السلطات الإيرانية تُبرز موقفًا متشدِّدًا بينما تلوح آفاق لمزيد من المحادثات — أخبار الصراع

طهران، إيران — تبدو السلطات الإيرانية ووسائل الإعلام الرسمية أقل اهتمامًا من ذي قبل بإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة إذا تجاوزت تلك المفاوضات الشروط التي تقبلها طهران، وذلك بعد فشل محادثات ميسّرة في باكستان.

التقى وزير الخارجية عباس عراقجي كبار المسؤولين الباكستانيين في إسلام آباد يوم السبت، ثم غادر متوجها إلى عُمان تمهيدًا للتوجّه لاحقًا إلى روسيا. وقال الدبلوماسي البارز، الذي لم يرافقه في هذه الجولة رئيس البرلمان محمد باقر غاليباف كما حدث في مفاوضات سابقة هذا الشهر، إنه «لم يرَ بعد ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة حقًا في الدبلوماسية».

قصص موصى بها

كان من المتوقع أن يصل المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان بعدما أعلن البيت الأبيض أن إيران طلبت جولة ثانية من المفاوضات المباشرة، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألغى الزيارة قائلاً: «نحن نملك كل الأوراق، وهم لا يملكون شيئًا»، ومكرِّرًا مزاعمه بشأن «القتال الداخلي والارتباك» في قيادة إيران. وكتب ترامب في منشور إلكتروني أيضًا: «إذا أرادوا الحديث، فما عليهم سوى أن يتصلوا!!!» مستمرًا في تحميل الزعماء الإيرانيين مسؤولية المضي قدمًا.

وبالتزامن مع انقطاع شبه كامل للإنترنت تفرضه الدولة في إيران منذ قرابة شهرين، يؤكّد المسؤولون وأنصار الجمهورية الإسلامية توحّدهم في معارضة أي تنازلات أمام ترامب.

وقال الرئيس الأمريكي في وقت سابق من الأسبوع إنه «ليس في عجلة» للتوصل إلى اتفاق مع القيادة الإيرانية، زاعمًا دون دليل أنها «تتقاتل كالقطط والكلاب» فيما بينها. ومنذ أن سلّط ترامب الضوء على ما اعتبره شقاقات داخلية، بدأت السلطات العسكرية والأمنية والقضائية والحكومية في طهران تبث رسائل متزامنة بصياغات متقاربة للغاية لتؤكد وحدة الصف بصورة مطلقة.

وتداولت الرسائل، التي نشرتها وسائل الإعلام الرسمية مستخدمةً رسومات وخطوطًا متشابهة لكن بألوان مختلفة، مفهوماً موحّدًا مفاده أن الجميع في البلاد «ثوريون» ويظهرون «طاعةً كاملة» للمرشد الأعلى مجتبا خامنئي.

وتزعم السلطات أيضًا أن أكثر من ثلاثين مليون شخص — ثلث إجمالي سكان إيران — سجلوا أنفسهم في حملة تديرها الدولة للتعبير عن الاستعداد «للتضحية» بأرواحهم إذا لزم الأمر، لكنها لم تقدم أي مستندات تثبت هذا الرقم.

يقرأ  هجوم بطائرة مسيّرة من السودان يودي بحياة ١٧ شخصًا في تشاد، مع امتداد الحرب عبر الحدودأخبار حرب السودان

وأعلن مقر خاتم الأنبياء المركزي التابع للحرس الثوري يوم السبت بعد الظهر أن القوات المسلحة ستنتقم من الولايات المتحدة إذا واصلت «الحصار والبلطجة والقرصنة» في المياه الجنوبية الإيرانية. وجاء في بيانه: «نحن مستعدون وحازمون على مراقبة سلوك وحركة الأعداء في المنطقة والمحافظة على إدارة والتحكم في المضيق الاستراتيجي هرمز، وإلحاق أضرار أشد بالأعداء الأميركيين-الصهاينة في حال وقوع أي عدوان جديد».

كما اصطحب الحرس الثوري مذيعًا من التلفزيون الرسمي إلى موقع قرب سفينتين استولِيَ عليهما قبل أيام في المضيق ليروِ بشأن «السيطرة التامة» التي تمارسها إيران على الممر المائي.

تواصل السلطات دعوة أنصارها، بمن فيهم ميليشيات شبه عسكرية، للنزول إلى الشوارع كل ليلة للحفاظ على السيطرة. وفي تجمع حاشد بوسط طهران ليلة الجمعة، قال المقرّب من الدولة والمنشد الديني ميسم مطيعي المرتبط بمكتب المرشد للجماهير إن «من يظل غارقًا في الصراعات الحزبية في زمن الحرب لم يَـنضُج بعد». وأضاف: «إذا حاول أي شخص من أي مجموعة أو فصيل، وخاصةً تحت ذريعة كونه ثوريًا، زعزعة وحدة الشعب، فسيُلْقِنُه الناس صفعة على وجهه».

وفي مدينة مشهد المحافظة الشديدة في شمال شرق إيران، حيث يقع ضريح يُعد مقدّسًا لدى الشيعة وتعمل هناك مؤسّسات دينية واقتصادية نافذة، واصل بعض الخطباء التحريض ضد احتمال عودة قادة إصلاحيين ومعتدلين إلى السلطة. وفي تسجيل مصوّر نشرته وسائل إعلام مرتبطة بالدولة، قال متحدّث لجمهور حاشد ليلة الجمعة إنهم «أُمروا بالحفاظ على الوحدة مع المسؤولين الحاليين، وليس مع هذين الرجلين»، في إشارة إلى الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف.

