السودان يدخل عامه الرابع من الحرب، دون بوادر جادة لنهاية وشيكة، وسط صراع محتدم بين الجيش وقوات الدعم السريع على السيطرة على مفاصل الدولة.
عودة الحياة إلى الخرطوم والمناطق الوسطى كانت تدريجية وهشة؛ تبدو بعض المظاهر قريبة من العادي، لكن هذا الاستقرار النسبي يرافقه شعور عميق بعدم اليقين، مع تدهور مستمر في الظروف المعيشية وازدياد الضغوط الاقتصادية، وشلل عسكري في كردفان، وتصاعد الأزمة الإنسانية في دارفور.
المشهد الميداني انتهى إلى انقسام جغرافي واضح بين شرق وغرب البلاد: الجيش يسيطر على الولايات الشمالية والوسطى والشرقية وعلى العاصمة، بينما تهيمن قوات الدعم السريع على دارفور ومساحات واسعة من ولايات كردفان الثلاث، وفتحت كذلك جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق على الحدود مع اثيوبيا.
من أبرز التحولات العسكرية أن الجيش استعاد سيطرة ولاية الخرطوم في 20 مايو من العام الماضي بعد أكثر من عامين من القتال، وكانت استعادة ود مدني في 11 يناير 2025 خطوة مهمة قبل أن يدفع الجيش بدور إضافي عبر طرد قوات الدعم السريع من شمال ولاية النيل الأبيض، فك الحصار عن الأبيض في فبراير 2025، واستعادة قضارفلي وكادوقلي ودلنج في جنوب كردفان بحلول فبراير، ثم استعادة مدينة برا، ثاني أكبر مدن شمال كردفان، في مارس.
في المقابل، أحرزت قوات الدعم السريع تقدمًا ملموسًا، أهمها السيطرة على الفاشر عاصمة شمال دارفور في 26 أكتوبر بعد حصار دام عامين، ما مكّنها من تعزيز سيطرتها على معظم المنطقة، مع استثناء ثلاث مناطق شمالية تحت سيطرة الجيش وقوات مشتركة وأخرى تحت نفوذ حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور. ودفعها هذا الانتصار إلى التقدم نحو بابنوسة في غرب كردفان في ديسمبر 2025، تلاه انسحاب الجيش من حقول هِجْليج النفطية الكبرى في غرب كردفان، مما وضع الولاية فعليًا تحت نفوذ الدعم السريع.
تظل قوات الدعم السريع حاضرة في بقع متفرقة بشمال كردفان (أم قارفة، جبرة الشيخ، أم بدر، حمرة الشيخ، سوداري) ولا تزال نشطة في أجزاء من جنوب كردفان مثل القوز والحمادي والدبِيبَات. بنهاية العام الثالث امتد الصراع إلى شرق السودان، ومع التحالف بين الدعم السريع وحركة تحرير السودان–الشمال حُرِزت مدينة كرمك في النيل الأزرق في مارس الماضي، ما دفع الحكومة لاتهام اثيوبيا بتقديم دعم عسكري ولوجستي — اتهام نُفِي لاحقًا من قبل أديس أبابا.
شكل الحرب أيضاً شهد تطورًا تكتيكيًا: الاعتماد المتزايد لقوات الدعم السريع على الطائرات المسيّرة لضرب أهداف في الوسط والشمال، ورد الجيش بالحصول على طائرات مسيّرة جديدة مكّنته من استهداف خطوط إمداد، والقضاء على قيادات، وتدمير معدات عسكرية.
الثمن الإنساني فادح. تقرير مشترك للصليب الأحمر الدولي ووكالة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة إنترسوس وصف الأوضاع بأنها عند مستويات كارثية، مفيدًا بأن نحو 14 مليون شخص تشردوا خلال ثلاث سنوات، فيما يواجه 26 مليونًا حالة انعدام أمن غذائي حاد، ويحتاج 33.7 مليون شخص للمساعدة الإنسانية، من بينهم 7.4 ملايين نازح داخليًا. وتؤكد تقارير المجلس النرويجي للاجئين أن معظم الأسر اضطرت إلى تقليل وجباتها اليومية بسبب فقدان الدخل وتدهور الأحوال.
