رئيس وزراء السودان — طريق الخروج من فظائع الحرب

عندما وقفت أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي لأعرض رؤية حكومة الأمل للسلام في السودان، تسللت ذهني صورٌ لاتزال حية من بلدي: مشاهد النازحين الذين اقتلعهم جيش الدعم السريع من قراهم ومزارعهم، ووجوه المدنيين المذعورة في المدن بعد نهب أموالهم وانتهاك كراماتهم وتفكك آمالهم في الأمن والاستقرار.

رغم ذلك، لم ينهار الوطن بفضل يقظة جيشنا الباسل، المدعوم بالقوة المشتركة وبتضحيات المقاومة الشعبية، التي حالت دون انزلاق البلاد في دوامة التفكك والمؤامرات التي كانت تستهدف مواردها وقرارها الوطني.

من هذا الإيمان بضرورة الخروج من نفق الحرب وفتح صفحة جديدة، انطلقت مبادرة حكومة الأمل للسلام في السودان. كانت مبادرة وطنية خالصة تضافرت فيها الأدوار وتبادل فيها الناس الأفكار وبنيت على ما سبق من خطوات، مع إيمان راسخ بأن اليد الممدودة للسلام مرحب بها من كل من يسعى لتقدم الوطن وحماية وحدته وسيادته.

مبادرة حكومة الأمل

دعت المبادرة إلى وقف شامل لإطلاق النار تحت إشراف دولي وإقليمي مشترك، وتجميع الميليشيات المتمردة في مواقع متفق عليها ومحددة، وتسهيل العودة الطوعية للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم مصحوبة بإيصال المساعدات الإنسانية لمن هم بحاجة إليها. كما طرحت نموذجاً للعدالة الانتقالية يوازن بين مسارات العفو والمصالحة وضمان عدم إفلات مرتكبي جرائم الحرب من المساءلة.

على المسار السياسي، ركزت المبادرة على حوار سوداني–سوداني يُفضي إلى حكومة منتخبة تعكس إرادة الشعب السوداني، وتبحث آليات حفظ التداول السلمي للسلطة ووضع السودان في مكانه الطبيعي بين الأمم المتقدمة. إن التشرذم السياسي وابتعاد النخب عن هموم المواطنين أجهضا مرات كثيرة آمال الشعب، ولهذا فإننا نؤكد انفتاحنا لكل من يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.

جذور الحرب والتدخل الإقليمي

اليوم دخلت بلادنا عامها الرابع من صراع فُرض على شعبنا. شرارة الحرب أطلقتها قوات الدعم السريع عندما خالفت تقاليد الجيش والقانون وتحركت لتطويق مطار مدينة مروي في 13 أبريل 2023، بعد أن نقلت أسلحة ثقيلة ومئات إلى آلاف المقاتلين إلى الخرطوم من مناطق مختلفة.

يقرأ  الكلاب والطيور من تاريخ الفنتتجلّى كأفاتارات كوير في لوحات سكوت سيوك العاطفية— كولوسال

لم تكن الحرب لتستمر بهذا الشكل من دون دعم إقليمي كبير جاء في سياق مؤامرة أوسع لنهب مقدرات السودان والسيطرة على قراره الوطني. ومن المؤسف أن بعض الدول والهيئات الدولية تتجاهل هذا الواقع وتنعقد في مؤتمرات تناقش الوضع السوداني غياب الحكومة والفاعلين المدنيين الذين دفعوا ثمن هذه الحرب دماً ومالاً، مثل مؤتمر برلين الأخير الذي ستبقى مخرجاته في الرفوف إن لم تصدر بالتشاور مع السودانيين أنفسهم.

نحن منفتحون على سلام جاد يحفظ وحدة السودان ويصون كرامة جيشه ويعالج جراح شعبه. ولمن أساءوا إلى أهلنا، سنفتح صفحة جديدة بشرط أن يكفوا عن الإضرار، ويعترفوا بخطئهم، ويشاركوا في اعادة بناء الوطن وتعويض الضحايا.

الالتزام بالمحاسبة والبناء

نعد شعبنا بمراجعة الأخطاء بلا تردد، وإزاحة من لا يتحملون المسؤوليه أو الذين تثار حولهم شبهات فساد، ودعم من يعملون بجد على البناء وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة. الحرب لم تكن خيارنا؛ بل دفاعٌ دستوري من الجيش لحماية التراب الوطني ومنع اختطاف إرادة الشعب من قِبل قوى إقليمية ودولية.

المشهد الإقليمي الجاري في الشرق الأوسط والخليج، وتأثيراته العالمية، يذكرنا جميعاً بأهمية السلام. نستنكر الهجمات التي طالت بعض دول الخليج، ونؤكد موقف حكومتنا الرافض لأي تصعيد في هذه المنطقة الحساسة. أما دول الخليج التي وقفت مع السودان في المحن فبتنا اليوم ندعو إلى أن نقف معها ردّ وفاء؛ فقلوبنا ودعاؤنا مع شعوبها كي يحفظها الله من كل مكروه.

