إسرائيل تسعى إلى تغيير الهوية الدينية للقدس — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

في يوم السبت المقدس، بينما حاول مسيحيون فلسطينيون الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس، شرعت قوات الأمن الإسرائيلية بمهاجمتهم واعتقالهم. وفي اليوم التالي، عيد الفصح الأرثوذكسي، اقتحم وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتامار بن غفير وأنصاره باحة المسجد الأقصى، وصَلّوا فيها على الرغم من الحظر المفروض على أداء طقوس غير إسلامية داخل الحرم.

تأتي هذه الحوادث بعد إغلاق غير مسبوق استمرّ لأربعين يوماً لكل من الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة بذريعة «السلامة» خلال ما سمّي بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. ونتيجة لذلك لم تُؤدَّ صلوات الجمعة ولا صلوات عيد الفطر في الأقصى، ومنُع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس، وشخصيات دينية أخرى من الوصول إلى كنيسة القيامة يوم أحد الشعانين لقيادة الصلوات.

بات واضحاً أن إسرائيل لا تخرق «الوضع القائم» عرضاً فحسب؛ بل تسعى فعلياً إلى فرض قواعد جديدة تقصّر فيها صلاحيات العبادة الإسلامية والمسيحية وتخضعها لهيمنة كاملة من جانبها. ومهما ادّعى مسؤولون إسرائيليون من مساواة، فإن تحويل القدس إلى تحت سياادة إسرائيلية لن يضمن عدالة حقيقية، بل سيشرعن تجاهلاً عميقاً للشعب الفلسطيني وتراثه الإسلامي والمسيحي.

في جوهر الأمر، تنظر قوة الاحتلال لتواجد الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين كمجرد «مقيمين» لا كشعب له جذور عريقة في المدينة وحق في تقرير المصير؛ وجودهم يتناقض مع الرؤية الصهيونية التي تصوِّر القدس مدينة يهودية حصرية.

الوضع القائم

منذ القرن السادس عشر، نظم «الوضع القائم» الحياة الدينية في القدس عبر اتفاقات عثمانية ترسّخ حقوقاً وترتيبات تاريخية. ثم اعترف به معاهدة باريس (1856) التي أنهت حرب القرم، واتفاقية برلين (1878) التي حسمت خسائر العثمانيين في البلقان. كان الوضع القائم سارياً عند صدور وعد بلفور عام 1917 واحترم أثناء الانتداب البريطاني.

يقرأ  يوم الموتى في المكسيك: كيف تتحول الجماجم إلى حلويات سكرية مبهجة

تجلّت حساسية الأماكن المقدسة عندما صوتت الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين، متخذة من القدس وبيت لحم «كوربوس سباراتوم» — حالة دولية لحماية الوضع القائم — وشملت التسوية إعفاء ممتلكات الكنائس من الضرائب.

بعد النكبة عام 1948 وما صاحبها من تطهير عرقي لأجزاء غرب القدس أضرّ خصوصاً بالمسيحيين الفلسطينيين، رُبط قبول إسرائيل في الأمم المتحدة بالتزامها باحترام قرار الجمعية العامة رقم 181 الذي أعاد تأكيد «الحقوق القائمة» للعبادة. وأُعيد تأكيد هذا الالتزام في اتفاق إسرائيل مع فرنسا (اتفاق شوفيل-فيشر)، حيث وافقت إسرائيل على احترام امتيازات الوضع القائم للمواقع المسيحية الواقعة تحت حماية فرنسية مقابل اعتراف فرنسا بدولتها.

الوضع القائم ليس غامضاً؛ إنه نظام راسخ لا يجوز تغييره من طرف واحد. بمعنى آخر، الاحتلال الإسرائيلي إما يحترمه أو ينتهكه. والتطبيع الجاري لضم القدس غير القانوني — بدعم مبادرات مثل اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل — يهدف إلى ترسيخ منظومة تفوّق يهودي-صهيونية على المدينة وما فيها من أماكن مقدسة.

منذ عام 1967 قلّت التزامات إسرائيل بالاعتراف بالوضع القائم، لأن الإقرار به يكرّس هوية القدس الفلسطينية المسيحية والإسلامية القديمة، وكذلك الدور التاريخي لبلدان مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا واليونان والأردن في حمايته. وبدلاً من ذلك تتحدث إسرائيل عن «حرية الوصول» إلى الأماكن المقدسة، وهو مفهوم يتعرّض لانتهاكات منهجية ولا يتوافق مع مقتضيات الوضع القائم.

