وفاة «روح السرد الجنوب أفريقي» تثير موجة من الحزن والغضب

خانيسيل نغكوبو — بي بي سي، جوهانسبرغ
ميديا 24 / صور غالو

وفاة نجمة محبوبة عادة ما تثير فيضانًا من الحزن، لكن في جنوب افريقيا كان رحيل الممثلة البالغة من العمر 75 عامًا، ناندي نيمبي، قد صاحبه أيضًا انفجار من الغضب.

أثار استياء الناس مشاهد السيدة المريضة بوضوح وهي تظهر في مقاطع فيديو تطلب مساعدة مالية خلال شهورها الأخيرة.

تظهر في إحدى تلك التسجيلات جالسة على كرسي متحرك، بشعر شاحب ورقيق، مرتدية قميصًا فضفاضًا وبنطال بيجاما من الصوف، وتقول إنها لا تحب أن يشفق الناس عليها، لكنها بحاجة إلى المال لتغطية أساسيات المعيشة. وكانت أهم رغباتها أن تُوفَّر لها أعمال أكثر كي تدبر أمورها المعيشية بنفسها.

كان هذا المشهد بعيدًا كل البعد عن الظهور الذي اعتاده الجمهور في أعمالها الأبرز.

بسبب أدوارها القيادية في مسلسلات تلفزيونية مهمة على مدى عقود، باتت صورتها تتردد أسبوعيًا في بيوت كثير من الجنوب إفريقيين، وصارت حضورًا مألوفًا لكل أسرة.

وكان يُكنّون لها الاحترام بل ويُنادونها بلقب «مام ناندي»، فبعض الناس شعروا أنها كانت مثل قريبة أخفوا فراقها بشعور فقدان أحد أفراد العائلة.

وصف تكريم مشترك أصدرته أسرتها والحكومة نيمبي بأنها «روح السرد القصصي في جنوب أفريقيا»، وأنها «كانت أكثر من ممثلة»؛ فهي أيضًا معلمة ومرشدة كسرت الحواجز وألهمت الممثلين الشباب في القرى والبلدات أن يحلموا بما هو أبعد من ظروفهم.

ومع هذا المكانة، بدا شكلها في أواخر حياتها صادمًا أكثر.

أعاد خبر وفاتها بعد مرض طويل إحياء النقاش حول انعدام الدعم المتاح للفنانين الجنوب أفريقيين الذين لا يستطيعون العمل، وألقى الضوء على معاناة كثيرين خلف الكواليس.

فبعد رسوم الظهور الأولى لا يحصل الممثلون في جنوب أفريقيا على أي عوائد عن إعادة بث أعمالهم.

يقرأ  بوليفيا تتوجه إلى صناديق الاقتراع وسط توقعات بنهاية عشرين عاماً من الحكم اليساري

يعملون كمستقلين، وبذلك لا تنطبق عليهم الامتيازات التي قد تمنح للموظفين الدائمين مثل المعاش والتغطية الصحية.

وهذا يعني أن «كل ممثل نشط في هذا البلد الآن يسير على طريق لا محالة نحو ما وصلت إليه مام ناندي»، كما قال جاك ديفنارين، رئيس نقابة الممثلين الجنوب أفريقية (SAGA) لبي بي سي.

وأضاف أنه كان مؤلمًا مشاهدة نضال نيمبي في تلك الفيديوهات الأخيرة، وهو يعلم أن «النهاية لن تكون حسنة».

«لأنه لا توجد أية صدقة في العالم قادرة على إصلاح المشاكل البنية الهيكلية في قطاع الإبداع.»

كممثل هو أيضًا، تذكر ديفنارين أيام مجد نيمبي بحنان، وقال كم كانت «مرحبة ودافئة» تجاهه عندما كان فنانًا شابًا.

«في حضرة مام ناندي كنت تعلم أنك أمام طبقة ملكية في الأداء.»

وُلدت نيمبي عام 1950 في كليب تاون، أقدم جزء من سوويتو — الضاحية السوداء قرب جوهانسبرغ. كانت والدتها ممثلة وراقصة تاب، أما والدها فكان ملاكمًا، حسب منشور «أكتور سبيسز» الإلكتروني.

تنقلت أسرتها كثيرًا في طفولتها، ونتيجة لذلك نشأت بين «ناس مختلفة ومتنوعة» كما نقل عنها.

بدأت مسيرتها التمثيلية في السبعينيات في ذروة نظام الفصل العنصري الذي كان يفرض التمييز العنصري قانونيًا.

وبقِلّة الفرص المتاحة للسود كانت تُختار غالبًا لأدوار الخادمة كلما بدأت تجارب الأداء. وقالت لمجلة بونا الجنوب أفريقية عام 2017: «اللامساواة والاضطهاد أغضباني فبدأت أشارك في المسرح الاحتجاجي.»

رغم نوعية الأدوار تلك، أرست لنفسها بصمة لاحقًا أولًا على المسرح ثم في عدة مسلسلات وأفلام تلفزيونية بحلول التسعينيات.

