في مساء خلاب في مقر السفير التايلاندي في هيرتزلية بيتواخ، جمع السفير الجديد بونيارِت فيتشيينبونتو دبلوماسيين وشخصيات اعتبارية في حفل حمل عنوان “مهرجان النور: سحر التراث التايلاندي”؛ فعرض ثقافي متقن تماشى مع رسالة دبلوماسية واضحة عن السلم والشراكة والصمود.
قلة هم من تذوّقوا باد تاي معدًّا على يد الشيف الخاص بسفير تايلاند، وأقل منهم من شاهد السفير يقود العرض الطبخي بنفسه، يعلّق بثقة من اكتسبها في سنواته الأولى في الخدمة الدبلوماسية عندما كان يصقل مهاراته في المطبخ. وسط رقصات تقليدية وأزياء مزخرفة، وأثناء طقوس لوي كراثون وطفو القِرع الصغيرة في حوض السباحة، تسللت رسالة مدروسة بوضوح: تايلاند تعتز بموقعها الخاص في الشرق الأوسط وتضاعف جهودها لحماية مواطنيها العاملين في اسرائيل.
الحدث لم يكن مجرد عرض طهوي؛ علامة “Thai SELECT” التي تبرز هناك ليست دبلوماسية ناعمة أو حيلة تسويقية فحسب، بل برنامج صارم لوزارة التجارة في تايلاند يشترط أن يقدم المطعم 60% من أطباقه وصفات تايلاندية أصيلة وبطرق طبخ تقليدية، مع ضرورة إعادة التقييم كل ثلاث سنوات للحفاظ على المعايير. في اسرائيل حصلت عدة مطاعم على هذه الشهادة، من بينها نم، سوي، تايغر ليلي، تاي في هار سيناï، وThai House.
نكهات الحفل كانت صادمة بجمالها: سلطة البابايا توازنت بين الحلو والحامض والمالح والحار، أطباق أخرى حملت حرارة كافية لتطلب جرعة من ما وصفه الساقي بـ”شاي قديم” – مشروب بنفسجي لامع قليلًا يقال إنه علاج تقليدي. أرز المانجو اللزج كان مثالياً، واللوك تشوب – حلوى من الفول الأخضر مصغّرة على هيئة خضار – قدّمت حلاوة رقيقة تشبه الموشي. كما تم عرض جلسة تدليك تايلاندية تقليدية تعكس جانبًا من ثقافة العافية في بلدهم. كل ذلك لم يكن تكيّفًا لكنه وصول بالأصالة التايلاندية إلى الشواطئ الاسرائيلية، في إطار تبادل ثقافي أوسع يشمل نحو 400,000 إسرائيلي يزورون تايلاند سنويًا (نحو 5% من سكان اسرائيل).
أكثر لحظات الحفل تأثيرًا كانت عندما دعا السفير عماله التايلانديين إلى المسرح — رجال جاؤوا من مواقع عملهم في اسرائيل ليُكرموا أمام سفارتهم. “هم عمال في البناء وتايلاند فخورة بهم لأنهم يأتون لنا بأكبر موارد للدخل في وقت تواجه فيه بلادنا تحديات اقتصادية مثل غيرها من الدول”، قال السفير بنبرة ملؤها الإحساس. “هم يعينوننا ويعينون أسرهم، كما أنهم جلبوا تقديرًا متبادلًا من الجانب الاسرائيلي للاهتمام بهم.”
وليس الأمر مجرد مراسيم. منذ 7 أكتوبر 2023 أظهرت تايلاند عزيمة دبلوماسية ملحوظة في حماية مواطنيها في اسرائيل: من بين 39 تايلانديًا قُتلوا في هجمات حماس و32 اُختطفوا، نجحت تايلاند في التوسط لإطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء — 23 في نوفمبر 2023 عبر مفاوضات منفصلة بواسطة وساطات إيرانية وقطرية، وخمسة آخرين في يناير 2025 بعد 481 يومًا من الأسر. لا تزال رفاتا اثنين من العمال — سونثايا أوكّاراسري وسودثيساك رينثالاك — محتجزة في غزة.
