على مدى عقدٍ من الزمان، حاولت نيودلهي أن ترسّم لنفسها دوراً محورياً في نظام عالمي متعدّد الأقطاب: قدم في واشنطن والأخرى في موسكو، ونظرة يقظة صوب بكين. لكن هذا البناء الدبلوماسي يواجه ضغوطاً متزايدة، ما يجعل زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي المرتقبة إلى بكين تبدو أقل احتفالاً وأكثر حساباً واقعياً.
كتب وزير الخارجية س. جايشانكار في كتابه عام 2020 أن الهند تسعى «للانفتاح على أمريكا، وإدارة الصين، وتنمية علاقاتها مع أوروبا، وطمأنة روسيا، وإشراك اليابان، وجذب الجيران، وتوسيع دوائر الدعم التقليدية». هذه المعادلة عبّرت عن استراتيجية الموازنة أو الـ hedging التي تتبناها نيودلهي، وتراها طبقة من المحلّلين خياراً قاسياً لكنه الأفضل نسبياً أمام خيار الاصطفاف الكامل.
على أرض الواقع، تتقاطع الهند في ميادين متعددة: ركيزة في منتدى «كواد» الهندي–المحيط الهادئ إلى جانب الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، وفي الوقت نفسه عضو فاعل في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين وروسيا. ثمة أيضاً تشكيلات إقليمية أصغر مثل «I2U2» مع إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة ومبادرة ثلاثية مع فرنسا والإمارات، ما يعكس رغبة نيودلهي في تنويع شركائها وتحصين استقلالها الاستراتيجي.
تفاقمت صعوبات هذا التوازن بعد تحول لهجة إدارة دونالد ترامب تجاه الهند من الترحاب إلى الانتقاد العلني، واتهامات بأن مشتريات النفط الروسية المخفّضة تُغذّي حرب موسكو، وما رافقه من عقوبات جمركية واحتكاكات سياسية. في المقابل، تستمر نيودلهي في شراء النفط الروسي المخفّض سعرياً، ليس فقط لأسباب اقتصادية بل لأهمية هذه الإمدادات في أمنها الطاقي، ولذلك حافظت على وتقوية العلاقات مع موسقو في تناقض واضح مع محاولة إرضاء واشنطن.
تجدر الإشارة إلى أن طموحات الهند العالمية تفوق قدراتها الحالية. اقتصاد بقيمة نحو أربعة تريليونات دولار يجعلها خامس أكبر اقتصاد، لكنه يقلّ كثيراً عن الصين بنحو 18 تريليوناً والولايات المتحدة بنحو 30 تريليوناً. القاعدة العسكرية–الصناعية ضعيفة نسبياً؛ الهند من أكبر مستوردي السلاح عالمياً وليست من كبار المصدرين، والكثير من التقنيات العسكرية عالية القيمة لا تزال مستوردة رغم دعوات «الاعتماد على الذات».
هذا الفارق في القدرات ينسجم مع واقع التوازن الذي دفع إلى تهدئة حذرة في العلاقات مع بكين بعد تجمّدها إثر اشتباكات جالوان الدامية عام 2020. التبادل التجاري الهائل مع الصين، وعجز تجاري يقدّر بنحو 99 مليار دولار، يبرز الفجوة الاقتصادية التي تعقّد سياسة الأمن القومي. وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات السفير الصيني في نيودلهي وانتقاده لتعريفات واشنطن على السلع الهندية، ثم نبرة التصالح التي تبنّاها وزير الخارجية الصيني خلال زيارته كإشارات إلى رغبة في تخفيف التوترات.
المحلّلون متباينون في تفسير دوافع نيودلهي. جتندرا ناث ميسرا يرى أن «التحوط» هو خيار سيئ لكن البديل، أي الاصطفاف الكامل مع قوة كبرى، أسوأ؛ لذا تظل الهند تختار التحفظ كطريقة للحفاظ على هامش مناورة. هابيمون جاكوب يتساءل بصراحة «ما البديل؟» ويؤكد أن إدارة الصين ستبقى القضية الاستراتيجية المركزية للهند لعقود. أما سميت غانغولي فيشير إلى أن الاستراتيجية الحالية تهدف إلى إبقاء قنوات العمل مع بكين مفتوحة لشراء الوقت، لأن ثنائية الصراع بين الولايات المتحدة والصين تظل «هيكلية ولا يمكن التوفيق بينها» بسهولة.
من جهة أخرى، أصدر أشلي تيليس حجة مفادها أن تردّد الهند في اختيار تحالف مميّز مع الولايات المتحدة يضر بأمنها؛ باعتباره يعرضها لاحتمال مواجهة مع قوة عدائية في محيطها. في المقابل، نيروباما راو تؤكد أن الهند «عملاق في طور النشوء» ليس من الحكمة أن تقيد نفسها بشريك واحد؛ فتراثها ومصالحها يتطلبان مرونة واستقلالية استراتيجية — الغموض الاستراتيجي هنا ليس ضعفاً بل ممارسة للسيادة.
على صعيد العلاقات مع روسيا، يبدو أن نيودلهي لا تميل للتخلي عن شراكتها التاريخية. زيارات وزارية حديثة إلى موسكو أعادت التأكيد على أهمية الروابط، لا سيما فيما يتعلق بالطاقة وسلاسل الإمداد العسكرية، وفي ظل تقارب متزايد بين موسكو وبكين ترى الهند ضرورة إبقاء القناة الروسية مفتوحة كعامل موازن.
تاريخ العلاقات الدولية يُظهر أيضاً أن الخلافات الحادة لم تمنع استئناف الشراكات حين استدعت المصالح ذلك؛ فقد عانت العلاقات الهندية–الأمريكية من عقوبات وتوتّرات بعد تجارب نووية سابقة، لكنها سرعان ما استعادت زخماً عندما رأت الدولتان منطق المصالح المشتركة.
في النهاية، تبدو خيارات نيودلهي محدودة عملياً: القبول بتحمّل بعض التكاليف في علاقتها مع واشنطن، والمحافظة على مساحة للتحرّك بين القوى الكبرى، واعتماد صبر استراتيجي قد يكون أفضل رهان لها. الاستراتيجية الهندية اليوم تقوم على امتصاص الصدمات وشراء الوقت مع محاولة الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الاستقلال في صياغة خياراتها المستقبلية.