شهدت الخرطوم ارتفاعًا حادًا في أسعار الوقود والخبز والبضائع والخدمات، بالتزامن مع انهيار قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الذي يساوي نحو 600 جنيه. ومنظمة الهجرة الدولية أفادت بأن حوالي 3.99 مليون شخص عادوا إلى ديارهم حتى أبريل، أغلبهم إلى الخرطوم والجزيرة؛ ومن بينهم 83% نازحون داخليون و17% عائدون من الخارج. مع ذلك لا يزال أكثر من 13 مليون شخص نازحين أو لاجئين، منهم نحو 9 ملايين داخل البلاد.
في العاصمة، شكّلت تسوية سياسية مهمة بتعيين كامل الطيب إدريس رئيسًا للوزراء في مايو 2025 وتشكيل حكومة مدنية — وهي أول خطوة من هذا النوع منذ استقالة عبدالله حمدوك في يناير 2022 عقب انهيار التوافق السياسي بعد قرار رئيس الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حل الحكومة الانتقالية عام 2021، الذي عطّل مسار الانتقال الديمقراطي عقب سقوط عمر البشير في 2019. عاد معظم مؤسسات الحكومة رسميًا إلى الخرطوم في يناير من هذا العام بعد أن كانت تعمل من بورتسودان منذ أغسطس 2023. اندلع القتال في 15 أبريل 2023 على خلفية صراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع.
رغم المساعي الدولية والإقليمية لوقف النزاع، فإن الجهود لم تسفر عن خرق؛ ومبادرة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) لم تحقق اختراقًا حقيقيًا بالرغم من طرح خطة سلام في سبتمبر الماضي. السيناريوهات المحتملة
لم يؤدِ مقترح الحكومة السودانية في فبراير 2025، الذي قُدّم مجدداً إلى مجلس الأمن في ديسيمبر، إلى أي تقدمٍ ملموس.
وصف الباحث العسكري محمد الأمين الطيب السنة الثالثة من الحرب بأنها سنةُ جمودٍ عسكري، إذ لم يَحسم أي طرف المعركة لصالحه. تستمر تدفقاتُ الأسلحة الى قوات الدعم السريع عبر الدول المجاورة، وتعتمدُ المجموعة بشكل متزايد على مرتزقةٍ، لا سيما من جنوب السودان، وسط صعوباتٍ متنامية في تجنيد مقاتلين جُدد.
حدّد الطيب عدة سيناريوهات محتملة للعام الرابع. أبرزها استمرار المأزق العسكري الذي ينهك البلاد ويُبقيها في حالةٍ من الضبابية، مع ميلٍ طفيف في الكفة لصالح الجيش. سيناريو آخر يتمثل في تعمّق الانقسام الإداري والسياسي بين شرق وغرب السودان، لا سيما مع محاولات قوات الدعم السريع إقامة هياكل حكمٍ موازية. ففي يوليو الماضي أعلنت ائتلافية يقودها التحالف المدعوم من القوات المذكورة تأسيس حكومة بديلة في تحدٍ للسلطات العسكرية في الخرطوم.
وحذّر الطيب أيضاً من احتمال تفجّر حرب بالوكالة تُقدِم فيها قوى إقليمية على دعم أطراف متنافسة داخل السودان، ما قد يعيد تشكيل التوازن الإقليمي الأوسع. مع ذلك، فإن تزايد الضغوط الدولية والإقليمية قد يدفع الطرفين نحو مائدة التفاوض، في محاولة لوقف امتداد النزاع نحو البلدان المجاورة ومنع تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية.
ويأتي ذلك في وقتٍ لا يزال فيه الشرق الأوسط يتعثّر تحت وطأة الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. تجري حالياً جهودٌ دبلوماسيةٌ لوقف الحرب التي تسبّبت في أزمة طاقة عالمية وأثّرت على الأسواق.