اليوم يعمل نحو 40,000 عامل تايلاندي في اسرائيل ويتقاضون حوالي 1,500 دولار شهريًا — ما يعادل خمس أضعاف ما يمكنهم جنيه في بلدهم؛ يعملون في الزراعة والبناء والخدمات ويشكلون عمودًا فقريًا لعدة قطاعات اسرائيلية. قرار تايلاند بالحفاظ على هذا الوجود وتعزيزه رغم المخاطر الأمنية هو تعبير قوي عن ثقتها في العلاقة الثنائية.
وعند سؤاله عن قدرة تايلاند على موازنة علاقاتها مع اسرائيل ومع لاعبين إقليميين آخرين — بما في ذلك إجراء مفاوضات لإطلاق سراح رهائن عبر إيران — رد السفير بأن العلاقات لا تُبنى على معاملات عابرة: “لا نحتاج إلى المحافظة عليها. لدينا دائمًا علاقات جيِّدة مع شعبكم ومع أصدقاء آخرين”، مشددًا على أن تايلاند لا تنظر للعلاقات كصفقات مؤقتة وإنما كعلاقات طويلة الأمد وصادقة. وأشار مرارًا إلى أن رسالتهم الأساسية هي أن “شعبنا بريء” وأن العمال الذين تعرضوا لآثار حادثة 7 أكتوبر ليسوا أصحاب مصلحة سياسيين ولا ينبغي أن يُستغَلوا أو يُضحّوا بهم من أي طرف، وأن واجب الحكومة التايلاندية الوطني هو حمايتهم ومساندتهم.
موقف تايلاند الدبلوماسي، المشتمل على الحفاظ على اعترافها بدولة فلسطين منذ 2012 وفي الوقت نفسه تعميق الروابط مع اسرائيل، يعكس مقاربة الاستماع إلى جميع الأطراف والسعي إلى الاحترام المتبادل والتفاهم بديلًا عن الاعتماد على القوة وحدها. احياناً، كما بدا في حديث السفير، الدبلوماسية الحقيقية تتطلب الجمع بين الثقافة والإنسانية والسياسة لصياغة رسالة أعمق عن الشراكة والصمود. ولا سبيل إلى ذلك سوى الحل الدبلوماسي.
أكد السفير أن تايلاند تدعم حلَّ قيام دولتين، مع تحفظه على تبسيط تعقيدات بلوغ سلام دائم في المنطقة. وعند سؤاله عمّا إذا كان ثمّة فهم متبادلٍ كافٍ في الإقليم، أجاب بتأملٍ فلسفي: «أنا جديد جداً في هذه المنطقة… لكن أعتقد أنه لم يكن كافياً أبداً». وشدّد على أهمية الإنصات الدبلوماسي، قائلاً إنه حتى إذا كانت رسائل الأطراف الأخرى لا تتقاطع مع توقعاتك، «عليك أن تتسع صدرًا بما يكفي للاستماع إليهم».
الجذور الزراعية عميقة
علاقة تايلاند بـإسرائيل تمتد إلى ما هو أبعد من الأزمة الراهنة. أشار السفير فيتشينبونتو إلى أن البداية كانت بمستوى تميز بلدكم في تكنولوجيا الزراعة، وأن إسرائيل «قدّمت لنا مساعدات تقنية أسهمت في تحقيق نموّ وتطوّر في أساليبنا المتخصّصة في الزراعة». وبشكل حاسم، شملت هذه الشراكة مشاريع الملكية الملكية في تايلاند. «في تايلاند، المليك كل شيء بالنسبة لنا»، كما شرح السفير، «والملك كرّس نفسه لشعبه، وأنتم جزء من مشروع الملك. لذا فقد قربنا ذلك بعضنا من بعضٍ أكثر». تربط هذه الصلات اللّاحقة بالمؤسسة الملكية سببًا إضافيًا لاستمرار الروابط القوية مع اسرائيل، فالأمر ليس تقفّراً على الاقتصاد أو الجيوبولتيكا، بل يتعلق ببرامج مرتبطة مباشرةً بالمؤسسة الملكية المبجلة.
