هل تفضي المحادثات التاريخية بين إسرائيل ولبنان إلى هدنة؟ — هجمات إسرائيل على لبنان

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قادة اسرائيل ولبنان سيتبادلون الحديث للمرة الأولى منذ 34 عاماً يوم الخميس، ما أثار أملاً حذراً في إمكانية حل دبلوماسي للصراع الذي امتد لأكثر من ستة أسابيع.

يأتي هذا الإعلان في وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتتكثف الغارات والغزو في الجنوب. حتى الآن قُتل أكثر من ألفين شخص وتشرد أكثر من مليون لبناني.

قالت وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية جيلا جاملييل إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيتحاور مع الرئيس اللبناني جوزيف عون.

لم يصدر رد رسمي من لبنان بعد، لكن متحدث البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أبلغ نظيره اللبناني نبيه بري خلال مكالمة هاتفية يوم الخميس أن وقف إطلاق النار في لبنان أمر حيوي، وفق بيان نُشر على تليجرام. وقال: «بالنسبة إلينا، وقف النار في لبنان لا يقل أهمية عن وقف النار في إيران».

قاليباف قاد الوفد الإيراني في الجولة الأولى من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان الأسبوع الماضي، والتي انتهت دون اتفاق.

تأتي المحادثات المرتقبة بين إسرائيل ولبنان إثر تواصل نادر ومباشر بين سفيري البلدين لدى الولايات المتحدة في واشنطن يوم الثلاثاء — وهو أول اتصال مباشر لهما منذ عقود. ورغم أن ذلك الاجتماع لم يفضِ إلى حل، فإن تصريحات ترامب توحي بأن البيت الأبيض يدفع باتجاه تهدئة التوتر في المنطقة، في ظل وقف إطلاق نار بوساطة باكستان لمدة أسبوعين قائم حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الحليفة لحزب الله. وهناك خلاف بين الطرفين حول ما إذا كان هذا الوقف يشمل القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.

وقال كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي-البريطاني، لقناة الجزيرة إن «إدارة ترامب حريصة جداً على التوصل إلى اتفاق مع إيران». وأضاف أن الضغوط الاقتصادية العالمية وعدم قدرة الإدارة على تحقيق أهداف الحرب بسرعة تجعلانها تبحث عن مخرج، ويبدو أنها لا تريد أن تعيقها إسرائيل في هذا المسعى.

ومع بقاء أهداف الطرفين متباينة، وباتصال جبهة لبنان بالمفاوضات الأوسع مع إيران، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت المحادثات التي أعلن عنها ترامب ستفضي إلى نتائج ملموسة.

ما نعرفه عن المحادثات
أعلن ترامب أن قادة إسرائيل ولبنان سيتحدثون للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود يوم الخميس. وكتب في منشور على منصة تروث سوشيال: «نحاول توفير بعض المساحة من التنفّس بين إسرائيل ولبنان. لقد مر وقت طويل منذ أن تحدث القائدان، نحو 34 عاماً. سيحدث الأمر غداً. جميل!» ولم يحدد الرئيس الأمريكي أسماء القادة المشاركين.

يقرأ  فنزويلا تعلن أن رئيس وزراء ترينيداد وتوباغو شخصية غير مرغوب فيها — أخبار النزاع

وصفت مراسلة الجزيرة زينة خدّار من لبنان منشور ترامب بأنه «مثير للجدل للغاية». وأضافت أنّ مصدرًا رسميًا لبنانيًا أخبرها أنه لا توجد معلومات — بهذه الكلمات — حول احتمال إجراء مكالمة هاتفية بين القادة اللبناني والإسرائيلي، ولا حول احتمال عقد اجتماع ثانٍ بين سفيري البلدين في واشنطن.

لماذا اندلعت المواجهات؟
تصاعدت الهجمات الإسرائيلية على لبنان مع تصاعد التوترات بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير. دخل حزب الله الصراع بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة نحو مواقع دفاعية قرب حيفا في شمال إسرائيل في الثاني من مارس، ردًّا على ضربات أولية استهدفت طهران وأسفرت، حسب ما ورد، عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. قبل ذلك التاريخ، لم يشنّ الحزب هجمات واسعة على إسرائيل منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، رغم الخروقات اليومية تقريباً للاتفاق من جانب إسرائيل.

ردت إسرائيل فوراً بغارات جوية على ضواحي بيروت حيث زعمت وجود معاقل لحزب الله. ومنذ ذلك الحين شنت إسرائيل هجمات جوّية واسعة على أنحاء لبنان وشرعت في غزو بري للجنوب، وقد توسعت قواتها في المناطق الجنوبية مستهدفة حزب الله ومحاولة إقامة منطقة عازلة على طول الحدود.

في الشهر الماضي قال وزير الدفاع الإسرائيلي اسحق كاتس إن بلاده ستنشئ «منطقة أمنية» في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، على مسافة تقارب 30 كيلومتراً شمال الحدود الإسرائيلية. وفي سبيل هذا الهدف دمّرت إسرائيل عدداً من الجسور فوق النهر، وهو أمر نال استنكاراً واسعاً. حذّرت منظمات حقوقية من أن إسرائيل تبدو كأنها تسعى لعزل المنطقة عن بقية البلاد.

حجم الهجوم الإسرائيلي كان كبيراً؛ إذ أدى إلى مقتل أكثر من ألفين وإصابة آلاف وتشريد نحو 1.2 مليون شخص. واستهدفت الضربات مناطق متعددة، بما في ذلك أحياء مكتظة بالسكان في العاصمة بيروت.

ما هي آفاق وقف النار؟
حتى الآن تبدو فرص التوصل إلى تهدئة ضئيلة، وفق مراقبين. قال المحلل نديم حوري إنه حتى لو جرت مكالمة هاتفية بين نتنياهو ونظيره اللبناني فستكون «رمزية في الغالب أكثر مما هي جوهرية». وأضاف أن لبنان يعتبر وقف إطلاق النار أولوية للدخول في مفاوضات تهدف إلى تحرير أراضٍ لا تزال محتلة من قبل إسرائيل، بينما تركز إسرائيل على قتال حزب الله وتسعى إلى خلق منطقة عازلة في لبنان (أي منطقة احتلال جديدة). يبدو أن إسرائيل تسعى بشكل خاص لاحتلال بلدة بنت جبيل قبل أي إعلان عن وقف لإطلاق النار، إذ يرى محللون أن هذا التحرك يخدم أهدافًا رمزية يود نتنياهو تسويقها داخليًا، ولا سيما لتعزيز صورته السياسية قبل أي تطورات أخرى.

يقرأ  زيلينسكي يتباحث مع ترامب حول جهود السلام ويسعى إلى محادثات على مستوى القادة — أخبار حرب روسيا وأوكرانيا

تعرضت بنت جبيل لشدّة قصف من الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، فيما زعم نيتياناهو هذا الأسبوع أن القوات الإسرائيلية على وشك «إغراق» المنطقة، في تصريحات تهدف إلى إضفاء طابع الحسم على العمليات العسكرية.

اللقاء بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني يوم الثلاثاء قابله تفاؤل محدود لدى بعض الأطراف بوصفه «اختراقًا»، لكنه لم يفرز خطة عملية محددة لوقف إطلاق النار. السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، ييشاييل ليتر، وهو من دعاة الاستيطان البارزين، صوّر اللقاء بصورة إيجابية جدًا واعتبره «تبادلًا رائعًا» بين أطراف «متّفقة على تحرير لبنان» من حزب الله. بالمقابل، اتخذت المندوبة اللبنانية ندى حمادة معوّض نبرةٍ أكثر تحفظًا، ووصفت المحادثات بـ«البناءة» لكنها أكدت أنها استغلت الفرصة للضغط من أجل وقف لإطلاق النار.

قائد حزب الله نعيم قاسم دعا قبل الاجتماع إلى إلغائه، ووصفه بأنه «غير ذي جدوى»، ما يعكس تحفظًا ومخاوف من أن أي حوار ثنائي قد لا يفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وفي توجّه قلّل من فرص التهدئة، أعلن نيتنياهو يوم الأربعاء أنه أمر الجيش بتوسيع هجومه في جنوب لبنان ودفع العمليات شرقًا، في حين أكّد أن إسرائيل تواصل اتصالاتها الدبلوماسية مع الحكومة اللبنانية بالتوازي مع حملتها العسكرية ضد حزب الله، وعرّف الاثنين كمسارين يهدفان إلى «نزع سلاح» الحزب وتحقيق ما وصفه بـ«سلام مستدام» مع الجار الشمالي.

