هناك عجز يقارب 20 مليون برميل، والعالم يبحث عن حلول.
مع بدء وقف إطلاق النار اليوم [الأربعاء]، ازداد املنا في تحسّن الوضع، إذ بدأت أسعار النفط في الانخفاض، ومن المتوقع أن تتحسّن الأوضاع أكثر مع استئناف الملاحة في المضيق. أملنا أن نصل إلى سلام دائم.
الجزيرة: كيف قد تغيّر هذه الأزمة خارطة إمدادات الطاقة؟
بايراكطار: مركز الأزمة هو مضيق هرمز، وهناك أمران أود الإشارة إليهما في هذا المجال.
الأول: خط أنابيب بالغ الأهمية في السعودية ينقل نفطها من الشرق إلى الغرب. بفضله، تستطيع المملكة نقل جزء كبير من نفطها إلى البحر الأحمر ومن ثم إلى الأسواق العالمية.
الثاني: خط أنابيب في الإمارات ينقل 1.8 مليون برميل إلى ميناء الفجيرة.
تخيّلوا لو لم تكن هذه الخطوط موجودة؟ أقول ذلك لأن التنويع بات أهم من أي وقت مضى—بدونه لكانت الكارثة أكبر بكثير. الدرس المهم هنا أن الأزمة تلزمنا بالانتقال إلى هندسة طاقية جديدة.
الجزيرة: كيف ترى انتشار الصدمة حالياً من حيث السرعة والتأثير؟ وهل ثمّة احتمالٌ لتفاقمها؟
بايراكطار: آمل ألا تتفاقم الأزمة، وفي الوقت الراهن يتوقع الجميع أن تتوقف عند حدّ ما، ووقف إطلاق النار عزّز هذا التوقّع.
الصدمة تظهر بصورة مختلفة في الشرق عنها في الغرب. في الغرب يُلاحَظ تأثير على الأسعار حالياً، أما في الشرق فتوجد أيضاً مشكلات في الإمداد، بمعنى أن هناك معضلات متعلقة بالإمدادات والأسعار معاً.
العالم بدأ يشعر الآن بالأثر الاقتصادي للأزمة. ربما لا يبدو أن هناك مشكلة إمداد في الغرب هذه اللحظة، لكن ارتفاع الأسعار أثر على الجميع.
لو أردت شراء شحنة للتسليم الفعلي اليوم، فستدفع حوالى 140 دولاراً للبرميل، وقد يرتفع هذا السعر إلى 200 دولار في السيناريو الأسوأ. في مثل هذا السيناريو قد يدخل الاقتصاد العالمي في ركود جديد، مع تقلص اقتصادات وطنية وارتفاع هائل في معدلات التضخّم. للأسف، نهاية هذا الوضع قد تكون مدمّرة للعالم بأسره. لذا يتمنى الجميع انتهاء هذه الأزمة بأسرع ما يمكن، ونحن نأمل أن يقود وقف إطلاق النار إلى سلام دائم.
الجزيرة: هل يمكن القول إن تركيا تتقدّم بسرعة نحو أن تصبح ممرّاً بديلاً للطاقة؟ وهل تعزّز بذلك هدفها في أن تصبح مركزاً للطاقة؟
بايراكطار: أود أن أبدأ بالإشارة إلى أن أمن الطاقة له ثلاثة أبعاد: أمن الإمداد، أمن الطلب، وأمن النقل. ماذا أقصد بذلك؟ في بلدٍ مثل تركيا، الذي يعتمد، شأن أوروبا، على مصادر خارجية للطاقة، يصبح أمن الإمداد قضية أساسية. أما دول مثل السعودية وقطر والإمارات فتركيزها ينصبّ على أمن الطلب.
على سبيل المثال، شهدنا خلال جائحة كورونا أن بعض الدول أعلنت أنها لن تشتري النفط، فبات أمن الطلب مسألة حيوية لها.
الآن يطرأ سؤال مهم يتعلق بأمن الطاقة: هناك طلب وهناك إمداد، لكن هل هناك أمن في النقل؟ مضيق هرمز مغلق، ولا يوجد نقل.
دول كالسعودية وقطر والإمارات تقول «ننتج والإمدادات جاهزة»، بينما المشترون في آسيا ينتظرون قائلين «أرسلوا الغاز»، لكن الإمدادات لا تستطيع الخروج من مضيق هرمز. جوهر حديثي هو أن جميع أبعاد أمن الطاقة ذات أهمية حاسمة ولا تحتمل الإهمال.
في تركيا، قمنا على مدار سنوات باستثمارات ضخمة في البنية التحتية: شبكات أنابيب، منشآت تخزين، واستراتيجيات تنويع مصادر الإمداد. هدفنا الأساسي تأمين احتياجات الطاقة في بلد يضم 86 مليون نسمة و34 مليون مركبة تعتمد على الكهرباء، لذا تُوجَّه استثماراتنا في المقام الأول لتلبية هذه الحاجة الحيوية.
وبفضل هذه الاستثمارات، وموقعنا الجغرافي، ووفرة احتياطيات نفط وغاز ذات مستوى عالمي في منطقتنا، أصبحت تركيا دولة محورية إقليمياً. لدينا خطان رئيسيان للغاز من روسيا، بلو ستريم وتورك ستريم، كما أن أمامنا نقطتا دخول للغاز: واحدة من أذريبيجان وأخرى من إيران. أنشأنا مرافق تخزين للغاز في مواقع متعددة، وعزّزنا قدرة خطوط الاتصال الأوروبية، وبدأنا مؤخراً توريد الغاز إلى سوريا عبر منطقة كيلس. ومن خلال شراكات متكاملة مع جيراننا، استثمرنا بكثافة في بنى تحتية للكهرباء والغاز والنفط.
يمكن لهذه البنية التحتية الآن نقل نحو 80 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا عبر البحر أو عبر الشبكات البرية. قدرتنا على الاستيعاب تفوق الاستهلاك المحلي، وهذا الفائض يتيح لنا تسويقه لجيراننا ومن ثم إلى أوروبا عبر بلغاريا واليونان. وبما أن هذه المنطقة بحاجة ماسة للغاز، فإن ذلك يضع تركيا أوتوماتيكياً في موقع مركزي بالنظام الطاقي الإقليمي.
في ظل الأزمة الراهنة، نؤكد على ضرورة إعادة هيكلة منظومة الطاقة الإقليمية وفتح خطوط إمداد جديدة تكون قابلة للتطبيق تقنياً وتجارتياً. لدينا ثلاث مقترحات عملية:
– نقل غاز تركمانستان عبر بحر قزوين إلى تركيا وأوروبا، مشروع ناقشناه سنوات ويعد ضرورياً لا غنى عنه.
– مد خط أنابيب النفط الحالي بين العراق وتركيا وصولاً إلى البصرة، وهو أمر ذو أهمية حيوية لتركيا والعراق والأسواق العالمية.
– إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى تركيا يمر عبر السعودية والأردن وسوريا، مشروع هائل وضروري ومجدٍ تقنياً وتجارتياً.
الأهم أن يتجه العالم والمنطقة إلى تنويع البنى التحتية للطاقة، وتنفيذ مشاريع بنيوية متنوعة لتخفيف حدة الأزمة التي نعانيها عالمياً.
من الناحية الاقتصادية، زيادة سعر برميل النفط بدولار واحد تُكلفنا نحو 400 مليون دولار، ما يعني أعباء مالية هائلة لبلد كبير يستهلك قدراً كبيراً من الطاقة. إذا استقرت أسعار النفط هذا العام عند متوسط نحو 100 دولار، فسيبلغ العبء الإضافي على تكاليف النفط والوقود ما بين 13 و14 مليار دولار، بينما قد تصل تكاليف الغاز بين 7 و10 مليارات دولار. هذه أرقام تمثل عبئاً إضافياً على تركيا.
حالياً لا نرى مخاطر فورية أو متوسطة الأمد بحسب الوضع الراهن، لكن لايمكن التكهن بمدة هذا الوضع أو بحدوث تطورات جديدة أو تخفيضات إضافية في الإمداد. نعتقد أن تحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم وعودة الأسعار إلى مستويات معقولة سيقلّص التأثيرات إلى حد كبير.
أما الاحتياطات الاستراتيجية وخطط الطوارئ: فنسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز لدينا حوالي 72% مقابل نحو 28% فقط في أوروبا، ونحن نواصل الملء مع مراعاة أمن الإمداد وكلفة الأسعار وتأثيرها الاقتصادي. وبالنسبة لمخازن النفط الخام، فهي ممتلئة بأكثر من 50% حالياً، ويمر عبر مضيق هرمز نحو 10% تقريباً من احتياجاتنا النفطية، وهي نسبة يمكن إدارتها.