ما وراء الشواطئ: علاقة ناضجة
تطرّق السفير أيضاً إلى تطوّر السياحة الإسرائيلية في تايلاند، والتي تجاوزت سمعتها الحزبية. تذكر كيف أن «أثناء جائحة كوفيد، كان هناك سياح إسرائيليون علِقوا في كو فانغان. ثم جاء الرحّل الرقميون. وبعد ذلك تغيّرت صورة السياحة الإسرائيلية في كو فانغان من الحفلات القمرية الصاخبة إلى أسلوب سفر أكثر جوهرية». واعترف بوجود سوء تفاهمٍ ثقافي سابق: «قد نواجه مشكلات متعلّقة بسوء فهم الثقافة والتقاليد التايلاندية. لكن في النهاية، وبمحبة شعبكم، بدأ الإسرائيليون يفهموننا». وأشار إلى أن هذا الفهم المتبادل يوفر «أساسًا متينًا للارتقاء بمستوى التعاون».
نظرة إلى الأمام
استعرض الحفل تراثًا ثقافيًا تايلانديًا معترفًا به من اليونسكو — من رقصة الخون ذات الأقنعة التقليدية إلى الأزياء الوطنية التي تُدرس حالياً لاعتبارها تراثًا غير مادي. وفي الوقت نفسه بدا واضحًا أن البلد يعمل من أجل تعاون مستقبلي، بما في ذلك ورش عمل حديثة في الأمن السيبراني واتفاقيات تجارية محتملة. «تايلاند أمة تحمل في قلوبها حبًّا وسلامًا وانسجامًا بفخر»، قال السفير فيتشينبونتو، «ونحن نشارك هذه الشخصية المحبة للسلام مع الجميع في المجتمع الدولي».
عندما طُرح سؤال عن توقعات مستقبل غزة، اتسم رده بالواقعية والاعتراف بتعقيد المشهد: «لا أظن أن أحدًا يستطيع التنبؤ»، مضيفًا أن حتى المقيمين في مناطق الصراع يواجهون صعوبة في العثور على إجابات ثابتة.
طقس إيجاد الأمل
حين أطلق السفير طوفة كراتونغ في حوضه إلى جانب أفيف عزرا، لم يغِب عن الحضور رمز الطقوس. مهرجان لوي كراثونغ يدور حول التخلّي عن الحزن واستقبال النِّعم. وبعد صدمة السابع من أكتوبر وتداعياتها، حمل الطقس معنى خاصًا لكلّ من تايلاند وإسرائيل.
«أظن أنني سأقيم المزيد والمزيد من أمثال هذه الحفلات في المستقبل»، وعد السفير ضيوفه.
في منطقة غالبًا ما تكتنفها الاستقبالات الدبلوماسية أجواء مثقلة بتوترات غير معلنة، قدّمت أمسيّة تايلاند الثقافية — مع طبق باد تاي معدّ بإتقان وتكريم صادق للعمال — شيئًا مختلفًا: تذكرة بأنّه حتى في أكثر المشاهد الجيوسياسية تعقيدًا ثمة فسحة للصلة الأصيلة والاحترام المتبادل، وليس أقل من ذلك طعام تايلاندي رائع حقًا.
الرسالة كانت واضحة: تايلاند لم تغب ولن تغيب. سيستمر عمالها في البناء والزراعة، وسيواصل السياح الإسرائيليون زيارة تايلاند، وسيبقى دبلوماسيّوها يطبخون الحلول — أحيانًا حرفيًا — لجسر الفجوات والحفاظ على السلام. ومن الصعب مجادلة استراتيجية دبلوماسية تجمع بين نجاح مفاوضات الإفراج عن الرهائن وطبق باد تاي معدّ على أكمل وجه.