من بين الأدوار التلفزيونية التي اشتهرت بها دور ممرضة حاملة لفيروس نقص المناعة البشرية في الدراما الاستشفائية «سول سيتي»، التي انطلقت عام 1994 — عام أول انتخاب ديمقراطي في جنوب أفريقيا وفي وقت كان الناس يكافحون للتحدث عن الإيدز الذي كان يتحول سريعًا إلى أزمة وطنية.

يقرأ  إطلاق نار يودي بحياة السياسي الأوكراني البارز أندري باروبي في لفيف

وفي مسلسل آخر شهير «Yizo Yizo» جسدت دور أم حنونة في عمل التقط الواقع الخام للحياة في إحدى ضواحي جنوب أفريقيا.

أما على الشاشة الكبيرة فأسرت الجمهور بدورها كامرأة سانغوما — المعالجة التقليدية — في فيلم جنوب أفريقي صدر عام 2004 وحُمِل ترشيح للأوسكار بعنوان Yesterday.

كانت شديدة الشغف بعملها… «كان هذا ما كانت تعيش من أجله خارج الاسرة»، قال حفيدها جابولاني نيمبي.

«كانت دائماً تبحث عن تحسين حرفتها» و«كانت تريد أن تقدم الأفضل دائماً»، وفي الوقت نفسه «كان مسارها المهني يتعلّق أيضاً ببناء ممثلين وممثلات آخرين من خلال عملها».

ناندي نيمبي ظهرت في المسلسل الكوميدي الجنوب أفريقي «كيف تفسدين عيد الميلاد» الذي أنتجته نتفليكس.

بعيداً عن التمثيل، يتذكرها حفيدها كشخص دائم الاستعداد لمساعدة الآخرين داخل مجتمعها، و«ركن العائلة» و«عمودها الفقري».

تطرق إلى الفيديو الفيروسي، معترفاً بأنها واجهت صعوبات في نهايات حياتها، قبل أن يضيف أن العائلة قدمت لها المساعدة قدر الإمكان.

نقابة الممثلين (SAGA) كانت في طليعة المطالبين بتغيير القوانين لمنع تكرار مثل هذه الحالات. وفقاً لديفنارين، قُدمت في 2017 بمجلس البرلمان مسودتا قانون تهدفان إلى منح الممثلين «الحق في كسب عوائد حقوقية لأول مرة في تاريخ جنوب أفريقيا».

«لهذا السبب هي حاسمة لبقاء القطاع»، قال ديفنارين.

بعد سنوات من التراشق والتأجيل، انتهى المطاف بمسودتي القانون على مكتب الرئيس سيريل رامافوسا توقيعاً في 2024. لكنه أحال كلتا المسودتين منذ ذلك الحين إلى المحكمة الدستوريه، إذ أعرب عن مخاوف من أن تفرضا قيوداً بأثر رجعي على حقوق الطبع والنشر قد تمس بنصوص دستورية موجودة.

هذا الوضع ترك الممثلين عالقين في حالة من اللايقين.

«أي ممثل يعمل حالياً في السينما أو التلفزيون يجب أن يفهم أنه طالما واصل العمل فسينتهي به المطاف إلى أن يعيش أطول من ماله»، قال ديفنارين. «الحكومة أخفقت في خدمة القطاع بأكمله، وقد أخفقت مام ناندي».

يقرأ  همسات العنب٢٤ أغسطس ٢٠٢٥— إسرائيلي لا بأس به

في خدمة تأبينية جرت في جوهانسبرغ الخميس، انتقدت الممثلة ليراتو مفيلاسي الحكومة لكونها تقدم للممثلين ما يماثل «لعبة تهويدة» بالكاد. «إلى متى سنسمع نفس الخطب؟ إلى متى سنعقد نفس اللقاءات حول الحاجة إلى هياكل سياسوية تحمينا كممثلين؟» تساءلت.

لكن وزير الثقافة غايتون مكينزي، الذي قلما يتراجع عن مواجهة، رد على المنتقدين قائلاً إنه تفاعل شخصياً مع معاناة نيمبي وهي على قيد الحياة، وأن الحكومة قدمت دعماً للعائلة وتتحمّل نفقات جنازة السبت.

«نحن نعمل ليلاً ونهاراً لتغيير وضع المبدعين، قريباً سيكون لديهم تغطية للجنازات، ورعاية مستشفى وتعويضات سياسات لأطفالهم. نحن نهتم فعلاً ومكلفون بتغيير حياتهم»، كتب على فيسبوك.

أي تعديل الآن، بطبيعة الحال، جاء متأخراً بالنسبة لنيمبي.

في التأبين تحدث المخرج الشهير أنغوس غيبسون عن ذلك، موضحاً كيف كانت تلجأ إليه لطلب عمل في أوقات الشدة. «مهما كانت عظمتها كممثلة، لم تحمها من قسوة العالم»، قال.

المزيد من تقارير بي بي سي عن جنوب أفريقيا:
غيتي إميجز / بي بي سي

أضف تعليق