في الواقع يفرض الوضع القائم، مثلاً، أن الحرم الأقصى يخضع لادارةٍ من قِبل الوقف الإسلامي الذي يقرر من يزور ومتى. ومع ذلك، تحوّل مفهوم «حرية الوصول» الإسرائيلية إلى تدفق آلاف المستوطنين المسلّحين إلى الحرم، يقومون بصلوات يهودية ويطلقون ادعاءات بخصوصيته كموقع للصلاة اليهودية.

غياب حرية العبادة

أثبتت إسرائيل أنها ليست ضامنة لحريّة العبادة في الأرض المقدسة، ليس أقلّه لأن سياساتها لا تتوخى حماية حقوق الشعب الفلسطيني. هي الدولة نفسها التي نفّذت سياسات أدّت إلى مجزرة في غزة — أمر توثّقته منظمات حقوق الإنسان الدولية ولجنة تحقيق أممية. وهي نفسها التي تواصل احتلال الأرض الفلسطينية والمضي نحو ضمّها رغم أن محكمة العدل الدولية اعتبرت مثل هذه الأعمال غير قانونية بموجب القانون الدولي. وهي الدولة التي تشرّع قوانين تمييزية بحق مواطنيها الفلسطينيين والفلسطينيين المحتلّين تصل لحدّ الفصل العنصري، وتحصّن المستوطنين الذين يرتكبون اعتداءات إرهابية ضد سكان محتَلّين.

يقرأ  قُتل ثمانية من رجال الشرطة الباكستانية في هجمات منسقة يُشتبه أن نفذها انفصاليون — أخبار الصراع

حتى سياسة فصل القدس عن بقية الأرض الفلسطينية المحتلة تكشف عن رفض منح حرية العبادة؛ فحاملو بطاقات الضفة أو غزة لا يمكنهم دخول المدينة إلا بتصاريح إسرائيلية نادرة المنح. ويطال هذا القيد المصلين العاديين والعائلات بل وحتى رجال الدين؛ ففي 2011 سُحبت إقامة المطران الأنغليكاني في القدس سهيل دعناوي كوسيلة ضغط، وفي هذا العام اعتقل الاحتلال شيخ المسجد الأقصى محمد العباسي ومنعه من دخول الحرم لأسبوع.

أصبحت الصلاة للمسلمين والمسيحيين الفلسطينيين فعل مقاومة؛ بصمودهم وسلامتهم وصمتهم، يواصلون تحدي محاولات إسرائيل تقويض الوضع القائم، حتى وإن تجاهل العالم معاناتهم.

إدارة ترامب، التي تصف نفسها حامية للحرية الدينية، عينت سفيراً مسيحياً صهيونياً لإسرائيل، مايك هاكابي، الذي يشارك إلى حدٍّ بعيد أيديولوجيا المستوطنين الإسرائيليين. وفي الوقت نفسه تجنّب الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الرئيسي لإسرائيل، بزعامة رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالس، اتخاذ إجراءات تحميل ذات مغزى. كما أثبتت «اتفاقيات إبراهيم» فشلها السياسي في تحقيق الهدف المعلن أمام الجمهور العربي: إيقاف ضمّ إسرائيل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

تُظهِر إسرائيل قدر قليل من الاحترام لـ«شركائها» حينما لا يمارسون ضغوطاً؛ وقد ألغت قرار منع مرور البطريرك اللاتيني إلى القيامة بعد رد فعل دولي شديد، ما يبيّن أن الضغوط الدولية قد تحقق نتائج ملموسة — وهذا لم يكن «سوء فهم» كما سعى المسؤولون الإسرائيليون لعرضه.

لا يمكن للدول أن تدعي دعمها للوضع القائم بينما تُسهم في انتهاكات منهجية للقانون الدولي. فالوضع القائم جزء من القانون الدولي ويظل أحد آخر الضمانات المتاحة لردع السيطرة الإسرائيلية الشاملة على جوانب الحياة في القدس.

حماية حاضر القدس ومستقبل حياتها الدينية، بما في ذلك إبقاء مجتمع مسيحي حيوي، أمر لا ينفصل عن احترام الوضع القائم للأماكن المقدسة وعن إنهاء ما وصفته محكمة العدل الدولية بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني.

يقرأ  الاتحاد الأوروبي يقترح فرض قيود تجارية على إسرائيل على خلفية حرب غزة

الأراء الواردة هنا خاصة بالمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق