قناة بنما: بؤرة توتر بحري جديدة بين الولايات المتحدة والصين
في الأسابيع الأخيرة تحولت قناة بنما إلى نقطة احتكاك بحرية جديدة، حيث تبادلت واشنطن وبكين اتهامات حادة حول النفوذ على أحد أهم ممرات الشحن العالمية.
اتهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة، في مطلع هذا الاسبوع، الصين بإيقاف وإحتجاز سفن مرتبطة ببنما، ووصفت تلك الأفعال بأنها “محاولة صارخة لتسييس التجارة البحرية”. من جانبها، نفت بكين مراراً هذه المزاعم ووصفتها بـ”الادعاءات المنافية للوقائع” متهمة الولايات المتحدة بتسييس التجارة الدولية وتقويض سيادة الدول.
حذر خبراء من أن أي تعطيل للقناة، حتى لو كان مؤقتاً، قد يؤثر تأثيراً بالغاً على التجارة العالمية. قال فرديناند راوخ، أستاذ الاقتصاد بجامعة سانت غالن بسويسرا، إن ذلك قد يؤدي إلى اختناقات مؤقتة في الإمداد، وتقلبات في أسواق الأسهم، وضغوط تضخمية صاعدة، وقد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا طال الأمد.
التوترات الراهنة في قناة بنما تأتي موازية لتصاعد الاحتقان في مضيق هرمز، الذي أصبح فعلياً مغلقاً منذ أسابيع إثر هجمات أميركية-إسرائيلية على إيران، وشهد المضيق عمليات اعتراض وهجمات واحتجازات لسفن متعددة خلال تلك الفترة. مع اشتداد هذه الاحتكاكات يبدو أن القوى الكبرى باتت أكثر استعدا لمزاولة ضغوط على ممرات الشحن الدولية، ما يطرح تساؤلات حول مدى تآكل القواعد والقوانين الدولية البحرية المتعارف عليها.
ما الذي يحدث تحديداً في قناة بنما؟
في بيان مشترك يوم الثلاثاء، أدانت الولايات المتحدة مع كل من بوليفيا وكوستاريكا وجويانا وباراغواي وترينيداد وتوباغو ما سمّته “الضغوط الاقتصادية المستهدفة” من الصين والإجراءات التي أثرت على سفن ترفع علم بنما. واعتبرت هذه الدول أن إيقاف سفن ترفع علم بنما في موانئ صينية يمثل محاولة لتسييس التجارة البحرية وانتهاكاً لسيادة دول منطقتنا.
ووصفت المجموعة بنما بأنها “ركيزة في نظامنا للتجارة البحرية” يجب أن تظل “حرة من أي ضغوط خارجية غير مبررة”، محذرة من أن أي مساس بسيادة بنما يشكل تهديداً للجميع، ومؤكدين على عزمهم إبقاء الأمريكتين منطقة للحرية والأمن والازدهار.
من جهتها، تنفي الصين احتجاز سفن بنمية. وقال لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن اتهامات الولايات المتحدة “لا أساس لها وتشوه الحقيقة”. وطرح تساؤلات تاريخية ساخرة خلال مؤتمره الصحفي عن من احتل قناة بنما أو غزا بنما عسكرياً في الماضي ومن يسعى لتحويل الممر الدولي إلى منطقة نفوذ، مضيفاً أن من يسيّس قضية الموانئ هم الولايات المتحدة.
على صعيد داخلي حاول الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو تلطيف الأجواء، مرحباً بتضامن الدول الصديقة بشأن السفن البنمية المحتجزة في الموانئ الصينية، ومؤكداً عدم رغبة بلاده في الدخول في نزاع لأنها تثمّن العلاقات المحترمة مع جميع الدول.
ما الذي أدى إلى هذه الأزمة؟
في يناير ألغت المحكمة العليا في بنما امتيازاً طويلاً كانت تمنحه لشركة مرتبطة بهونغ كونغ لتشغيل مينائي بالبوّا وكريستوبال. جاء هذا القرار في ظل ضغوط أمريكية متواصلة على بنما للحد من النفوذ الصيني في محيط القناة.
ومنذ ذلك الحين تصاعدت الاتهامات الأميركية بأن بكين بدأت بتأخير أو احتجاز عشرات السفن التي ترفع العلم البنمي داخل موانئها. وذكرت لجنة الشؤون البحرية الفيدرالية الأميركية أن هناك “ارتفاعاً مفاجئاً في حالات الاحتجاز” لفائدة سفن بنمية يفوق المعايير التاريخية. ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أفعال الصين بأنها “تنمر” تثير قلقاً بالغاً بشأن استخدام النفوذ الاقتصادي للضغط على سيادة بنما، فيما تواصل بكين إنكار هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “بلا أساس”.
الخلفية السياسية شملت أيضاً تصريحات متكررة من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب منذ بدء ولايته الثانية، أشار فيها إلى إمكانيّة سيطرة الولايات المتحدة على قناة بنما، متهمًا الصين ـ دون أدلة مؤكدة ـ بإدارة هذا الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو ستة بالمئة من التجارة العالمية.
أزمات بحرية أخرى متزامنة
ما يزيد تعقيد الوضع هو أن أزمة قناة بنما تتزامن مع تآكل أوسع للأعراف البحرية، لا سيما في مضيق هرمز. منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، شهدت أسواق الطاقة اضطراباً كبيراً، إذ أغلقت طهران المضيق عملياً في وجه حركة الملاحة وتسببت في ارتفاع أسعار النفط. ولاحقاً شرعت إيران في فرض رسوم عبور — خطوة غير مسبوقة لمضيق بحري — ما زاد من التوترات.
وفي محاولة لمزيد من الضغط على طهران فرضت واشنطن حصاراً بحرياً استهدف الشحن والموانئ الإيرانية. حالياً هناك نحو ألفي سفينة عالقة عند طرفي المضيق، في حين أعيد توجيه أخرى أو تعرضت لنيران أو احتُجزت في المضيق أو في عرض البحر.
خلاصة
التصاعد المتزامن في قناتي بنما وهرمز يعكس تحولاً في سلوك القوى الكبرى تجاه ممرات الشحن العالمية، ويبرز مخاطر فعلية على التجارة والطاقة والأمن الدولي. الإجراءات المتبادلة والسياسات الأحادية تزيد من احتمال اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف الاقتصادية عالمياً، وتدعو الحاجة لجهود دبلوماسية وقانونية لاحتواء التوترات والحفاظ على حرية وسلامة الملاحة الدولية. الأسبوع الماضي، استولت إيران على سفينتَين حاوِيتَيْن أجنبيَّتَيْن كانتا تحاولان عبور مضيق هرمز، كما أطلقت النار على سفينة ثالثة. قبل ذلك بيومين، احتجزت القوات الأميركية الناقلة الإيرانية « توسكا » قرب الخليج، قائلةً إنها كانت تسعى لعبور البحر العربي عبر مضيق هرمز متجهةً إلى ميناء بندر عباس.
هل أصبح هذا «الطبيعي الجديد» لشحن العالم؟
يرى عبد الخالق، أستاذ بجامعة ليفربول جون مورز في المملكة المتحدة، أن «التنافس الجيوسياسي المتصاعد» بدأ يتسرّب إلى الاختناقات البحرية، من قناة بنما إلى مضيق هرمز. وبيّن أن ما يحدث ليس بعد تحولًا دائمًا إلى «طبيعي جديد» بقدر ما أنه نمط متكرر من الإشارات القسرية والاتهامات المتبادلة التي ترفع مستوى الخطر الأساسي، وتسيّس مسارات الملاحة، وتؤدي إلى اضطرابات أكثر تواترًا في تدفّقات التجارة وأسواق التأمين على مستوى العالم.
من جهته، قال جيمس كراسكا، صاحب كرسي تشارلز هـ. ستوكتون في القانون الدولي بكلية الحرب البحرية الأمريكية، إن الأزمة البحرية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران من غير المرجح أن تتحوّل إلى سمة دائمة للشحن العالمي. وأضاف: «رأيي الشخصي أن المضائق ستظل مفتوحة عبر نوع من الاتفاق التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة»، معربًا عن أمله في أن لا يصبح هذا الوضع طبيعيًا دائمًا في مضيق هرمز.
أشار كراسكا إلى أن المعارضة الدولية القوية لإغلاق الممرات البحرية الكبرى من جانب واحد ستكون عاملاً حاسماً يدفع نحو الحل، «بغض النظر عن التوتر أو الصراع بين الولايات المتحدة وإيران». وأضاف أن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة العالمية قد «حفّز الاهتمام» بهذه القضية وجعلها أولوية دولية.
وأوضح أن ممرّات مائية أخرى مثل قناة بنما تعمل تحت أُطُر قانونية مختلفة تمامًا عن تلك الخاصة بالمضائق، وتسمح بالفعل بفرض رسوم لقاء «الخدمات المقدمة للمحافظة على البنية التحتية». وسيكون لافتًا ما إذا حاولت دول ساحلية أخرى تقليد إيران بفرض مبالغ لقاء المرور عبر مضائق طبيعية؛ فثمة من يقترح مثال الدنمارك في بحر البلطيق كمثال افتراضي. ومع ذلك، عبّر كراسكا عن تفاؤله قائلاً: «أعتقد أن الدول تدرك أن مكانتها في العالم… وشرعيتها ستتعزّز بالالتزام بسيادة القانون وقانون البحار بدلاً من محاولة فرض وصاية أحادية».
من جانب آخر، يرى خالد الخليق أن هناك دلائل على أن الحكومات والشركات «تتكيف براغماتية بالفعل»: من خلال تنويع سلاسل التوريد، ومراجعة علاوات المخاطر، وتعزيز التنسيق البحري، والاستثمار في مسارات بديلة. وأضاف أن السلوك التشغيلي، رغم أنه لم يُصنّف رسميًا كـ«طبيعي جديد»، يعكس توقعات بتقلب جيوسياسي مستمر يؤثر على التجارة البحرية.
قال ستيفان مورر، أستاذ بإدارة أعمال جامعة برشلونة، إن عواقب تعطّل قناة بنما أو إغلاقها قد تكون «بالغة الخطورة» على التجارة العالمية، حسب درجة التعطّل. فأغلب تدفقات التجارة التي تعبر القناة تربط الساحل الشرقي للولايات المتحدة بآسيا، لكن التجارة الساحلية داخل أمريكا الجنوبية، والتبادل بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة وغرب أمريكا الجنوبية، وكذلك التجارة بين أوروبا والساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، كلها ستتأثر.
وختامًا: سيتكيّف التجّار والأنظمة مع الواقع، لكن البدائل ستزيد المسافات التي يتعيّن قطعها بصورة كبيرة (مثل الإبحار حول الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية)، ما يجعل دول أمريكا الجنوبية الأكثر تضررًا بينما سيُصبِح كلٌّ من الولايات المتحدة وكندا أيضاً من المتضررين بشدّة.