بوادر التعافي والإنعاش

لم ننتظر انتهاء الحرب لبدء إعادة الإعمار؛ فحملنا أدوات البناء في يد وبسلاح الدفاع في اليد الأخرى. ورغم كل الصعاب سجلت مؤشرات التضخم انخفاضاً شهرياً حتى وصلت إلى نحو 55٪ في فبراير الماضي، بعد أن بلغت 359٪ عام 2021 في ظل غياب الحرب آنذاك وغياب إجراءات اقتصادية فاعلة.

يقرأ  ميسي يسجّل هاتريك ويتوّج بالحذاء الذهبي — فوز ميامي على ناشفيل

تمكنّا من رفع إنتاج الذهب إلى نحو 70 طناً سنوياً، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع النزاع. بدأنا أيضاً إعادة الحياة إلى الخرطوم وإصلاح البنية الأساسية للمدينة، وقد شهدت الأمم المتحدة عودة تسع من وكالاتها إلى العاصمة وتبعها عدد من البعثات الدبلوماسية.

معالم سودان جديد

سيكون نموذج إعادة الإعمار لدينا مختلفاً؛ لا نطمح للعودة إلى ما قبل الحرب بل للقفز إلى ما بعده من خلال استثمار دروس الماضي، وتوزيع عادل للموارد، وتنمية متخصصة للمناطق حتى تبرز كل إقليم ميزته التنافسية.

لدينا مصفوفة للتعافي الاقتصادي تُدرس بالتشاور مع القطاع الخاص والمنظمات والنقابات والجمعيات والمستهلكين، تشمل خططاً طارئة وطويلة الأمد للعمل على تنمية بشرية شاملة تحت شعار «الإنسان السوداني أولاً»، مع تعليم يرتقي إلى أعلى المعايير.

أشعر بالحزن لأن بعض أبنائي وبناتي في مناطق تسيطر عليها ميلشيات لم يتمكنوا من أداء امتحانات المرحلة الثانوية هذا العام بسبب العراقيل التي فرضتها قوات الدعم السريع، وأعدهم بأننا سنعوضهم عن هذه الفرصة حين يتسنى لهم الوصول إلى مناطق آمنة داخل السودان أو خارجه.

نعمل كذلك على تحسين قطاع الصحة ليشمل مرافق تخدم الفقراء ولا تضطر الطبقات الميسورة إلى السفر للعلاج بالخارج؛ ولله الحمد استعدنا نحو 80٪ من المؤسسات والمرافق الطبية المتأثرة بالحرب.

بناء المؤسسات والعلاقات الدولية

ظل بناء مؤسسات الدولة في صميم أولوياتنا. الجيش السوداني الآن في ذروة قوته وتمكن من تحرير مساحات واسعة كانت محتلة من قِبل الميليشيات، ولن تتوقف حملات التحرير حتى يرفع الخصم راية الاستسلام أو يمتثل لإرادة السلام المعلنة. في مؤسساتنا القضائية، أحرزنا تقدماً ملحوظاً بتعيين رئيس لمحكمة دستورية وتستكمل الهياكل القانونية بدقة وصبر.

نمد يد الحوار لكل من هو قريب أو بعيد، دون عداوة، فاتجاه تحالفاتنا ومسافاتنا مع العالم تتحدد بمصالحنا المشتركة. أولوية اليوم تحرير الأرض والناس من الميليشيات، ليكون الخروج إما لسلام عادل أو حرب تردع المعتدي ومن يدعمه.

يقرأ  انطلاق صادرات «بي واي دي» من تايلاند إلى أوروبا بسيارات كهربائية

في هذا السياق نثمن موقف الأشقاء في مصر الذين ساندوا مؤسسات السودان وفتحوا حدودهم وقلوبهم للاجئين، ونثمن أيضاً اهتمام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بمخاوف الشعب السوداني ودعمه للسلام، إلى جانب جهود قطر وتركيا والكويت في إيصال المساعدات الإنسانية بلا محاباة أو شروط، مما ساعد أهلنا على تحمل المشقة والمعاناة.

ثلاث سنوات مرت منذ فرض الحرب على السودان، وحكومة الأمل المدنية تقترب من عامها الأول. نكرر العهد لشعبنا بأننا سنرتقي إلى مستوى توقعاتهم، ونراجع الأخطاء بشفافية، ونستبعد من لا يؤتمن على حمل المسؤولية، وندعم بحزم كل من يطمح للبناء والإعمار وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة.

الآراء الواردة هنا تخص الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق