محاكمه أربعة جنود إندونيسيين متهمين بهجوم بالحمض ضد ناشط
بدأت في جاكرتا محاكمه عسكرية لأربعة جنود إندونيسيين متهمين بتنفيذ هجوم بالحمض استهدف ناشطاً كان ينشط ضد التوسع التدريجي لدور القوات المسلحة في الحكومة. أثار الملف اهتماماً وطنياً ودولياً، ووصف خبراء الحادث بأنه جزء من نمط أوسع من القمع تزامناً مع مخاوف متزايدة حيال تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية وتآكل المكتسبات الديمقراطية في إندونيسيا.
ملابسات الاعتداء
تركز المحاكمة، التي انطلقت يوم الأربعاء، على هجوم وقع في 12 مارس حين كان أندري يونوس (27 عاماً)، ناشط لدى اللجنه المعنية بالمفقودين وضحايا العنف، يقود دراجة نارية في جاكرتا. وفقاً للمدّعي العسكري محمد إيسوادي، ألقى رجلان على دراجة أخرى حمضاً أصابه بجروح أدت إلى فقدانه البصر في إحدى عينيه وحروقات تجاوزت عشرين في المئة من وجهه وجسده.
التهم والمسار القانوني
وجّه المدّعون تهمة الاعتداء العمد إلى الجنود الأربعة، وجميعهم مرتبطون بوكالة الاستخبارات الاستراتيجية العسكرية، وتصل العقوبة القصوى لهذه التهمة إلى اثني عشر عاماً سجناً. استقال رئيس الوكالة لاحقاً دون أن يُعلَن سبب استقالته رسمياً. وقال المدّعون إن الدافع المزعوم مرتبط بغضب على نشاطات يونوس، وأن المتهمين لم يكونوا يتلقّون أوامر رسمية، حسبما أُبلغ في لائحة الاتهام.
ردود الفعل الدولية
أدانت الأمم المتحدة الهجوم؛ ووصف المفوّض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الحادث بأنه «عمل عنيف جبان»، بينما وصفت المقررة الخاصة ماري لولر الواقعة بأنها «مروعة».
لماذا استُهدف يونوس؟
كان يونوس ناقداً صريحاً لمحاولات توسيع دور الجيش في الحكم المدني. احتجّ على تعديل أُقرّ العام الماضي أتاح لمنتسبين فعّالين في الخدمة العسكرية شغل مناصب أوسع في مؤسسات حكومية، منها مكتب المدّعي العام ووكالات إدارة الكوارث ومكافحة الإرهاب. قبل أيام من إقرار النص، اقتحم يونوس اجتماعاً برلمانياً مغلقاً يناقش التعديل وعبّر عن اعتراضه صاخباً قبل أن يُقتاد قسراً إلى خارج القاعة. وفي وقت تنفيذ الهجوم، كان قد سجّل للتوّ حلقة بودكاست ينتقد فيها ما وصفه بـ«عسكرة» مؤسسات الدولة تحت رئاسة برابوو سوبِيانتو، الذي شغل منصب قائد عسكري سابق.
مخاوف من الإفلات من العقاب ونزاهة المحاكمة
أبدت منظمات حقوقية مخاوف جدّية بشأن الإفلات من العقاب وما إذا كان نطاق التحقيق في الهجوم سيشمل جميع المتورطين المحتملين. قال باحث إقليمي من منظمة العفو الدولية، تشاناتيب تاتياكارون وونغ، إن المنظمة قلقة أيضاً بشأن عدالة المحاكمة، مشيراً إلى أن إحالة القضية إلى محاكم عسكرية قد تُضعف من إمكانية المساءلة. وأضاف أن تقارير سابقة وثّقت افتقار المحاكم العسكرية في إندونيسيا إلى الحياد والاستقلالية والشفافية اللازمة وفق المعايير الدولية لمحاكمات عادلة. كما لفت إلى أن المجتمع المدني أعرب عن قلقه لكون لائحة الاتهام شملت أربعة ضباط فقط، في حين أشارت تحقيقات أخرى إلى احتمال تورط ما لا يقل عن 14 شخصاً في هذا الاعتداء.
نمط أوسع من الاستهداف
رأى مراقبون أن الحادثة ليست استثناءً، بل تجلٍّ لاتجاه أوسع يمارس فيه ضغوط على الناشطين والصحافيين في إندونيسيا. قال ويجايانتو، مدير مركز الإعلام والديمقراطية في معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية والتعليم والمعلومات (LP3ES)، إن القضية تعكس تزايداً مطرداً في سياسات القمع خلال العقد الماضي: «أندري يونوس ليس سوى مثال واحد… إنها علامة على تراجع الديمقراطية وازدياد دور الجيش». في مارس 2025، تلقّت مؤسسة التحقيقات الصحفية تيمبو طروداً احتوت رأس خنزير مقطوعاً وجثث فئران، ورُئيت تلك الحوادث على نطاق واسع كرسائل ترهيب للصحافيين.
هل يتسع دور الجيش في إندونيسيا؟
في صميم المخاوف المتعلقة بهذه المحاكمة يكمن التوسع المتزايد لدور الجيش داخل مؤسسات الدولة، حيث تُمحى الفواصل بين السّلطة السياسية والقوات المسلحة. تحت رئاسة برابوو (المنتخب عام 2024)، وهو جنرال سابق من القوات الخاصة وصهر الرئيس السابق سوهارتو، شهد دور المؤسسة العسكرية اتساعاً بحسب خبراء. تذكّر حقبة حكم سوهارتو التي امتدت ثلاثة عقود بالقيود السياسية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، ومع ذلك جرى منحه لقب «بطل وطني» بعد وفاته خلال ولاية برابوو، خطوة أثارت انتقادات من منظمات حقوقية ونقّاد ديمقراطيين.
أتى التوسع التشريعي الجديد الذي يسمح لضباط في الخدمة بشغل مناصب مدنية دون الاستقالة من صفوف الجيش ليعيد إجراءات سبقت إصلاحات عام 1998 التي هدفت إلى الحدّ من تدخل الجيش في الشؤون السياسية والمدنية. رفع المجتمع المدني قضايا أمام المحكمة الدستورية محذِّراً من أن هذه التعديلات قد تقوّض الضوابط الديمقراطية وتضعف الرقابة المدنية. وحذّر ويجايانتو من أن التغييرات قد تضرّ بالحوكمة وثقة الجمهور: «نشكّ في قدرة الجيش على إدارة مشاريع مدنية؛ فهم يفتقرون إلى المهارات»، وأضاف: «والأهم أن لذلك أثره السياسي، فالجيش يجب أن يكون للدفاع لا للتدخل في شؤون المدنيين؛ ذلك يجعل الناس يخشون من انتقاد الحكومة».
ردّ الفعل الشعبي
تزايدت المخاوف من نفوذ الجيش بالتزامن مع سخط شعبي أوسع. في أوائل 2025 خرج طلاب إلى الشوارع احتجاجاً على تقليص الميزانيات وتوسيع صلاحيات الجيش، ثم تكثفت المظاهرات لاحقاً بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم عدم المساواة وغضب شعبي من الفساد. أشار المحتجون إلى الضغوط الاقتصادية المتزايدة، بما في ذلك التضخّم وتجمّد الأجور وفوائدٍ مُغتاظ بها للنواب. سربت تقارير أن 580 نائباً برلمانياً يتلقون علاوة سكنية شهرية بقيمة 50 مليون روبية (حوالي 3000 دولار) بالإضافة إلى رواتبهم، ما أثار استياءً واسعاً لأن هذه العلاوة تقارب عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجر في جاكرتا ونحو عشرين ضعف الحد الأدنى في المناطق الأفقر. وخلاصة قول ويجايانتو أن «استياء الناس لا يقتصر على التضييق على حرية التعبير، بل يمتد إلى الفجوة الاقتصادية»؛ فالتفاوت يتزايد بينما يُعاني الناس من الفقر المتصاعد. هذا يولّد شعورًا عميقًا بالظلم.
الهجوم على يونس يجسّد تحوّلاً أعمق في إندونيسيا، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت موجة انتقاد الجيش أصبحت أكثر خطورة، وما إذا كانت آليات المساءلة تضعف، وما إذا كانت الإصلاحات الديمقراطية التي انطلقت بعد عام 1998 تُعاد صياغتها أو تُقوّض.
قالت منظمات حقوقية إن القضية تعكس أيضاً نمطاً أوسع في طريقة تعامل السلطات مع المعارضين. تاتيياكارونونغ قال: «لقد قوبلت هذه الاحتجاجات كلها بردود قمعية شديدة من قبل السلطاتالإندونيسية، بما في ذلك القتل والاعتداءات والترهيب ضد المحتجين فضلاً عن الصحفيين الذين يغطّون هذه الاحتجاجات والمدافعين عن حقوق الانسان الذين يقدمون المساعدة للمحتجين.»
مع استمرار المحاكمة، ترى منظمات حقوق الإنسان أن السؤال المحوري يكمن في ما إذا كانت ستؤدّي إلى تدقيق أوسع في دور المؤسسة العسكرية في الحياة العامة.
وأضاف تاتيياكارونونغ أن قضية يونس أصبحت رمزاً لتطورات أوسع في البلاد.
«ما نوثّقه في إندونيسيا هو ترسّخ ممارسات سلطوية لها تبعات جسيمة على حقوق الإنسان. وتشمل هذه التوسّع في صلاحيات المؤسسة العسكرية، وتقلص مساحة الاحتجاج السلمي والصحافة المستقلة، وصدور تشريعات جديدة تُسهِم في القمع بدل أن تعزّز المساءلة.»
وخلال الثمانية عشر شهراً الماضية منذ وصول الرئيس برابوو إلى السلطة، وثّقت منظمة العفو الدولية عدة حالات تعرّض فيها أشخاص مثل أندريه — الذين انتقدوا عسكرة إندونيسيا — لهجمات ومضايقات على الإنترنت وخارجه.