لماذا وقف إطلاق النار مهم؟

طالبت إيران في حوارها مع الولايات المتحدة بأن يشمل وقف إطلاق النار نهاية الهجوم الإسرائيلي على حزب الله في لبنان. طهران اعتبرت أن التهدئة المتفق عليها يجب أن تشمل الحرب في لبنان، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل رفضتا هذا الطرح، واعتبر ترامب هجمات إسرائيل على جارتها «معركة منفصلة»، رغم أن حزب الله دخل القتال مدافعًا عن مصالح إيران.

يقرأ  البرغر كجسر بين الأجيال: كيف اقتربتُ من فهم أمي المهاجرة من فيتنام

نشر رئيس الوزراء الباكستاني شريف في تدوينة أولية إشارتها إلى شمول لبنان ضمن وقف النار، لكن إسرائيل بعد ذلك شنت أوسع هجماتها منذ آذار/مارس، أي منذ اندلاع القتال مع حزب الله، واستهدفت أكثر من مئة هدف في مختلف أنحاء لبنان في يوم واحد الأسبوع الماضي.

حزب الله يعد أقوى حليف إقليمي لإيران وجزءًا محوريًا من «محور المقاومة»، شبكة جماعات مسلحة في الشرق الأوسط متحالفة مع إيران ومتناوئة مع إسرائيل، ويشمل ذلك الحوثيين في اليمن ومجموعات مسلحة في العراق.

يرى بعض المحللين أن التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان أمر بالغ الأهمية؛ إذ سيفتح فسحة للمفاوضات الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، لأن طهران ربَطت تقدم الحوار بوضوح بشرط انهاء العمليات العسكرية اللبنانية. إذا بقي جبهة لبنان مفتوحة فإن الصراع الإقليمي يتسع، وإذا أُغلِقت فقد تصبح إحدى نوافذ التهدئة الأعمّ والأكثر واقعية.

غير أن المسألة الأساسية لدى إسرائيل تبقى نزع سلاح حزب الله و«إنهاؤه» كقوة قادرة على تهديد حدودها الشمالية. ترى القيادة الإسرائيلية في ذلك فرصة تاريخية وتتمتع بدعم شعبي داخلي واسع لتنفيذ مثل هذه الخطوات، على النقيض من تراجع الدعم الرئاسي لترامب في سياق معارضته لإيران في المنطقة.

وفي خضم هذه المناوشات والدبلوماسية، يزداد حجم المعاناة الإنسانية. تغميق الأزمة آثارًا بالغة على المدنيين، لا سيما الأطفال: تغريد عبد الله، منسقة الحماية في لجنة الإنقاذ الدولية في لبنان، وصفت تأثيرات الصراع على الأطفال بأنها «شديدة ومعقّدة». قالت إن العديد من الأطفال لا يقتصر فقدهم على المنازل فحسب، بل فقدوا مقدمي الرعاية نتيجة العنف المستمر. وأضافت أن فرق المنظمة، بدعم الشركاء، تزور المستشفيات لتحديد الأطفال المنفصلين عن عائلاتهم أو الذين فقدوها، وغالبًا ما يصلون مصابين ومرعوبين ووحيدين.

منذ الهجوم على بيروت الأسبوع الماضي، الذي أسفر عن سقوط مئات القتلى، حددت لجنة الإنقاذ الدولية ما لا يقل عن 29 طفلًا بلا مرافقين، وتمت إعادة ثمانية منهم إلى عائلاتهم حتى الآن. وعلى مستوى أوسع، أكدت تغريد أن التأثيرات النفسية واضحة؛ فالأطفال يعانون من الخوف والقلق واضطراب في النوم، ويبلغ الأهل عن تغيرات سلوكية ملحوظة تشمل الانسحاب والعدوانية وصعوبة التركيز.

أضف تعليق