وقال المتحدّث عن الدبلوماسي الذي قاد محادثات نووية أوصلت إلى اتفاق تاريخي انتهت صلاحيته في 2015: «نحن لا نخشى من قاذفات B-2 وB-52؛ نحن نخشى المنافِقين الذين لا يبالون بالوطن. حيثما يثير ترامب الفوضى يأتي ظريف ليفشي الكلام»، بحسب عبارته.

يقرأ  الجيش الإسرائيلي يعلن اسم الجندي الذي قُتل في مدينة غزة

تواصل السلطة القضائية تنفيذ أحكام الإعدام بحق معارضين، فأعلنت السبت إعدام عرفان كياني الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، التي قُتل فيها الآلاف. ووصفته النيابة بـ«سكين الموساد المستأجر» واتهمته بتهم تتضمّن تدمير الممتلكات وإحراقها وأعمالًا أخرى في وسط طهران، بحسب بيان القضاء.

لا مفاوضات نووية؟

تشير تقارير وسائل الإعلام الرسمية إلى أن الحصار البحري الأمريكي لموانئ إيران يقوّض وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب، ويسمح لصوت التيارات الأكثر تشدّدًا في طهران أن يتقدّم. وخرجت وكالتا تسنيم و فارس، المقربتان من الحرس الثوري، بمواقف رافضة لإجراء أي مفاوضات نووية مع الولايات المتحدة، رغم أن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدا أنهما شرعا في الحرب بهدف رئيسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. تؤكد طهران باستمرار أن برنامجها النووي سلمي، رغم أن بعض القادة الإيرانيين طالبوا بتطوير سلاح نووي. ونقلت وكالة تسنيم عن مسؤول إيراني أن «المفاوضات مع الولايات المتحدة تهدف حصراً إلى إنهاء الحرب، وإيران لا تعتبر الملف النووي جزءاً من المحادثات»، مضيفاً أن الوقت ليس في صالح واشنطن بسبب الاضطراب الذي أحدثته الحرب في أسواق المال العالمية.

لم يعلق خامنئي بشكل مباشر على احتمال استئناف المفاوضات، لكن علي خزريان، أحد نواب طهران في البرلمان الذي تسيطر عليه التيارات المتشددة، قال لوسائل الإعلام الحكومية إن خامنئي «معارض لأي تمديد للمفاوضات» تحت ضغوط من الولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، تبنّى وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس في وقت سابق هذا الأسبوع خطاباً تصعيدياً شبيهاً برسائل ترامب، قائلاً إن القوات المسلحة تنتظر الضوء الأخضر من واشنطن لـ«إعادة إيران إلى عصر الظلام والحجر عبر تفجير منشآت الطاقة والكهرباء المركزية وتحطيم البنية الاقتصادية الوطنية».

وتشير بيانات الجيش الأمريكي إلى وجود ثلاث حاملات طائرات أمريكية حالياً مع سفن مرافقة في منطقة الشرق الأوسط، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ التوترات التي سبقت غزو العراق عام 2003.

يقرأ  ترامب يلمّح إلى «تخفيف» الحرب مع إيران فيما تنشر الولايات المتحدة مزيدًا من القوات في المنطقة — أخبار الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية ضد إيران

من جانب آخر، وصف محمود نبويان، رجل دين أسود العمامة ونائب متشدد شارك في الوفد الإيراني الكبير في جولة المحادثات الأولى، إدراج الملف النووي حتى ضمن جدول النقاش بأنه «خطأ استراتيجي»، قائلاً إن ذلك أتاح للولايات المتحدة رفع مطالب مثل تعليق التخصيب لعشرين عاماً وإرسال اليورانيوم المخصب عالياً إلى الخارج.

وأضاف أن «أي دخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة من الآن فصاعداً هو مجرد ضرر ولا يخدم مصلحة الأمة الإيرانية»، وزعم أن مبيعات النفط تمنح الحكومة «يداً كاملة» من الموارد.

كما قال محمد سعيدي، امام صلاة الجمعة في قم المحافظة المتشددة جنوب طهران، إن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة «يندرج في باب العبث والظلم» لأنه، في نظره، «رمز للفساد».

البنية التحتية المدنية مهددة

أبدت حكومة الرئيس المعتدل نسبياً مسعود پزشكيان قلقها من تداعيات استهداف منظّم للبنية التحتية المدنية، لا سيما محطات الطاقة، في حال استمرت الحرب. وقال الرئيس يوم السبت: «لدينا طلب بسيط من المواطنين: خفض استهلاكهم من الكهرباء والطاقة. في الوقت الراهن لا نريد من هؤلاء الأبناء أن يضحوا بأرواحهم، لكن علينا ضبط الاستهلاك»، مذكراً بأن «استهداف بنيتنا التحتية وحصارنا يؤديان إلى سخط شعبي».

من جهته، أعلن محمد الله‌داد، رئيس شركة توانير الحكومية المسؤولة عن تطوير وتشغيل شبكة الكهرباء الإيرانية، عبر التلفزيون الرسمي عن مكافأة للمواطنين الذين يبلغون عن سرقات أو استخدام غير قانوني للكهرباء.

وقال النائب الأول للرئيس محمدرضا عارف: «سنعيد بناء إيران أكثر مجداً» من خلال التلاحم بعد هجمات سابقة طالت منشآت نفط وغاز ومصانع حديد وبتروكيماويات وألمنيوم، فضلاً عن مطارات وموانئ بحرية وجسور وشبكات سكك حديدية.

وأعادت الحكومة فتح مطار الإمام الخميني في طهران أمام بعض الرحلات المتجهة إلى الخارج يوم السبت، بما في ذلك رحلات الحجاج إلى السعودية، على الرغم من احتمال تجدد الحرب.

أضف تعليق