لماذا يتعرّض الاتحاد الأوروبي لضغوطٍ لتعليق الاتفاق التجاري مع إسرائيل؟ أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبا لمناقشة العلاقة مع إسرائيل وإمكانية تعليق اتفاقية شراكة رئيسية

ثلاث دول عضو — إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا — طالبت بإعادة النظر في احتمال تعليق اتفاقية الشراكة (الاتفاقية التأسيسية) بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. التحرك يعكس تزايد القلق في أنحاء القارة إزاء سلوك إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا في قطاع غزة والضفة الغربية، وتصاعد المطالب من منظمات حقوق الإنسان بشأن الانتهاكات المتزايدة.

تصريحات ومواقف بارزة
– في لوكسمبورغ قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل الباريس للصحفيين: «أتوقع من كل دولة أوروبية أن تلتزم بما تقوله محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة عن حقوق الإنسان والدفاع عن القانون الدولي. أي موقف مخالف سيكون هزيمة للاتحاد الأوروبي.»
– رغم ذلك، يبقى الاتحاد منقسماً حول العلاقة مع إسرائيل؛ دول مثل ألمانيا وهنغاريا وجمهورية التشيك تبدو مترددة في اتخاذ خطوات جذرية، ما يجعل تعليق الاتفاقية بالكامل أمراً غير مرجح في الأمد القريب.
– وصف وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول طلب إسبانيا بأنه «غير مناسب»، مشدداً على أن أي مسألة يجب أن تُناقش في «حوار نقدي وبَنَّاء مع إسرائيل».

ما هي اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل؟
الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2000 تمنح إسرائيل وصولاً تفضيلياً إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وتدعم التعاون في مجالات رئيسية مثل التجارة والبحث والدبلوماسية. تعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبالتالي تشكل الاتفاقية ركيزة مهمة في العلاقات بين الطرفين. أحد عناصرها المركزية بند حقوق الإنسان المعروف بالمادة 2، الذي ينص على أن التعاون «مبني على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية». هذا البند هو محور الجدل الحالي، إذ يرى منتقدون أن انتهاكات إسرائيل قد تبرر تعليق الاتفاق، كلياً أو جزئياً.

يقرأ  تعمّقأزمة حقوق الإنسانفي نيكاراغوا

من يطالب بالتعليق ولماذا؟
مطالبات بالتعليق جاءت من حكومات، ومنظمات حقوقية ومواطنين داخل الاتحاد، وخصوصاً من الذين يدينون احتلال إسرائيل الطويل للأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة. إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا تتصدر جهود مراجعة الاتفاق والسعي لتعليقه، بحجة أن على الاتحاد أن يلتزم بتعهداته القانونية وحقوق الإنسان.

– قالت وزيرة خارجية إيرلندا هيلين مك إنتي في لوكسمبورغ: «علينا أن نتصرف. يجب أن نضمن حماية قيمنا الأساسية.»
– وأشار وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إلى أنّ بروكسل تطالب على الأقل بتعليق جزئي، لكن «التعليق الكامل ربما يكون بعيد المنال بالنظر إلى مواقف الدول الأوروبية المختلفة.»

في رسالة موجهة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، طالبت أكثر من ستين منظمة حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، الاتحاد والدول الأعضاء باتخاذ «إجراءات متأخرة منذ زمن»، منها تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ووقف جميع عمليات نقل أو عبور أسلحة إلى إسرائيل.

كما زادت الضغوط الشعبية: مبادرة مواطنين أوروبية بعنوان «العدالة لفلسطين» جمعت مليون توقيع خلال ثلاثة أشهر، ما يفرض على المفوضية الأوروبية وفق القانون الأوروبي «التفاعل والقرار بشأن ما إن كانت ستتخذ أية إجراءات، مع تبرير قرارها».

أسباب الدعوات للتعليق
الغضب يتغذى أساساً على معاملة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية: في غزة قُتل أكثر من 71 ألف شخص في حرب إسرائيل، وغالبيتهم من النساء والأطفال بحسب وزارة الصحة في غزة، وآلاف آخرون في عداد المفقودين تحت الأنقاض ومفترض موتهم. تأتي هذه المأساة بعد أكثر من عامين من العمليات العسكرية التي اعتبرها كثيرون شرارة لتصاعد الدعوات لإنهاء اتفاقية الشراكة.

رغم اتفاق «وقف إطلاق نار» بوساطة أمريكية تم التوصل إليه في أكتوبر، استمرت القوات الإسرائيلية في شن هجمات شبه يومية على غزة، ما أسفر عن مئات القتلى منذ ذلك الحين، بالإضافة إلى القيود الشديدة المفروضة على دخول المساعدات الحيوية إلى القطاع المدمر. تحقيق أممي صدر في سبتمبر من العام الماضي خلص إلى وجود «نيّة إبادة» في سياق الحرب على غزة — قرار وصفه العديد من المراقبين بأنه حدث مفصلي.

يقرأ  كَيْفَ تُحَوِّلُ لُعْبَةَ فِيدِيُو إِلَى اقْتِبَاسٍ مِثَالِيٍّ

تحرّكات قضائية دولية
في ديسمبر 2023 رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي تتهم إسرائيل بارتكاب أفعال ترقى إلى جريمة الإبادة في غزة، ولا تزال القضية منظورة. وفي نوفمبر 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوفال غالانت بتهم جرائم حرب في غزة. المحكمة رأت أن هناك «أسساً معقولة» للاعتقاد بأنهما «حرمّا عمداً ومعرفة السكان المدنيين في غزة من أشياء لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك الغذاء والماء والأدوية والوقود والكهرباء».

كما أصدرت المحكمة مذكرة توقيف ضد قائد عسكري في حماس، محمد ديف، بتهم «جرائم ضد الإنسانية» تتعلق بهجوم حركي وقع في أكتوبر 2023 استهدف مواقع إسرائيلية وأسفر عن مقتل أكثر من ألف إسرائيلي وأسر أكثر من مئتين بحسب بيانات ذلك الهجوم.

الخلاصة
النقاش داخل أروقة الاتحاد الأوروبي بين دول تدفع نحو اتخاذ خطوات ملموسة ضد إسرائيل ودول تحفظية يُظهر مدى التعقيد السياسي والأخلاقي لقضية تعليق اتفاقية الشراكة. الضغوط الحقوقية والشعبية والقضايا المرفوعة أمام المحاكم الدولية تزيد من احتمالات أن يضطر الاتحاد إلى اتخاذ موقف واضح يوازن بين التزامه بالقانون الدولي وقيم حقوق الإنسان، من جهة، والاعتبارات الجيوسياسية والدبلوماسية من جهة أخرى. تأكد مقتل ديف في غارة جوية إسرائيلية على غزة في يناير 2025.

يقف فلسطينيون بجانب خيمة نُصبت فوق أنقاض مبانٍ دمرتها عمليات جوية وبرية إسرائيلية في حيّ الشيخ رضوان بمدينة غزة، يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025. [ملف: عبد الكريم حنا/أسوشيتد برس]

الضفةالغربية المحتلة

تمتد المخاوف أيضاً إلى الضفة الغربية المحتلة، حيث تصاعدت أعمال العنف من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين، ولاقى هذا التصعيد إدانات واسعة من حكومات أوروبية. العنف، الذي يقول فلسطينيون ونشطاء إنه يُتجاهَل وغالباً ما تحميه أو تدعمه القوات الإسرائيلية، دفع الاتحاد الأوروبي إلى مناقشات حول احتمال فرض عقوبات تستهدف «المستوطنين المتطرفين».

يقرأ  إسبانيا تواجه حرائق كبرى رغم تراجع موجة الحر مع هبوط درجات الحرارةأخبار أزمة المناخ

وطالما أدى استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية إلى تصاعد الانتقادات، إذ تراه دول أوروبية كثيرة عامل إضرار بآفاق حلّ الدولتين.

النمط المألوف يكمن في إقامة بؤر استيطانية على أطراف القرى الفلسطينية، يتبعها مضايقات متواصلة وغالباً عنيفة تشمل تحويل إمدادات المياه، قتل أو سرقة الماشية، وتدمير الألواح الشمسية. وبعد طرد سكان هذه المجتمعات تُبنى مستوطنة غير قانونية في الموقع، ثم تحصل لاحقاً — أحياناً بأثر رجعي — على مصادقة من السلطات الإسرائيلية.

في ديسمبر من العام الماضي، دانت 14 دولة، بينها المملكة المتحدة وكندا والدنمارك وفرنسا، موافقة إسرائيل على إقامة 19 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، واعتبرت هذه الخطوة غير قانونية وتهدد وقف إطلاق النار في غزة و«السلام والأمن طويلَي الأمد» في المنطقة.

وفي الشهر نفسه، قالت الأمم المتحدة إن توسع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بلغ أعلى مستوياته منذ عام 2017 على الأقل.

وينص القانون الدولي على أن القوى المحتلة، مثل إسرائيل، لا يجوز لها نقل سكّانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، كَضِفّة الغربية، حيث يقيم الآن نحو 700,000 مستوطن.

[الجزيرة]

أضف تعليق